مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي … يُعاصر زمنه ويقدّم قيمة جمالية

| القاهرة – د. ميسون علي

كان الحدث الثقافي الأبرز في الشهر المنصرم هو افتتاح الدورة الرابعة والعشرين لمهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي والمعاصر، بحضور وزير الثقافة المصري حلمي النمنم ورئيس المهرجان البروفسور سامح مهران، وفعاليات ثقافية وفنية وسياسية. وبهذه الكلمات قدم د. مهران المهرجان، مؤكداً دور المسرح قائلاً: «إنه يكتشف، يزيل الأوهام، يختلف، يناقش، يصارع ما فات زمنه وأوانه، يعرض لآفات الحاضر، يستشرف المستقبل، يعلو على الأيديولوجيات ويفضح بؤسها، وأشباحها، وسيمياءها، فننظر من نوافذ جد مختلفة، معيدين التفكير في الطريقة التي كنا نفكّر بها، لنعبّد طرقاً كانت للتو غير مأهولة، فتؤهل بعد ما امتلكنا براعة السؤال».
انطلق المهرجان بمشاركة أربعين دولة، بين فرق وعروض مسرحية وندوات فكرية وورشات عمل وضيوف.

حفل الافتتاح
شهد حفل الافتتاح تقديم فقرات ذات قيمة فينة وجمالية عالية، نابعة من الثقافة والتراث والهوية المصرية، وهي عبارة عن عروض أدائية من الموسيقا والرقص لفرقة التنورة التراثية، ومن ثم تكريم عدد من الشخصيات الأكاديمية والفنية البارزة عربياً ودولياً وهم: د. حسن المنيعي (المغرب) الناقد المسرحي وأستاذ الترجمة والنقد والمسرح، د. مارفن كارلسون أستاذ المسرح والأدب المقارن والدراسات الشرق أوسطية (جامعة نيويورك)- محفوظ عبد الرحمن- كاتب وباحث (مصر)- مينج جين خواي مخرج مسرحي والمدير الفني لمهرجان الهامش في بكين (الصين)- د. إريكا فيشر ليشته أستاذة الدراسات المسرحية في جامعة برلين الحرة- مديرة مركز البحوث الدولية في الوزارة الاتحادية للتعليم والبحث (ألمانيا).

عرض الافتتاح
تلا التكريم تقديم عرض «الشقيقات الثلاث» (جورجيا) مسرح حركي- إخراج قسطنطين يورتسلادزي، والنص يطرح إشكالية أكثر اقتراباً من طبيعة حياتنا في المجتمعات المعاصرة بكل ما يعتريها من انعزال مجتمعي، حيث شخصيات تعزل نفسها داخل قوقعة خاصة وتجتر حياتها من دون فعل ورؤية تكسر هذه الرتابة والملل والهذر الثقافي… الأداء الحركي كان بليغاً عبر جمل نقلت بالقدر نفسه من الدقة، ما عبرت عنه كلمات أنطون تشيخوف في النص. المخرج هو نفسه مصمم الأداء الحركي بموسيقا «الفرد شينتك»… ذلك كله ضمن فضاء وسينوغرافيا بسيطة ومعبرة بعمق عن العزلة والثرثرة والتكرار، ومن خلال إكسسوارات بسيطة أبرزت البرودة في الألوان، والتناقض الحاد بين الأبيض والأسود.

العروض المسرحية المشاركة
حرصاً على التنوّع وتعدّد الدول المشاركة، تم اختيار 27 عرضاً، منها 6 عروض عربية و6 عروض مصرية و15 عرضاً أجنبياً. وكان اختيار العروض من لجان المشاهدة قد جاء وفق معايير فنية، والابتعاد عن المُحاصصة السياسية، ليتم التركيز على النوعية وليس التمثيل الرسمي للدول بغض النظر عن مستوى العرض. وتم إلغاء المسابقة والجوائز، ليبقى التنافس (بحسب إدارة المهرجان) فقط في الدفع بروح الرؤى الجديدة للخروج من تقليدية المسرح، وإتاحة المجال للاحتفال بالفن فقط، لأن التسابق يقوم على محددات مسبقة، وهو ما يتعارض مع مفهوم التجريب.
وقد تنوعت العروض من حيث المضامين والأشكال، ليغدو التجريب والمعاصرة السمة الأساسية فيها وأهمها: «وفاة بائع متجوّل» (أميركا)، الذي أبرز التعارض بين ما هو فردي وما هو اجتماعي، من خلال شخصية «ويلي لومان» البائع الجوّال، بين رغبته وطموحه في الشهرة والمال والحب، وإمكاناته الشخصية الضعيفة، في مجتمع رأسمالي ضاغط يبرز هشاشة ووهم «الحلم الأميركي». تميّز العرض بأداء واقعي في فضاء مؤسلب غني بالدلالات، واستخدام الأقنعة التي كانت عنصراً أساسياً لدى الممثل.
المرأة الدجاجة (تشيلي) ويحكي قصة فتاة مهمشة مُقصاة حُكم عليها بالعيش داخل قفص، لمجرد إصابتها بمرض. وبعد تحررها من سجنها، ترقص كطائر ذبيح… امرأة حالها أشبه بحال الوطن (تشيلي) مسحوقة مثله في أيام حكم الجنرال «بينوشيه» تعذيب وسجن ونفي، أداء لافت في فضاء فارغ إلا من القفص ولوحة تشكيلية.
حب التاسعة والنصف (الصين) مونودراما لممثلة واحدة، ويمكننا اعتبار هذه المونودراما أقرب إلى العرض الأدائي One Man Show حيث تتداخل فنون متعددة هي الأداء والموسيقا والسرد والشعر والنحت والتشكيل، بدا العرض كقصيدة نثرية تقدم الحياة اليومية لبطلة العرض «مي»، التي تنسلخ من ذاتها لتقدم وتبني شخصيات متعددة تواجهها غالباً في مجتمع مادي قاس.. وتم تقديم العرض بأسلوب القطع المتوازي المستخدم في السينما، وسينوغرافيا مجردة في معظمها، عبّرت عن السرد الآني والمتخيّل ومساحات اللاوعي في العرض.
خريف (المغرب) مسرح حركي، يقدم شخصية امرأة مريضة بالسرطان وأحاسيسها السلبية تجاه ذلك، تروي المرأة بالأداء الحركي قصتها مع المرض، ولعبة تبادل الأدوار بينها وبين زوجها، والتداعي الحر للجسد، ضمن فضاء فارغ إلا من خزانة في عمق الخشبة، هي كناية عن الحياة الحقيقية للمرأة، أو الصندوق الذي تختبىء فيه من العالم. يقدم العرض آلام ما بعد الموت ويُعري النفس البشرية، تقاوم مشاعر العطف لدى الناس، ومشاعر زوجها المزيفة، وتمردها وسخريتها من الموت، لأنها تكتشف أن السرطان أو المرض الحقيقي هو المجتمع والزوج.
أما «رحلة فوق المدينة» نارينيه جريجوريان (أرمينيا) ففيه إعادة تشكيل مفهوم الوطن، حيث سماء عالية تحتضن قضية إنسانية، وأوطان تهجر مواطنيها فيتخذ كل إنسان شخصاً آخر ليكتشف العالم من خلاله وطناً جديداً… العرض بسيط والسينوغرافيا عبّرت بقوة عن عالم مرسوم بخيوط مشكلة على هيئة منزل وحديقة، فيها إعادة تشكيل مفهوم الوطن عدة مرات.
وهناك عرض «الحيوات السرية لزوجات بابا سيجي» (كينيا) أداء وإخراج ميمونة جالو، وهو سرد واستحضار لحكايات نساء متعددات، والقرع على طبول الممنوع في المجتمعات الإفريقية، ضمن سينوغرافيا يغلب عليها الطابع الإفريقي التقليدي.
ومن العروض الأخرى المشاركة: «ماسكارا ضد كابيليرا» إيروين فيتيا (المكسيك)- «عطيل» (بلجيكا)- «زمن العجائب» (مسرح حركي) ليديا كوبينا (روسيا).
أما العروض العربية فهي: «ظلال أنثى» هزاع البراري ( الأردن)- «عربانة» حامد المالكي (العراق) – «نساء في الحب والمقاومة» لمريم العكاري (تونس) «ليلة خريف» سيرين أشقر (لبنان) ومن مصر: «التجربة» لأحمد الألفي- «نساء بلا غد» لمنال غانم و«يوم أن قتلوا الغناء» لمحمود جمال.

ندوات فكرية وورشات عمل
وبالتوازي مع العروض المسرحية، أقيمت ندوات فكرية في المجلس الأعلى للثقافة، وقد تولت تنظيم وتنسيق الندوات الفكرية الدكتورة أسماء يحيى الطاهر عبدالله، وكان مستهل ذلك ندوة دولية تكريماً للباحثة الألمانية «ايريكا فيشر ليشته» بعنوان (جماليات الأداء وتناسخ ثقافات الفرجة بين النظريات والمستقبل). ثم وعلى مدى ثلاثة أيام عقدت الندوة الفكرية من خلال المحاور التالية:
التراث والمدينة- أشكال المسرح المعاصر وقضية المعنى- المسرح المعاصر والتحايل على الفرضيات الثقافية السائدة- الفرضيات الثقافية والخطاب السائد في المسرح.
وقد شارك في الندوات باحثون وأكاديميون من مختلف الدول: د. محمد المديوني (تونس)- د. سعيد كريمي (المغرب)- د. ميسون علي (سورية)- مارفن كارلسون (أميركا)- جوناثان جيل هاريس (نيوزيلندا)- عوّاد علي (العراق)- فيمي أوشوفيسان (نيجيريا)- د. سامح مهران (مصر)- أحمد خميس (مصر)- عليا الخالدي (لبنان)- شاكر عبد الحميد (مصر)- إليسا بيليم ( البرازيل)- زيرون بيرانو (إثيوبيا)- د. إيمان عز الدين (مصر)- ميدافي مينون ( الهند).
أما الورشات المسرحية فكانت متعددة الاختصاصات منها (المسرح الوثائقي) دينيس بوتكس (أميركا)- ورشة الإضاءة المسرحية، منى كنيعو (لبنان)- ورشة مسرح الشارع تكنيك فنون مسرح الشارع ومدى تأثيره في بناء الأمم، إسلام سعيد (مصر)- ورشة دراسة المشهد، جيلز فورمان (أميركا) طرق تحليل الشخصية المتخيلة من خلال السياقات الضمنية غير المعلن عنها في النص، والوقوف على الحياة الداخلية والخارجية للشخصية المراد تجسيدها- ورشة (جماليات التدفق) للمخرج والمؤلف الموسيقي هيثم طنطاوي (مصر) ركزت الورشة على العمل الجماعي في المسرح والموسيقا وربط تقنيات الجسد مع تقنيات الموسيقا والغناء على المسرح، من أجل خلق عرض أدائي متكامل- ورشة الكتابة المسرحية- فيمي اوسوفيسال أستاذ الدراما في جامعة كوارا ماليتي نيجيريا- ورشة الإخراج المسرحي لمحترف Meng Theatre Studio- إدارة مينج جين خواي (الصين)- ورشة «الموسيقا والرقص المسرحي» نيكولاس كانتيون، والورشة عبارة عن مقدمة لتقنية الأساليب المتعددة حركة بحث مستمرة عن التكوين المفصلي حيث كل سلسلة عضوية تستخدم لإنتاج المرونة في الجسم.

مجلة التجريبي
واكبت مجلة (التجريبي) المرافقة للمهرجان، التي صدرت يومياً باللغتين العربية والإنجليزية جميع الفعاليات من حيث الأخبار والمقالات النقدية واللقاءات الصحفية مع المسرحيين المشاركين، كما أتاحت لهم فرصة المشاركة في الكتابة على صفحات المجلة، ما أضفى بعداً عربياً ودولياً على مجمل موادها.