شهوة التوسع

| د. اسكندر لوقــا

ليس مخفياً على أحد في أيامنا هذه أن بريطانيا اليوم كما بريطانيا الأمس، ولكن مع اختلاف الوسائل التي تستخدمها لبسط نفوذها في أرجاء العالم، علناً أو خفية.
بريطانيا اليوم، كما بريطانيا الأمس دولة استعمارية كانت وراء نكبة الأمة العربية منذ أن وضعت نصب عينيها تلبية مطالب الحركة الصهيونية، فكان وعد بلفور، العنوان الصارخ لتتويج تلك المطالب على أرض الواقع في التاريخ الحديث.
وقبل هذا الوعد المشؤوم، لطالما سعت بريطانيا أن تحتفظ بـ«أراضيها» التي لا تغيب عنها الشمس، وإن يكن لا يحق لها أن تمتلك حتى القليل منها، لولا سياسة الاستعمار التي اتبعتها. وفي السياق المتصل، كثيراً ما نصّبت الحكومات البريطانية على رأس مسؤوليها أشخاصاً عرفوا بالحزم والعزم، وذلك على غرار رئيس وزرائها بنيامين دزرائيلي على سبيل المثال، الذي تولى هذا المنصب مرتين، الأولى في عام 1867 والثانية في عام 1874، وكان له تأثيره الكبير في اتجاه حزب المحافظين نحو مناصرة الفكر التوسعي الاستعماري في المرتين.
لقد اتسمت سياسة دزرائيلي مع سياسة بلاده الخارجية بطابع العدوان، وفي عهده عظمت شهوة التوسع لدى بريطانيا، فاستولت قواتها على جزر فيجي والترانسفال، كما شنت حرباً على الأفغان وقبائل الزولو، وفي سنة 1875 اشترى دزرائيلي أسهم قناة السويس من الخديوي إسماعيل، فقوى بذلك مركز بريطانيا في البحر الأبيض المتوسط كما حمل الدولة العثمانية على التنازل لبريطانيا عن جزيرة قبرص في عام 1878، وكان قبل عامين من ذلك وراء تتويج الملكة فيكتوريا إمبراطورة على عموم الهند.
إن شهوة التوسع لدى الحكومات البريطانية لم تخفت أبداً على مدى عقود قبل وبعد دزرائيلي هذا الرجل السياسي والروائي في الوقت عينه. إنه في سبيل تأمين الغطاء على وجهه الاستعماري انكب على تأليف الروايات ومنها رواية «سيسيل» الصادرة في عام 1845 وقبل وفاته في سنة 1881 كانت قد صدرت له رواية أخرى بعنوان «تانكرد» وهو، في الروايتين يبدو داعية للفكر التوسعي الاستعماري الذي كان رائداً في النهج الذي اختطه لبريطانيا وكان النهج الذي سارت عليه بلاده وخصوصاً في القرن التاسع عشر.
والسؤال الذي يطرح نفسه الآن، ماذا بقي من نهج دزرائيلي؟ صحيح أن الرجل ذهب ولكن ماذا عن أفكاره الاستعمارية التي مهدت لوعد بلفور والعدوان الثلاثي على مصر والمساعدة في وضع القبضة الصهيونية العالمية على فلسطين وسوى ذلك من تبعات أمثال دزرائيلي؟
التاريخ الحديث لأمتنا العربية، كما نقدّر، فيه الجواب.