سياسة ترامب الحمائية العدوانية تُدمر إرث الرأسمالية

| قحطان السيوفي

سُمي العقدان التاليان للحرب الباردة، عصر العولمة، وشهد العالم حركة واسعة لرأس المال والسلع والأشخاص، وخلال الزمن الفاصل بين سقوط الاتحاد السوفييتي وبداية الأزمة المالية العالمية عام 2007، ازدادت التدفقات الرأسمالية الدولية من 5 في المئة من إجمالي الناتج المحلي العالمي إلى 21 في المئة، وازداد حجم التجارة عشرين في المئة، واليوم يبدو المشهد أكثر تعقيدا، فالتدفقات الرأسمالية الدولية في هبوط، والتجارة في كساد، فهل هذا يُنذر ربما بعصر اللاعولمة؟
إن درجة العولمة الطبيعية خلال الفترة من 2011 ـــ 2015 أقل منها في العقد الماضي بأكثر من النصف، ما يعني ارتفاعاً حاداً في درجة اللاعولمة المالية، وفي قمة دافوس الاقتصادية الأخيرة قال الرئيس الصيني تشي جين بينغ إن «القول بأن العولمة الاقتصادية هي السبب في مشاكل العالم هذا أمر لا يتفق مع الواقع، فالعولمة كانت المحرك للنمو العالمي وسهّلت حركة البضائع ورأس المال، والتطورات في العلوم والتكنولوجيا والحضارة»، ورؤيته هذه تتطابق مع رؤية الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون في المنتدى الاقتصادي العالمي عام 2000، الذي قال إن «الأسواق والتجارة المفتوحة، هي أفضل محرك نعرفه لرفع مستويات المعيشة، وبناء الرخاء»، وبالمقابل الرئيس الأميركي دونالد ترامب رفض ذلك في دافوس وقال: «علينا حماية حدودنا من ويلات البلدان الأخرى التي تصنع منتجاتنا، وتسرق شركاتنا، والحماية ستؤدي إلى ازدهار كبير وقوة»، كما انتقد ترامب الصين في خطابه بقمة التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ «أبيك» الأخير في فيتنام، قائلاً: «لن نسكت عن المبادلات التجارية غير المنصفة بسبب ممارسات التبادل التجاري العالمي»، مشدداً على التجارة الثنائية، وقال: «لدينا عجز تجاري مع الصين كبير وسيئ جدا»، وقد بلغ العجز 274 مليار دولار في السلع للأشهر التسعة الأولى لعام 2017.
المفارقة أن موقف ترامب من التجارة العالمية رد عليه الرئيس الصيني تشي جين بينغ، بموقف الدفاع عن العولمة مؤكداً الدور الريادي للصين وضرورة تطوير فلسفة التجارة الحرة كي تصبح «أكثر انفتاحاً وتوازناً وإنصافاً»، ولكن عملياً ألغى ترامب بالفعل مشاركة الولايات المتحدة في اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادي التي تم التفاوض عليها في عهد سلفه، وأعلن عن نيته إعادة التفاوض على اتفاقية التجارة الحرة في أميركا الشمالية «نافتا» وهدد بإجراءات عقابية بحق المكسيك من قبيل «فرض رسوم جمركية بمعدل 35 في المئة» وعلى الصين «فرض رسوم جمركية بمعدل 45 في المئة».
يبدو أن اقتراحات ترامب تهدف إلى إحياء الموتى من الناحية الاقتصادية كما كتب مارتن وولف في «الفاينانشال تايمز»، والتراجع عن الاتفاقيات الماضية بالتأكيد سيجعل الولايات المتحدة تبدو شريكا لا يُمكن الاعتماد عليه، ومن المرجح أن تكون هناك ردود فعل انتقامية من الصين.
وفقا لتحليل أجراه معهد «بيترسون» للاقتصاد الدولي، فإن الصين والمكسيك معا تُشكّلان ربع التجارة الأميركية، وإذا وقعت حرب تجارية كاملة، من الممكن أن ينخفض التوظيف في الولايات المتحدة 4,8 ملايين وظيفة في القطاع الخاص، ولذلك عواقب هائلة في الجغرافيا السياسية.
إن التخلي عن اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادي، قد يؤدي إلى توجه عدد من حلفاء الولايات المتحدة الآسيويين إلى الصين، وتجاهل قواعد منظمة التجارة العالمية قد يُدمّر المؤسسة التي توفر الاستقرار للجانب الحقيقي من الاقتصاد العالمي، والنتيجة الأكثر احتمالا الوصول إلى سياسة تجارية لتتصرف فيها كل دولة على هواها، وهذا يُذكرنا بكتابين ظهرا قبل نهاية القرن العشرين الأول «نهاية التاريخ» لفوكوياما، والثاني «صراع الحضارات» لهنتنغتون.
وعلى رغم تعارض مضمونهما الظاهر، إلا أنهما لمسا جزءاً من التفاعلات المستقبلية التي ترجمت بعد ذلك في شكل العولمة بمظاهرها المختلفة، وتنبأ الأول بمنظور واحد للمجتمعات متمثلاً في الرأسمالية الغربية بشكلها الاقتصادي، والديموقراطية بشكلها السياسي، أما الثاني فتوقع صداماً بين ثقافات وحضارات مختلفة، وبعد ما يقرب من ربع قرن نجد أن ملامح تنبؤاتهما أظهرت خلخلات في المجتمعات، واختلافاً وصراعاً على الهويات، وفقراً وجوعاً، وعادت الوحشية متمثلة في الإرهاب، ومن الأمثلة البارزة ظاهرة اليمين الشعبوي في المجتمعات الغربية الذي تجلى بتصويت البريطانيين للخروج من الاتحاد الأوروبي كانعكاس للعولمة بشكلها السياسي والاقتصادي.
المفاجأة الأكبر كانت بفوز ترامب بالانتخابات الرئاسية الأميركية ودعواته لطرد الأجانب من أميركا التي كانت قبلة للمهاجرين، ووجود نسبة كبيرة من الأميركيين يعتقدون الأفكار الانعزالية في مجتمع أنتج وصدر مظاهر العولمة وشعار «أميركا أولاً» الذي تبناه ترامب يشكل نهجاً عدوانياً، ويواجه فريق ترامب أيضا معارضة من كل من مجتمع الأعمال وأعضاء حزبه في الكونغرس، اللذين يشعران بالقلق من تهديداته بالانسحاب من الاتفاقيات التجارية الدولية، وفي الوقت الذي تقوم فيه إدارة ترامب بتمزيق اتفاقيات التجارة القائمة، في محاولة لمعالجة العجز التجاري الأميركي، فإنه لن يكون العديد من شركاء أميركا حريصين على التعامل معها على الصعيد الثنائي، وفي هذا السياق يبدو خطاب ترامب «أميركا أولاً» كأنه إعلان لحرب اقتصادية.
بمجرد أن تُهاجم أميركا نظاما أنشأته، فإن هناك نتيجتين محتملتين فقط، انهياره أو إعادة إنشاء النظام حول قوة جديدة، وما دفاع الرئيسي الصيني عن بعض المظاهر الإيجابية للعولمة إلا مؤشر على ذلك، فمن كان يتصوّر أن النزعة التجارية البدائية ستستولي على آلية صُنع القرار في أميركا، أقوى اقتصاد للسوق في العالم؟
العولمة لم تمت مع صعود ترامب، وهي تمضي من دون ترامب لكنها تتعثر،و ترى ألا تشير إجراءات سياسات ترامب الشعبوية الانعزالية العدوانية المؤيدة لاتجاهات اللاعولمة إلى رغبته في إضعاف إن لم نقل تصفية أو تدمير، إرث الرأسمالية؟