لا حدود لعطاء الفن ولو عرف العالم قيمته لاختفت الجريمة … جورج شمعون لـ«الوطن»: التجربة الجمالية هي قبل كل شيء أن نقبل موضوعاً لذاته

| طرطوس: سناء أسعد

الإبداع حكاية لا يتقن روايتها إلا من أبدع في تأليف ونسج حروفها ولا يتقن التمتع بها إلا من انتفض بعمق إحساسه للإصغاء لها.. هو رحلة من الواقع إلى الواقع ومن الحياة إلى الحياة، من الحب إلى الحب ولكن بطرق وأساليب لا تشبه الاعتيادي والمألوف منها. نسافر بها عبر مخيلة المبدع بشوق كبير لاكتشاف سر عالمه، نسافر ونحن نسأل عن كيفية تفسير ذلك السحر الذي قادنا إليه: أهي إرادته أم إرادتنا أو الاثنتان معاً أو هي تلك الحروف التي تجري في عروقها دماء نبيلة بدلا من الحبر؟ لابد أنها تلك الروح التي بعثت الحياة في جسد الريشة وجعلت منها أنثى تراقص لوحاتها ببراعة وتتمايل بين خطوطها وجسدها خال من الضلوع التي تعيق انثناءاتها وتمددها بين ألوان انبثقت ومزجت من تنهيدة أنفاسها.

عندما نتكلم عن فن يبوح بصمته، عن صرخة إبداع بنكهة وطنية، عن تجربة جمالية أنعشت تراثاً اجتمعنا على حبه والتفاخر به.. عن أرواح ذابت وصهرت في بوتقة كل روح انسجمت وتفاعلت معها بالإحساس والشعور والرغبة فإننا نتكلم عن «ألواح تتكلم» معرض لعنوانه حكاية ولغته البصرية نطقت بالحكمة والمعرفة والمحبة والسلام.. وارتقت في بوحها إلى فضاء لا حدود لسموه إلى عمق الجمال وطهر المعاني ونبل الرسالة.
في معرض «ألواح تتكلم» لتجمع فنانات أورنينا في طرطوس أبدع الفنان جورج شمعون بتجربته البصرية المتفردة بتجسيد آثار سورية وحضارتها بلوحات تشكيلية رائعة وشاركته بهذه التجربة عشرون سيدة سورية.
شمعون وعشرون زهرة فاح عبق بوحهم الصامت في مدينة طرطوس على أمل أن ينتشر هذا العبق ليستنشقه العالم كله.
ولنغوص في عمق هذه التجربة وسر جمالها وللوقوف عند تفاصيلها أكثر التقينا الفنان التشكيلي جورج شمعون الذي ما إن تحدثه تشعر أنه يخاطب روحك وإنسانيتك قبل عقلك وأنك يجب أن تتفنن بالإصغاء لما يقول فكيف إذا كان حب الوطن وعشقه يرفرف في شرايين كلماته وحروفه فكم فن يجب أن نتقن ليكون فيض الإصغاء يوازي تدفق البوح.

كيف بدأت فكرة المعرض؟
فكرة المعرض بدأت من الحجارة الرملية في طرطوس القديمة هذه الحجارة التي شاخت بفعل البحر والمطر والريح، وصمدت لآلاف السنين وهي تحمل سقوف إيواء ساكنيها.
كم تعاقبت عليها أجيال؟وكم سجلت على جدرانها ذكريات وشاهدت حكايات وكتمت أسرار؟ كم هي جديرة بأن يستلهم الإنسان من سطوحها الملأى بالآلام والأحلام لغة بصرية جديدة يعبر بها عن ألم أو حلم أو تاريخ أو ذكرى أو رسالة.
لكل عمل رسالة، فما رسالتكم من خلال هذا المعرض؟
من المؤكد أن عدداً كبيراً من الفنانين وربما معظمهم، كانوا يهتمون بالقدرة التوصيلية لفنهم، والدليل على ذلك أنهم كانوا يراجعون عملهم، خلال عملية الخلق، ليجعلوه أكثر فهما، أو أكثر جاذبية للجمهور المنتظر.
ففي كل مجتمع كان الفن يخدم أغراضا اجتماعية، فكان الفنان يفترض مقدما أهمية التوصيل الناجح إلى الآخرين.
وتولستوي يرى أن نظرية التوصيل هي وصف لوقائع النشاط الخلاق، فالفن يجب أن يكون رباطا يجمع الناس جميعاً. وعليه كان معرضنا «ألواح تتكلم» المأخوذة موضوعاته من التراث رباطا يجتمع على محبته كل السوريين.
فالتراث إرث جمعي يتفق عليه كل أبناء الوطن الواحد ويعتبرونه موطن فخر واعتزاز لهم. هذا من جهة، ومن جهة أخرى كان للمعرض دور تثقيفي من خلال الشروحات المرفقة مع كل عمل معروض، ودور توثيقي لأن الأعمال أغلبها غير موجود في متاحفنا وقسم منه طالته يد الإرهاب ودمرته، ودور إبداعي لأنه تقنية بصرية جديدة تم العمل بها لأول مرة.

هل الفضول والرغبة كافيان لقراءة تلك الرسائل أم إن قراءتها تقتصر على من يقبع في أعماقه إحساس عال بالفن والإبداع؟
أتفق مع رأي أرسطو وتولستوي بنظرتهما للفن، فالفن يبدأ عندما يكون لدى شخص معين هدف ضم شخص إليه في الإحساس بنفس الشعور. ومن هنا كان تعريف الفن عند تولستوي «بأن الفن يثير في نفس المرء انفعالا يتم نقله بواسطة الحركات أو الخطوط أو الألوان أو الأصوات أو الأشكال التي يعبر عنها في كلمات حيث يمارس الآخرون نفس الانفعال هذا هو النشاط الفني فأهمية الفن عظيمة لأنها لغة تجمع الناس في انفعالات مشتركة، أما الفن الذي يعجز عن التأثير في الناس فإنه إما فن رديء، أو إنه ليس فنا على الإطلاق.

ألواح تتكلم عنوان المعرض. هل للعنوان حكاية؟
أول ما يتبادر إلى الذهن بأن كلمة لوح تذكرك بمدرسة وصف ومدرس ومساحة يكتب عليها معلومات تزيدك وعيا ومعرفة.
ولقد ابتدع الفنان السوري منذ فجر التاريخ خصوصية فنية في دمج النص البصري مع النص الأدبي مايسمى اليوم علم الجمال المقارن. والغاية من هذا الدمج غاية حضارية لنشر القيم والقواعد الأخلاقية التي ينبغي أن يتعامل بها الناس لمد جسور قائمة على المعرفة والحكمة والمحبة.
فمثلاً المنحوتة التي تضم ثلاثة آلهة وهم إله الشمس وإله القمر يتوسطهما الإله بل أو بعل كتب عليها عبارة «لا تشتم إله لا تعبده». ومنحوتة (اللاماسو) الثور المجنح هي منحوتة برأس إنسان وجسد ثور وجناح طائر تشير إلى القوة في جسد الثور والحكمة برأس الإنسان والسلام بجناح الطائر وبالتالي فالقوة يلزمها حكمة لتصنع السلام.
فالشكل المعبر والكتابة كلها مساحات وكتل كانت بمثابة ألواح تشرح الحكمة والطقوس والمعرفة والحب. لذا كانت تسمية المعرض ألواح تتكلم.

برأيك هل الريشة من تبعث الروح في اللوحة أم إن الروح تبعث الحياة في الريشة لتراقص لوحاتها؟
الفن بمعناه الواسع يشير إلى أي نشاط بشري يؤدى ببراعة ويستهدف غرضا. لكن الفن الجميل يقتصر على نواتج الإبداع البشري التي تتسم بأنها طريفة أو ممتعة أو جميلة إلى حد ملحوظ. فالفن الجميل هو إنتاج الإنسان لموضوعات تتسم في ذاتها بأن من الطريف إدراكها، وأي موضوع يتسم بجمال الفن إذا كان الإنسان ينتجه ببراعة من شأنها أن يكون إدراكه في ذاته طريفا.
وجوتشوك الناقد والباحث في علم الجمال يرى «أن تركيب الموضوعات بالنسبة إلى التجربة الجمالية سيكون السمة المميزة للفن الجميل. أما الريشة فهي عنصر من عناصر الوسيط التي ينبغي أن يسيطر الفنان عليها لإنجاز نشاطه الفني. والممارسة الدائمة لاستخدام هذه الأداة تزيد من مهارة الفنان وتمكنه من امتلاكها.
إيحاء الحجر والملمس الناعم للوحات تقنية جديدة أضافت متعة التحدي للعمل. حدثنا عن هذه النكهة الإبداعية الخاصة؟
التجربة الجمالية هي قبل كل شيء أن نقبل موضوعا ونستمتع به دون أن نسأل أي سؤال فنحن نقبل الموضوع لذاته وإيحاء الحجر بالملمس الناعم هي تقنية جديدة تضيف على تجربة المدرك تجربة جمالية جديدة فيصبح للعمل قيمة كامنة بغض النظر عن المضمون ويدعم الشكل وجمالياته ويسهم في دعم الوظائف الجمالية للشكل.
فالشكل يضبط إدراك المشاهد ويرشده ويوجه انتباهه والشكل يرتب عناصر العمل على نحو من شأنه إبراز قيمتها الحسية والتعبيرية وزيادتها.

إلى أي درجة يسهم ابتكار الفنان ومحاكاته لأساليب نادرة ومميزة في شد أنظار الناس ولفتها إلى متابعة العمل؟
لقد ظل الفن يفسر ويقدر، طوال التاريخ كله وحتى عصرنا الحاضر، على أسس غير استطيقية. إذ كان يبجل من أجل منفعته الاجتماعية، أو لأنه يبعث في النفوس معتقدات أو لأنه يجعل الناس أفضل من الوجهة الأخلاقية، أو لأنه مصدر للمعرفة. لكن حدث في القرون الأخيرة الماضية تحول ملحوظ نحو الاهتمام بالأهمية الاستطيقية للفن وصار شد أنظار الناس من خلال الطريقة المميزة التي تعالج بها الأعمال وتجعل المدرك أكثر تعاطفا وانتباها للأعمال.

المبدع يحلق في فضاء إبداعه إلى حيث يريد. فأي إحساس حلق بسيدات المعرض وهن يشاركن بهذه المعجزة الإبداعية؟
إحساس باكتشاف الذات وقدرتها على محاكاة ما يشبهها. إحساس حلقن به بعيداً عن كل ما أبعدهن عن هواياتهن وأحلامهن وطموحاتهن ليقتربن من جمال الفن وتذوقه روحا وفكرا ورسالة. فالإبداع كان ينبض في أعماقهن من دون أن يسمعه أحد لكنه اليوم يرفرف حيث السلام والمحبة وفي داخل كل من يتوق لرؤيته وسماعه حيث الإيمان بأن أكبر حاجة للنفس والروح وللإنسانية هي الفن والجمال.
عشرون سيدة اختلفن في كل شيء لكن رغبتهن المشتركة في إيصال أسمى رسالة من خلال فنهن وإبداعهن جعلتني أراهنّ روحاً واحدة تخفق في أعماق أكثر من سيدة.

الغايات النبيلة لا تحتاج إلى دعاية، لكن لتصل الرسالة لمختلف بقاع العالم لابد من داعمين فما الدعم الذي قدم لكم والذي تنتظرونه؟
كثير من النفائس كشفت لنا عنها الحفريات الأثرية، وتم البحث عنها من خلال باحثين وبعثات تنقيب. فالعمل الإبداعي الجيد يفرض نفسه، ولأننا قدمنا تجربة لاقت الإعجاب لدى المثقف والمختص والمتلقي العادي في مدينة طرطوس. فلقد لاقينا دعماً من وزارة السياحة وجمعية العاديات في طرطوس حتى القائمون على إدارة صالة طرطوس القديمة قدموا لنا دعماً على حساب راحتهم حيث إنهم كانوا يستقبلون زوار المعرض حتى بعد نهاية دوامهم. فلهم منا كل الشكر.
لكن حتى تصل الرسالة لمختلف بقاع العالم نحتاج إلى من يدعمنا في العرض خارج سورية ﻷن ما قدمناه هو مشروع وطني وتوثيقي وتثقيفي وإنساني حضاري بامتياز.

اللوحات تكلمت في طرطوس فأين سيكمل إبداعها الصامت مشوار بوحه؟
حالياً نقوم بالتنسيق مع المركز الوطني للاتصالات البصرية في دمشق لأنه يمتلك صالة ضخمة تتناسب مع ضخامة عدد وحجم لوحات معرضنا لكن إذا تعذر علينا العرض في هذه الصالة فهناك صالات أخرى معروض علينا العرض فيها.
وبعد مشوار دمشق موعودون بالعرض في لبنان، ثم العرض في صالات أوروبا. ونحن نسعى جاهدين للعرض في أي بقعة في العالم لأن مشروعنا تراثي وحضاري ووطني.

برأيك هل هناك حدود لعطاء الفن ولقدرته على إيصال رسائل سلام ومحبة للعالم؟
لا يوجد حدود لعطاء الفن ولو كان اهتمام العالم وإدراكه إدراكا جماليا فالإنسانية لا تعرف الانحراف أو الجريمة. فالإدراك يفسر عن طريق الموقف والموقف هو طريقة في توجيه إدراكنا والتحكم فيه، والواقع أن الموقف الذي نتخذه هو الذي يتحكم في طريقة إدراكنا للعالم. ومن ثم الإدراك الجميل والموقف الجمالي ينتجان سلوكا جماليا والسلوك الجمالي يقود إلى المحبة والسلام.

ماذا يقول جورج شمعون كمواطن سوري وكفنان لمن أراد الخراب لبلد الحضارة والأصالة والفن؟
قال أندريه مالرو: على كل أمرئ أن يقدم الولاء لوطنين، أولا للبلد الذي خلق فيه والثاني لسورية.
أما أنا فأقول: لو قدر لكل سنبلة قمح في هذا العالم أن يركب فيها عقل حكيم لانحنت ساجدة لأرض الحضارة الأولى سورية. لأنها أول من دجنت القمح وأبعدت الجوع عن العالم. هي أول من اخترع الكتابة وعلم العالم كيف يكتب التاريخ.
على شواطئها ترسوا زوارق الحكمة ومن عذوبة ينابيعها ننهل الحب والحنان، قوافل السحر تزامل طبيعتها وصبحها المخمر بالنسيم، يسكب الطيبة طهرا مذابا في اللبنة الأولى لمعبد الحب. سورية الحضارة تليق بها مواكب الجلال وأطباق النور.
ذكرها يجعلنا نتحلب بالرحيق، أرضها منبت الريحان وعرش الورود، اسمها مجتلى طلعة اليمن والبركة، لوقع حروفها عندلة نايات وفيض ملاحن.
سينها «سارية من نور وبهاء»
واوها «جمع وضم وعطف»
راؤها «رفيف أجنحة الملائكة حين تموسقها المهاب»
ياؤها «ياسمين الشام في البلجة الضحياء»
ألفها «ألف الحمد بأنني سوري»
وأقول لمن أراد الخراب لها:
هذه الصدور الزافرة بالآه من خرابكم ستلعنكم وإلى فيافي الفناء ستسير أيامكم، وعلى يد أبنائها سنكتب لها سفر البقاء والخلود وستعود أنهارها تملي رياض النفوس بالهنا وتضيء أفياء الحياة بزغردة النور.