مريم علي وآمال سعد الدين في «الآن والأمس» … حنين إلى الماضي الجميل.. والتمسك بإرادة الحياة

| وائل العدس

تشير الدراسات المسرحية منذ عرض «الغرفة» لمؤلفه هارولد بنتر1957، إلى أن هذا المكان المسرحي يجعل قاطنه أكثر قدرة على البوح بأسراره، والإعلان عما يشبه فضائح تستفيد من سينوغرافيا الغرفة لتصارح المتفرجين بحوارات متميزة بخصوصيتها.
ففي وقت ينكفئ فيه كثير من النجوم عن المسرح، متوجهين إلى أضواء الدراما وشهرة السينما، قررت النجمتان مريم علي وآمال سعد الدين إحياء المسرح بتجربة فريدة وتحد كبير وصعب، جاذبين عشاق الخشبة عبر «مسرح الغرفة» في غاليري مصطفى علي بدمشق القديمة بعرض تحت عنوان «الآن والأمس».
بين مساحة صغيرة وطموح بلا حدود، بين الخشبة التي لا تتجاوز أبعادها مترين وجدران الغرفة التي تشرف على حياة باتت محدودة المساحة والخيارات بدورها؛ بين هذا وذاك، أنجزت الاثنتان عملاً بسيطاً للتعبير عن واقع وهموم عاشها السوريون ويعيشونها منذ ما يقارب سبع سنوات.
ويتحدث العمل عبر ساعة من الزمن عن الواقع الذي نعيشه اليوم والذكريات المخبأة في الأمس، حنين إلى الماضي الجميل ومقارنة بما يمر بنا في الحاضر، وباعتبار أن الغد مجهول لنا فقد غاب عن عنوان العمل، وبرمزية العنوان احتوى المضمون على واقعية تحاول الابتعاد عن السلبية، والبحث ضمن الداخل بمشاعره وردات فعله التي تتجسد بقرارات يصل إليها الإنسان ليتجاوز بها واقعاً لا يرضيه.
وتناول العرض في طياته امرأتين تعيشان الراهن من آثار الحرب من النواحي الاجتماعية والنفسية والإنسانية، بما ولدته من خوف ووحدة وفراغ يكبر يوماً بعد يوم بوداع الأصدقاء والأحبة، لنصل إلى رؤية واضحة وهي أن الحياة مستمرة وترغمنا على مقاومة الضغوط المحيطة بنا، عبر «الممثلة ليلى» (مريم علي) وجارتها «موظفة البريد عواطف» (آمال سعد الدين)، تحتميان ببعضهما وتبتعدان عن الحرب بملء دقائق يومياتهما بالأحاديث والتسلية واستذكار الماضي.
تعيش الممثلة هاجس الخوف من شبح طفل يطاردها في خيالها، ليصبح كابوساً يومياً يغرقها في دوامة الهروب، هذا ما أظهرته بعكس الجارة التي لا تبالي بأي شيء حولها عبر سلوكها البسيط وأشعارها المنثورة هنا وهناك وغرقها في صفحات «فيسبوك» لتأتي لحظة المواجهة وتزيح القناع عن داخلها المشوه بفعل الحرب، والمعدوم الإحساس والغائب عن كل حياة، من خلال إعلانها عن قرار السفر إلى الخارج، فتزيد من وحدة الممثلة وتبقى الحياة مستمرة لا بإرادتها، لا بجبروتها وإرغامها على التأقلم مع الواقع، لكنها بقيت متمسكة بإرادة الحياة.
تقول مريم علي: إن فكرة العرض بدأت بـ«مونودراما» لـ«ليلى» الممثلة، ومن ثم تطور إلى شخصيتين «ليلى وعواطف»، جلسات مكثفة من التحضيرات مع علاء الدين العالم خريج المعهد العالي للفنون المسرحية كما أضافت إلى النص الكثير من التفاصيل الجديدة والإجابة عن الكثير من الأسئلة التي أغنت النص، ومع دخول سعد الدين شريكة في العمل ساهمت بتطوير النص من خلال شخصية «عواطف»، الكثير من الإضافات والمعالجة الدرامية المختلفة رافقت الورق المكتوب خلال فترة التحضير، لنصل إلى نص مسرحي دق أبواب المعهد العالي للفنون المسرحية ومسرح القباني لكن الأبواب لم تفتح فكان «غاليري مصطفى علي» هو المسرح وغرفته الدمشقية هي الخشبة.
وتؤكد صاحبتا العرض أن المكان هو الذي تحكم فينا وليس العكس، تجهيز هذه الجدران العتيقة بما يلزم من أدوات إضاءة وصوت كان مبنياً على حاجة العرض بأفضل نتيجة مرجوة، واجهنا العديد من المشاكل لأن المكان ليس مؤهلاً لأن يكون مسرحاً، لكننا استطعنا تجاوزها بالحلول المناسبة، وعلى الرغم من كل شيء يبقى للمكان خصوصيته، عرضنا في هذه الغرفة هو اختبار ومن الممكن جداً أن تتم إعادة العرض ضمن مسرح بعد فترة من الزمن.

مسرح الغرفة
انتشرت «مسارح الحجرة» أو «الغرفة» كشكل من أشكال التجريب والتمرد على تقليدية خشبة المسرح الإيطالية، وتنوعت التجارب وتعددت الأفكار، واتفق أغلبها في تقديم مشاهد من الاعترافات والبوح والتعبير عن المعاناة.
القوالب والأشكال المسرحية كثيرة ومتعددة، وهي تختلف طبقاً لاختلاف العصر وطبيعة المتلقي، وأيضاً باختلاف النصوص والرؤى الإخراجية، التي قد يحكمها أحياناً طبيعة المكان، ومن ثم فقد تعددت التجارب طبقاً لاختلاف المكان ومن بينها على سبيل المثال عروض مسرح الشارع، مسرح القهوة، مسرح القرية، مسرح الجرن، وأيضاً مسرح الغرفة أو الحجرة.
وقد ظهر «مسرح الغرفة» أولاً وانتشر كشكل من أشكال التجريب والتمرد على تقليدية (العلبة الإيطالية)، ولذا قدم لنا بعض كبار كتاب المسرح العالميين بعض النصوص القصيرة- التي أطلق عليها فيما بعد مسمى مسرحيات الحجرة- ومن بينهم على سبيل المثال كل من الكتاب العالميين: «أوجست سترندبرج»، «تشيكوف»، «صمويل بيكت»، «هارولد بنتر».
«الغرفة» هي أحد الفضاءات البديلة التي تشكل ببنيتها وحيزها وإيحاءاتها غير المباشرة إغراءً لاقتراح نَفَس ثقافي حيوي ومختلف، وهي تجربة جريئة يسميها البعض مجنونة. يقبل بها البعض ويرفضها آخرون. ومن هنا، لا بدّ من تشجيع الشباب الطموح الذي يضع المسرح هدفاً من أهدافه الفنية، والذي يقدِّم التجريب واضعاً له أسساً يسعى من خلالها إلى التطوير، واليوم يجد في تظاهرة «مسرح الغرفة» ملجأ متجدداً لمشروع جديد.

فريق العمل
الممثلون: مريم علي وآمال سعد الدين والطفل ورد رحمة وباسل الدكاك وآرجوان محمد إضافة إلى رباب كنعان (صوت المذيعة) وغريس الأحمر (صوت سمر) ووعد أبو زيد (صوت يارا).
موسيقا: رعد خلف، تعاون درامي وفني: علاء الدين العالم، سينوغرافيا والبروشور: باسل جبلي، هندسة الصوت والمؤثرات: إلياس وهبة، تجهيزات صوتية: صوت أونو – إدمون دردريان، إشراف تقني: فادي نصراوي، تصوير فوتوغراف: ياسين شيخ الصاغة، تصميم الإضاءة: مهند العلبي، تنفيذ الإضاءة: علاء الكيزاوي وليوناردو الأحمد، تنفيذ الصوت: نضال الغراوي، تحريك الديكور: إيهاب إلياس.