في حفل تأبين العلامة عفيف بهنسي … وزير الثقافة: كان رجلاً موسوعياً ولم يعرف ترف التفرغ للبحث العلمي والفني … شعبان: من خلال «وثيقة وطن» سنعمل على توثيق إرث الراحل وسنصدر كتاباً بصوته وكلماته

| سوسن صيداوي- «ت: طارق السعدوني»

أسطورة، مارد، عملاق. صفات اجتمعت بشخص رجل، اعتنق العلم وعاهده منذ نعومة البنان، أن يحصل على أعلى الشهادات مهما كلّف الأمر. هذا الرجل حياته لم تكن منمّقة مثل كلماته التي كان يؤلفها كتبا-هذا ظاهرها- ولكن عمق حياته كان مليئاً بالصراع مع الجراح والألم وشعور بالفقدان، الذي عوضه بعطاء كبير، كاسراً قاعدة فاقد الشيء لا يعطيه. إنه العلامة د. عفيف بهنسي، الذي صنع عملاقه بنفسه، وبالفعل جعل من نفسه أسطورة تجمعها كتب الحضارة والتاريخ والتراث السوري، لكونه المرء الذي أطاع العلم وبحث وألّف فيه. وافته المنية وغمر جسده الطاهر تراب دمشق محبوبته، التي رفض الابتعاد عنها مهما اشتدّت الظروف. وتكريماً لقامته ولمسيرته الحافلة التي امتدت لأكثر من ستين عاماً، أقامت وزارة الثقافة لمناسبة فعالية يوم الثقافة، حفل تأبين للباحث والمؤرخ والآثاري الدكتور عفيف بهنسي في قاعة المحاضرات في مكتبة الأسد الوطنية، وتخلل الحفل عرض فيلم وثائقي قصير من إعداد الناقد سعد القاسم، موجزاً محطات وإنجازات وعطاءات قدمها د. بهنسي، وإليكم مزيداً من مجريات حفل التأبين.

كتاب.. بصوته وكلماته

حضرت المستشارة السياسية والإعلامية في رئاسة الجمهورية الدكتورة بثينة شعبان حفل التأبين، وأكدت ضرورة التكاتف كي يبقى العلم الذي قدمه العلامة الراحل منارة ترثها الأجيال القادمة، وخصوصاً- لأنها وبفخر كبير- أُخرجت الأبحاث إلى العالم وهي معتزة بسوريتها وبدمشقها، «العلامة عفيف بهنسي هو موسوعة في العلم والثقافة والفن والترجمة والشعر، ولكن أهم ما في الأمر هو عشقه لوطنه وتجذره في دمشق، وأنه نشر عن حضارة سورية وعن مدينة دمشق وعن العروبة، ما يعتزّ به الإنسان بأكثر من لغة وعلى مستوى العالم، فالراحل كان علماً من أعلام الثقافة والفن والأدب في سورية، ورحيله خسارة كبيرة للوطن، ولكنه قدم من الأعمال ولا سيما لجامعة دمشق ما تفتخر به الأجيال، ونحن ومن خلال (وثيقة وطن) قد أعددنا مقابلات مع الراحل الدكتور بهنسي- لحسن الحظ قبل وفاته- وسنعمل على توثيق إرث الراحل للأجيال القادمة، لكي نتعلم منه الصبر والعطاء والوطنية، حيث سنصدر كتاباً عن سيرته الذاتية بصوته وكلماته كي يبقى منارة، وحتى لا تُنسى هذه التجربة الرائدة والمهمة جداً كجزء من تراثنا وثقافتنا ومدرستنا التربوية».

قام بعمل تنويري وتنظيمي جبار
في كلمة وزير الثقافة محمد الأحمد، عدّد مناقب د. بهنسي، مشيداً بعطاءاته النابعة من حبه لوطنه ومن تواضع إنسانيته، مؤكداً نجاحه وبراعته بكل ما بحث، وحتى العمل الإداريّ لم يتهاون به، بل بقي منظماً وجميلاً بجمال فن وثقافة الراحل، على الرغم من انشغالاته المتنوعة «يعزّ علي أن أقف موقف الراثي ومعدد المناقب لفقيدنا الغالي، ولكن تلك هي سنّة الكون ودورة الفصول التي تستمر بها دورة الحياة وتتجدد، ولا عزاء لنا سوى أن يترك المرء لنا بيتاً بناه وشجرة زرعها وأبناء وتلاميذ، أطلقهم إلى العالم كي يواصلوا ما بناه، وذكراً عطراً في أفئدة المحيطين به وعلى ألسنتهم، وقد ترك الدكتور عفيف كل هذا وأكثر. ترك لنا كتباً ودراسات ولوحات ودواوين شعر تنم عن وعي عميق وثقافة غنية تأخذنا نحو خانات إثراء وتنوير نحو الماضي نحو أصول حضارتنا وجذور تاريخنا حيث الينابيع الأولى وبذرة الولادة. نعم إن الإنسان هو عالم قائم بذاته ولا يمكن في حال فقده أن يعوّض، وذلك ورغم الألم، فإننا نبتسم عندما نرى أعماله تعيش وتتنفس بيننا. لم يكن عفيف بهنسي عالماً وباحثاً فحسب، وإنما رجلاً موسوعياً بتنظيم الحركة الأثرية والتشكيلية السورية، كما كان من الرواد الذين لم يعرفوا ترف التفرغ التام للدراسة والبحث العلمي والفني، فقد وقع على كاهله عبء إضافي ثقيل هو النظام من أجل تحويل النظريات الفنية والعملية إلى حقائق تفرض نفسها في الحياة، وإلى برنامج عمل لنشرها بين الجمهور العريض، لقد كان واحداً من أبناء جيل قام بعمل تنويري وتنظيمي جبار، ومثلما كان في عمله العملي والبحثي، كان في عمله الإداري مثالاً للمقاتل الشرس ضد التسيب والفوضى». مضيفاً: «برحيل الدكتور بهنسي نفقد قامة كبيرة وابناً باراً لوزارة الثقافة، وبرحيله توقف عن الخفقان قلب لإنسان كان يعشق الفن والتاريخ وعلم الجمال الذي منحه جهده ووقته وضوء عينيه».

طفل ولكنه صنع رجلاً
يولا بهنسي ابنة الراحل، اعتلت المنصة متأثرة، وبصوت متهدج بدأت بالكلام، ولكن محبة والدها لم تخن شجاعتها، بل اعتذرت لعدم قدرتها على كتابة قصيدة ترثي بها والدها، وسمحت لصدق عاطفة البوح أن تتحدث: «والدي أسطورة، هو رجل صنع عملاقه، لم يتدخل أي إنسان في صنع عفيف البهنسي، لم يكن هناك أي ركن مساعد لعفيف البهنسي. عفيف البهنسي كان طفلا، ولكنه صنع رجلاً، كتب على مدرسته (سأحصل على أعلى شهادة مهما كلف الأمر) حنوه لوالدته، أشعره بالألم، بألم الفراق، ولم تستشعر تلك الأم بحقيقة الأمر، الظروف منعتها من أن تكون بقربه. وتابعت: «والدي كان دائماً داخل سورية، حتى إنه انزرع تحت ترابها، فالكل يعلم بأنه كان يمكن أن يكون في أي مكان بالعالم، ومكرماً بأعلى المراتب. مضيفة: «لقد احتفظ بالكثير من الأشياء الشريفة والصادقة في نفسه، وكان دائماً مؤمناً بأنه لا مبرر لكوننا غير قادرين على فعل المستحيل، وبالفعل أبي الدكتور عفيف بهنسي، فعل وقام بالمستحيل، وكنت أستغرب من رؤيته دائما سعيداً، ودائماً راضياً. كان بالحرب راضياً، بالمرض راضياً، بالألم راضياً، بأي شي بالحياة. كان دائماً يدعونا للجلوس على شرفة المنزل قائلاً (تعالوا لنجلس في الجنة). في عام 2008 كان مكرما في سورية عبر وزارة الثقافة، وما إن اعتلى المنصة قال: «سيان عندي إن كان تكريماً أم كان تأبيناً»، وفي العام الماضي كنت أنا وأحد إخوتي معه في الكويت حيث كان مكرماً من أمير الكويت، وقال خلال كلمته للحاضرين وقتها: «لقد تطورت دولة الكويت كثيراً، ولكن يجب أن تعلموا بأن حضارتكم جميعاً كعرب هي من سورية، ويجب أن يكون لديكم فخر بهذا البلد». وعن الحرب في سورية كنت أسأله عن شعوره، فكان يقول لي: «ربما ما يمر على سورية في الوقت الحالي هو أشد وأقسى ما واجهته، وكان دائماً عنده يقين بأنها ستعود أحسن مما قبل». عن سفرنا ورحيلنا لم يكن لديه أي هاجس، بل كان لديه دائماً عني وعن إخوتي فكرة العودة وفكرة البقاء في سورية وفي دمشق. لقد كتب أبي على مسودة حياته تفاصيل، وما وصل إليكم هو المبيضة التي فيها الكثير من التفاصيل الجميلة، ولكن حياته كانت كلها عراكاً وألماً، وصداماً وفرحاً، وكنت قلت عن شاهدة قبره «لتكن هذه الشاهدة موجودة حين سيزرع تحت أرض دمشق، عفيف البهنسي رجل صنع عملاقاً، وأراد أن يباهي في يوم من أيام السماء أمام الملائكة بخلق الله لخليفته على الأرض، فكان نعم الخليفة على الأرض. وكان يوم دفنه للأمة العربية موعد لتوديع حصن عريق، لتوديع رسول الحضارة العربية، سيد دمشقي، ودفن في يوم السبت الياسمين الدمشقي جذراً عصياً من جذور دمشق، وكان سلّم الشعلة إلى الجيل القادم».

علاقة الطالب بأستاذه
عميد كلية الفنون الجميلة د. محمود شاهين تحدث عن علاقته بالراحل وبعلاقة كل الأساتذة والطلاب به: «لابد لي من الإشارة بكل فخر واعتزاز، بأنني واحد من طلابه، وتعرفت إليه أول مرة عام1968في كلية الفنون الجميلة في جامعة دمشق، حيث كان يدّرس مقرر تاريخ الفن والعمارة، واستمرت علاقة الطالب بأستاذه حتى الأيام الأخيرة من حياته الحافلة بعطاءات قل نظيرها في أيامنا هذه. نحن في كلية الفنون الجميلة في جامعة دمشق، بل في كليات الفنون الجميلة السورية والخاصة، جميعها- وأصبحت هذه الأيام كثيرة- نقرّ بفضل هذه القامة الفنية والفكرية- وعلينا جميعاً- طلاباً وأساتذة، لأن ما تركه لنا د. البهنسي من كنوز الجمال المثمرة، ستبقى زوادة لا تنبض، لا تتغذى عليها أبحاث طلابنا في سورية فحسب، وإنما طلاب الفنون الجميلة في أقطاب الوطن العربي والإسلامي، حيث ما زالت كتبه المنشورة التي تتجاوز المئة تشكل المراجع الرئيسة لأبحاثهم ورسائلهم الجامعية الدنيا والعليا وستبقى إلى وقت طويل المعين والمنهل لهم، لندرة الباحثين في هذا الحقل الإنساني والحضاري الراقي من جهة، ولأن الموسوعي الدكتور بهنسي يتقدم صفوف الباحثين جميعاً بما أنجزه من أبحاث ودراسات خلال حياته المديدة من جهة ثانية».

تحفيز دور الشعب من التراث الحضاري
من جانبه ألقى د. أحمد ديب كلمة المديرية العامة للآثار والمتاحف مشيراً إلى الشخصيات السورية التي أعطت كل ما تستطيع من أجل إحياء التراث الحضاري، قائلاً: «ولد راحلنا في فترة تاريخية مهمة من حياة البلاد التي كانت تعيش مرحلة نهوض وطنية، اجتمع فيها الشعب بأسره من أجل التخلص من سيطرة الاستعمار الفرنسي». متابعاً: «فيما بعد تحول تدريجياً نحو دراسة التراث الحضاري للشعب السوري إذ وجد فيه مجالاً يمكن استخدامه لتحفيز الشعب من أجل استعادة دوره التاريخي في كتابة الحضارة الإنسانية المعاصرة».

دخل العالمية بهوية سورية
تحدثت رئيسة جمعية أصدقاء دمشق أمل محاسن عن دور د. عفيف في تأسيس الجمعية «العلامة» كما يحب أن يلقب، دخل العالمية بهوية سورية، وتابع مسيرته التي جمعت ألوان المعرفة وذاكرة الوطن، وأرسل اسم دمشق إلى كل أنحاء العالم، كان شعلة مضيئة، وكان يقول إن في نهاية النفق ضوء أمل ونجاح، كان مثلاً من خلال السلوك والممارسة، ويقول أيضاً: إن الصدق في هذه الحياة ضرورة كبرى، كان رائداً وصادقاً، وكنا نتعلم منه البساطة والمثالية، والصدق مع شعور كبير بالمسؤولية. إنه رجل لا يستسلم وكرّس جل وقته في الكتابة حيث أنجز الكثير من أعماله التي ستبقى مضيئة وفاعلة، كنت سألته في آخر معرض قبل أربع سنوات (كم كتاباً ألفت؟ أجاب ثمانين، ثم سألته وكم كتاباً تود أن تؤلف؟ قال: بقدر عمري)، فتسارع لإنجازه إلى المئة وكتابين رغبة منه ومحبة في الحياة، لقد ألف كتباً أكثر من عمره، ولأجل هذا ومحبة لدمشق وحرصاً على تراثه تنادى مجموعة من العلماء والمحبين لتأسيس جمعية أصدقاء دمشق، اجتمع هؤلاء النخبة لتأسيس الجمعية التي أُشهرت في عام 1977 بهدف حماية دمشق وريفها والمحافظة على أوابدها وتاريخها وتراثها ومحيطها الحيوي، مقدماً لها الأبحاث والكتب وكل دعم ومساعدة، وكان عضواً في مجلس إدارتها، ثم رئيساً لها بين عامي 2005 و2016».

أوقف الثقافة التوراتية
تحدث د. بهجت قبيسي في كلمة أصدقاء الفقيد عن حادثة مهمة تصدّى لها بنباهته وغيرته وحده: د. عفيف «لقد كان دكتور عفيف مارداً ورجلاً، عندما أوقف الثقافة التوراتية، وتجلى ذلك حينما أتى(جيوفاني بيتيناتو) عالم الكتابات المسمارية، ليعلن بأن وجد في إيبلا اسم إسرائيل. قام د. بهنسي وحيداً متفرداً حينما كنا نياماً- وأعني نياماً- كافة، أساتذة في جامعة دمشق وحلب. بدأ بالمحاكمة العقلية، فاستدعى الخبراء بالكتابات المسمارية، وأتى بالمختصين من العراق، وكان بالنتيجة بأن اعتذر جيوفاني، الذي لم يتوقف في محاولاته»، مضيفاً: إن الراحل كان موسوعياً كبيراً نراه في علم السياسة والاقتصاد والحقوق والفن التشكيلي واللغة والأدب، وألف ما ينوف على السبعين كتاباً، لكن أهمها كتابه الأخير الذي أصدره وهو(حكمة العروبة)».

رئيس فخري لجمعية النقاد والباحثين
تطرق رئيس اتحاد الفنانين التشكيليين السوريين الدكتور إحسان العر في كلمته للإرث الفني والعلمي والثقافي والموسوعي الذي تركه د. بهنسي قائلاً: تلك الكتب الفنية التي أتحفنا بها عن تاريخ الفن ومدارسه وتياراته المعاصرة، فضلاً عن أن الفقيد الراحل هو المؤسس والداعم الأساس لحركة الفن التشكيلي المعاصر في سورية، فهو أول نقيب للفنون الجميلة عام 1968 وأيضاً من مؤسسي كلية الفنون الجميلة في جامعة دمشق، ومراكز الفنون التشكيلية في محافظات القطر. تم تكريمه في هذا العام من اتحادنا وتسميته رئيساً فخرياً لجمعية النقاد والباحثين في الاتحاد».

الأشجار لا تأكل ثمارها بل تطعمها
الدموع خانت د. إياد بهنسي- نجل الراحل- الذي لم يستطع السيطرة عليها، ورغم اختناق صوته إلا أنه تابع وقدم كلمة أبناء الفقيد «في يوم وفاة والدي لم أفقد أباً، ولكنني فقدت أبا وأمّا في شخص واحد… لأن وفاة والدتي المبكر وأنا طفل صغير حمّل والدي مسؤولية ما كان لأحد في الدنيا أن يحملها. سبعة وخمسون عاماً من عمري قضيتها مع «أبي وأمي» رغم غياب أمي الأديبة المرحومة(هبة الوادي).. ذلك لأن والدي عفيف البهنسي قد خصه الله دون سواه في جمع عطف الأب ومحبة الأم، فالله منح أبي توازناً ما بعده توازن، فكان في القرار أباً حازماً، وفي مجريات الحياة كان يحيطني بأعظم ما في الأم من حنان وقلب دافئ». متابعاً: كان دائماً مستعداً لإعطاء وقته وجهده في نقاش أطروحات الطلبة.. والاستمتاع بأسئلتهم وكنت أسأله خشية على صحته (لماذا؟)، فكان يجيبني (أن الأشجار لا تأكل ثمارها بل تطعمها)…. وهكذا تعلمت بأن حياة الإنسان تكون أبقى عند العطاء»، وحول ما تعرضت له الآثار السورية في الحرب الإرهابية كان مطمئن القلب، تابع الابن ما كان يقوله الأب: «إن آثارنا- وما دامت في أرضنا- فهي بخير حتى لو كسرت أحادا.. لقد قمنا في الماضي بعمليات ترميم كبرى في الفرات وقلعتي دمشق وحلب وقلعة جعبر ومسرح بصرى وسواها، وبأدوات بسيطة نجحنا في حماية وإعادة آثارنا وبقدرات محلية». مضيفاً: ما عرفت أبي ولآخر لحظة من حياته إلا مكافحاً باحثاً ومتابعاً لتفاصيل الأمور، همه يبدأ من بيته الصغير ويمتد إلى وطنه الكبير», وختم حديثه «خصنا السيد الرئيس والسيدة الأولى بزيارة تعزية كما كان سيادته دائم السؤال عن الوالد في مرضه».