قمة سوتشي والصراع الصامت

| مازن بلال

ضمن وضع نظري فقط، فإن المصلحة الإستراتيجية الإيرانية الروسية التركية، تبدو مشتركة، فمحاصرة الأزمات في سورية وإنهاؤها سيحددان ساحة إقليمية مفيدة للدول الثلاث، وسيبعدان عملياً بعض الخصوم الأساسيين على الأخص بالنسبة لتركيا، لكن هذا التوافق النظري لا يعني قدرتهم على التوصل إلى حلول مشتركة وهو ما استدعي الدعوة إلى القمة في سوتشي، فمرحلة «ما بعد داعش» تحتاج لتحديد الأدوار نتيجة الصراع الحاد في الشمال الشرقي لسورية، مع إمكانية إشعال جبهة طويلة عبر ما يسمى «قوات سورية الديمقراطية – قسد»، فاحتمالات التصادم معها يمكن أن تعقد الوضع وتدفع الأزمة السورية إلى مساحة إضافية من التصعيد.
عمليا فإن تركيا تشكل العقدة الأساسية في التوصل إلى توافقات ثابتة لمحاصرة الأزمة في مرحلة ما بعد داعش، وتدرك موسكو أن التحرك التركي يمكنه التعامل مع ملفين معقدين هما:
– «هيئة تحرير الشام» أي جبهة النصرة، التي نمت وتطورت بتسهيلات تركية، وتمتلك كل قواعدها على الحدود التركية السورية في محافظة إدلب، وقرار أنقرة في التضييق على «هيئة تحرير الشام» سيؤدي بشكل سريع إلى انهيارها عسكريا، ولكن حكومة العدالة والتنمية تحاول تحسين مواقعها في الشمال السوري بشكل يضمن عدم انتشار القوات الكردية إلى داخل محافظة إدلب، وهي لا تتخذ أي إجراءات صارمة بحق «هيئة التحرير الشام» بانتظار وضوح التوازن العسكري ضد ميليشيا «قسد».
تدرك أنقرة أن مسألة المجموعات المسلحة في إدلب هي بقايا أوراقها القديمة داخل الأزمة السورية، وفي المقابل فإن قرارها الحاسم بشأن هذا الموضوع يحتاج لترتيبات سياسية داخلية ولحساب مجمل علاقاتها الإقليمية والدولية، فأي ترتيبات تركية لمصلحة إنهاء الوجود المسلح في إدلب يعني في النهاية انتصاراً لمصلحة الحكومة السورية، فهناك شرط سياسي تركي للمضي في هذا الموضوع بدأ مع منحها دوراً في اتفاقيات «خفض التصعيد» وبفرضها أمراً واقعاً على المستوى العسكري في ريف حلب الشمالي، وسيستمر هذا الأمر مع تطور الحل السياسي، وقمة سوتشي القادمة تبدو ضرورية لمعالجة هذا «الشرط» التركي على الأخص أن موسكو تريد رسم ملامح الحل السياسي وفق توازن يتيح للحكومة السورية التحرك بحرية وضمن دور سياسي فاعل.
– الملف الثاني يرتبط بالأكراد وانتشارهم الواسع على طول حدودها مع سورية، وهو ما يدفعها إلى رفض حضورهم سواء في جولات جنيف، أم حتى في الحوار السوري السوري في سوتشي، فهي لا تريد حضورا منظما لهم في أي ترتيبات دولية، على حين لا تمانع من وجودهم ضمن هيئات عامة مثل «الائتلاف».
بالنسبة لموسكو فهي تريد فسح مجال مختلف للأكراد بدلا من وجودهم في مساحة العلاقة مع الولايات المتحدة، وتحاول فتح مجال سياسي لهم سواء عبر سوتشي، أم سابقاً من خلال جولات التفاوض في جنيف، والمعضلة الأساسية هي أن تركيا غير قادرة على حسم هذا الموضوع إلا ضمن التصور العام الذي لا يتيح للأكراد مستقبلا التأثير في الداخل التركي.
في المنتجع الروسي ستدخل القمة الثلاثية في مسألة «الانتقال السياسي» حسب ادعاء الأتراك، لكن الواضح أن موسكو تريد وضع خطوط عامة لإنجاح الحوار السوري السوري في سوتشي، وتريد دفع تركيا لمساحة تفاوض سياسي بدلا من البقاء في إطار تفكيرها القديم حول نفوذها ودورها في سورية، ورغم صعوبة هذه المهمة إلا أن روسيا تعرض على تركيا مجالا أوسع في دائرة الأمن الإقليمي، فالقمة الثلاثية بذاتها تبدو نقطة في تأسيس مجال شرق أوسطي للدول الثلاث، وهذا الأمر سيدفع المبادرة إلى مساحة تركيا التي ستجد نفسها عاجلاً أم آجلاً أمام استحقاق حسم المسائل العالقة بشأن مستقبل علاقاتها إقليمياً، وعلى الأخص مع سورية، ودولياً في ظل تبلور نظام عالمي مختلف.