بدر شاكر السياب والأسطورة اليونانية

| د. رحيم هادي الشمخي

ذكر السياب في رسالته إلى سهيل إدريس في 7/5/1958 أن استلهامه للأساطير اليونانية، كان بسبب كونها أجنبية لا تتحمل الجدل والنقاش في قضية الوثنية، أو الإيمان، لأن الرموز العربية قد ارتبطت بالوثنية ومعنى هذا أنه لو استخدمتها فقد يتهم بترويجه للرموز الوثنية على حساب رموز الإيمان.
فلم يستخدم رموز (بعل) أو (أناة) في المرحلة الأولى من التوظيف الأسطوري لأنه خشي من التقول والاتهام، إنما عاد إلى هذه الرموز بعد مرحلة توظيفه للرموز الأسطورية الإغريقية وشيوع استخدامها وهو يذكر أن (أدون) يساوي (السيد) وهو (أدونيس)، وقد انتقل هذا الاسم إلى الإغريق عن طريق الفينقيين، فهو في الأصل رمز عربي كان أهل بابل يطلقون عليه (تموز) وأن هذا الاسم قد انتقل إلى البلدان العربية انتقالاً لفظياً، بتغيير طفيف، وقد وصل اليمن حتى إحدى مدن اليمن تسمى باسمه (تعز) وهي مختصر (تاعوز) وتعوز هو تموز، وتموز هذا تتوحد فيه كل رموز التضحية من أجل إعادة الحياة ودفع الموت على نحو مأساوي حاد، إذ إن مقتل تموز بأنياب خنزير بري ونواح عشتار عليه له ما يماثله في عالم اليوم، ولهذا كان اندفاع السياب وراء رمز تموز، يقول الشاعر:
أيها المنتفض من (أولمب)
في صمت السماء
رافعاً روحي لأطباق السماء
رافعاً روحي (غنيميد) جريحاً
صالباً عيني (تموز) مسيحاً
أيها الصقر الإلهي ترفق
إن روحي تتمزق
إنها عادت هشيماً
يوم أن أمسيت ريحاً
وكأن الرؤيا التي تحط على عيني بطل القصيدة صقر من لهيب، فتتولد من هذا الصقر، صورة الصقر الإلهي القريب الذي انقضى من جيل (الأولمب) في الأسطورة الإغريقية ليختطف (غنيميد) ذلك الشاب اليوناني الجميل، ويحمله إلى جبل (الأولمب) ليصبح ساقياً للآلهة بعد أن وقع في حبه (زيوس) كبير الآلهة.
إن الجميع (السياب، وغنيميد، وتموز، والمسيح) عادوا أشلاء ممزقة مثل (مرثية جيكور) والشاعر الرجيم، ومرحى غيلان، كذلك الحال في قصيدة (رحل النهار)، إذ يوجد فيها بين رمزي (السندباد) و(عوليس) الإغريقي ثم يتوحد بها، ففي هذه القصيدة صور انتظار حبيبته له بما يشبه انتظار (بيتيلوب)، لـ(عوليس) في (الأديسة) يقول الشاعر:
رحل النهار
ها أنه انطفأت ذبالته على أفق توهج دون نار
وجلست تنتظرين عودة
سندباد من السفار
والبحر يصرخ من ورائك بالعواصف
والرعود
هو لن يعود أو ما علمت
بأن أسرته آلهة البحار
في قلعة سوداء
في جزر من الدم
والمحار
هو لن يعود.. رحل النهار
فلترحلي.. هو لن يعود
وكذلك (التيس) إله الحرب عند سكان آسيا الوسطى، ما يدل على غنى المصادر الأسطورية في شعر السياب، إن الأسطورة اليونانية أخذت رحباً في نص السياب الشعري وقد استطاع السياب أن يوظفها ويعكسها على الواقع العربي والإنساني وعلى معاناته الشخصية، يقول أدونيس عن بدر شاكر السياب (الحياة نفسها عند السياب قصيدة لقاء بين شكل ينهدم وشكل ينهض، إنها انبثاق أشكال وهي كالقصيدة، شكل، وليس الشكل تمثيلاً نقلياً أو وصفياً إنه فضاء خارجي يحوي فضاء داخلياً.
في مثل هذا الأفق يتحول الشاعر إلى غريب يعيش وهم الحياة التي يستقيها من الأسطورة، لترتد غربته الفكرية والنفسية حملاً ثقيلاً عليه ثقل صلب المسيح، خطى قصيدة (غريب على الخليج العربي) التي تمثل غربة الشاعر يقول مخاطباً وطنه بشوق:
بين القرى المنتهيات خطاي
والمدن العربية
غنيت تربتك الحبيبة
وحملتها
فأنا المسيح يبحر في المنفى
صليبه
لقد استمد الشاعر الكثير من الأسطورة اليونانية ومن الألياذة والأوديسة فكانت هذه المصادر، حالة غنى لفكرة الشاعر، إن ارتداد الشاعر إلى الأسطورة هي الانفلات من أسر الواقع وتناقضاته، والتحليق في فضاء حالم، بعيداً عن الإرهاصات التي نراها تطغى على نصفه الشعري.
لقد عانى الشاعر السياب كثيراً واقعه الاجتماعي والاقتصادي والسياسي وزاده وضعه الصحي زيادة أخرى، فلم يجد سوى الشعر ملاذاً للتنفيس وبث أفكاره وأحزانه، ولم يجد للحلم سوى الأسطورة لخرق قسوة الزمان، ولحدود المكان، يقول الشاعر:
كان المسيح بجنبه الدامي
ومئزره العتيق
يسد ما حفرته ألسنة الكلاب
فاجتاحه الطوفان
حتى ليس ينزف
منه جنب أو جبين
إلا دجى
كالطين
تبني منه دور اللاجئين