حفل إشهار «مؤسسة تاريخ دمشق» في فندق الشرق … سامي مبيض: إعادة نشر التاريخ مهمة هذه الفترة ولو قرأناه ما وصلنا إلى هنا

| سارة سلامة- ت: طارق السعدوني

في فندق الشرق هذا المكان الذي يعتبر من أهم فنادق مدينة دمشق وأهمها منذ افتتاحه عام 1934م حتى مطلع السبعينيات، أطلقت «مؤسسة تاريخ دمشق» وهي مؤسسة خاصة غير حكومية وغير ربحية حفلاً لإشهار انطلاقها وتأسيسها وذلك لما لهذا المكان من خصوصية وإرث تاريخي.
وإذا ما نظرنا إلى أهم الأهداف لهذه المؤسسة فإن أبرزها الحفاظ على ما تبقى من ذاكرة دمشق، من خلال سعيها للبحث عن الصور القديمة والأفلام والصوتيات، إضافة للمطبوعات والأوراق الشخصية والمذكرات غير المنشورة والكتب القديمة والمخطوطات والمراسلات الخاصة والرسمية. وعقدت المؤسسة أول اجتماعاتها في بيت دمشقي صغير في «حارة الورد»، بحي سوق ساروجا، الذي أصبح مركزاً لأعمالها، ويدار من مجموعة من المتطوعين، من فنيين وتنفيذيين وأعضاء مجلس أمناء ومؤسسين.
ووضعت أمامها المشاريع التالية: «مشروع التوثيق، جائزة فخري البارودي للمؤرخين الشبان، مجلة (دمشق) العلمية الحكمة، إعادة طباعة كتب قديمة عن دمشق وإصدار مؤلفات جديدة لباحثين وكتاب جدد، وبناء مكتبة متكاملة من الوثائق والكتب والمواد السمعية والبصرية، وإقامة الندوات والمحاضرات وورش التدريب لتأهيل جيل جديد من المؤرخين السوريين، المختصين بتاريخ دمشق المعاصر».
ويدير عمل المؤسسة مجلس أمناء مكون من ثمانية أعضاء برئاسة الدكتور سامي مبيض، وعضوية كل من الأساتذة: جميل مراد، هلا الدقاق، محمد السواح، ثائر اللحام، سحبان عبد ربه، ياسر الجابري، ناهد جواد، قاسم الشاغوري، ومن المشاركين في تأسيسها أيضاً كل من: «فادي الأسبر، جلال شموط، مالك محاسن، ريما العطار».
ورافق الافتتاح معرض أقامته المؤسسة تنوعت فيه اللوحات المعروضة بين الوثائق والصور الفوتوغرافية والعملات والطوابع والصحف اليومية، وتخلل الحفل عرض فيلم وثائقي قصير عن المؤسسة، وعزف موسيقي أدته عازفة آلة القانون ديمة موازيني، إضافة إلى موسيقا دمشقية عزفتها الفرقة الموسيقية التي رافقها الدكتور عزام غزوان الزعيم في الغناء.
مجلس الحكماء

يعاون مجلس الأمناء في مهامه (مجلس حكماء دمشق)، المؤلف من أعيان المدينة وشخصيات مرموقة من الاختصاصات كافة، من أكاديميين، وأطباء، وكتاب، ودبلوماسيين، وتجار ورجال أعمال، يقدمون المشورة بناء على خبرتهم الطويلة المرتبطة مباشرة بتاريخ دمشق المعاصر.
ويتكون مجلس حكماء دمشق من الأساتذة: «الأستاذ عبد لله الخاني، الدكتور عزيز العظمة، الأديبة كوليت خوري، الأب الياس زحلاوي، الدكتور محمد إياد الشطي، الدكتور مالك محاسن، الأديبة نادية الغزي، الدكتور نقولا شاهين، الدكتور عثمان منيف العائدي، الدكتور راتب الشلاح، الأستاذ رياض نجيب الريس».

رسالة المؤسسة
في السنوات القليلة الماضية تعرضت دمشق، شأنها شأن المدن السورية كافة إلى تغيرات جسيمة فرضتها الحرب الدائرة في البلاد، أدت إلى تشويه هوية المدينة البصرية والثقافية، وإلى خراب بعض أحيائها القديمة مع انهيار عدد لا يستهان به من القصور والبيوت الأثرية، وإلى ضياع نسبة كبيرة من أرشيف دمشق المادي والورقي نتيجة القدم والإهمال والفساد، في خريف العام 2016 تقرر إنشاء مؤسسة غير حكومية وغير ربحية، هدفها الحفاظ على ما تبقى من ذاكرة دمشق، وأطلق عليها اسم «مؤسسة تاريخ دمشق».
وسعت المؤسسة للبحث عن جميع تلك الكنوز أو ما تبقى منها في مستودعات الدوائر الحكومية أو داخل دور دمشق القديمة في حوزة أهلها، يتناقلونها بالتوارث من جيل إلى آخر، والكثير من تلك الأوراق والمستندات قد بدأت تتلاشى وتضيع بسبب الإهمال وسوء ظروف الحفظ، وظهر عدد كبير منها في مراكز دراسات وأبحاث غربية، في باريس ولندن وواشنطن، بعد أن تم تهريبها من سورية خلال السنوات الماضية، وحاولت المؤسسة جمع تلك الأوراق المبعثرة في المتحف الإلكتروني والاحتفاظ بالنسخة الأصلية منها عند الإمكان إلى حين انتهاء الحرب الدائرة في سورية، ليتم عرضها في متحف فعلي يكون تحت تصرف المهتمين والباحثين في التاريخ الدمشقي المعاصر.

التوثيق أمر مهم
وقالت المستشارة السياسية والاعلامية في رئاسة الجمهورية الدكتورة بثينة شعبان في تصريح خاص لـ«الوطن» إن «سعادتي اليوم كبيرة بإنشاء هذه المؤسسة لأن هناك حاجة ماسة لجمع تراث مدينة دمشق من وثائق وصور وآثار وأحداث وتواريخ، وفي هذه المؤسسة مجموعة مرموقة من حكماء وعشاق دمشق وكذلك مجلس أمناء من عشاقها، هذه المدينة التي تعتبر أقدم عاصمة مأهولة في تاريخ البشرية بما فيها من كنوز سواء في بيوت الناس أم في المتاحف أو في أماكن أخرى».
وأضافت شعبان: إن «هذه المؤسسة تقوم بجمع الكنوز وإقامة نادٍ لدمشق وإصدار مجلة لها فهي جمعية مختصة بمدينة دمشق فقط، والتوثيق هو أمر مهم وكنت قد أسست مؤسسة باسم (وثيقة وطن) لتوثيق التأريخ الشفوي، وفي الحقيقة نحن وصلنا متأخرين فالتوثيق أمر مهم ليس فقط لدمشق وإنما لكل الأحداث التي تعصف بسورية ولكل التاريخ الفني والثقافي الذي تعتز به بلدنا والذي يشكل كنزاً تاريخياً يجب أن تتعرف عليه الأجيال القادمة».

حالة إبداعية مميزة
وفي تصريح مماثل بينّ معاون وزير الثقافة علي المبيض أن «أهم ما يميز المؤسسة هو العلاقة التشاركية والتشابكية بين المجتمع المحلي والمؤسسات الرسمية لتوثيق تاريخ دمشق، وواجب كل منا توثيق تاريخ دمشق حسب موقعه وحسب الدائرة التي يشغلها، وتوثيق التاريخ والتراث مسألة لا تخص فقط المؤسسات الرسمية بل هي مسؤولية جماعية سواء أكان يشغل موقعاً رسمياً أم كان مواطناً عادياً، والمؤسسة هي مؤسسة غير حكومية وغير ربحية ولكنهم يمارسون دورهم ومسؤوليتهم، وهذه الحالة هي حالة إبداعية مميزة، وواجبنا حسب الدوائر التي نشغلها مساعدتهم، فالتوثيق من مهام وواجبات وزارة الثقافة وكذلك نشر الثقافة السورية، والتي تمثل التراث السوري بمختلف المحافظات، وسورية عظيمة بكل أوجه الثقافة والفن وعظمتها تكمن بأبنائها السوريين».

نحتاج إلى المحبة والعلم
ومن جانبه أكد الدكتور سامي مبيض رئيس مجلس أمناء المؤسسة أن «الفكرة بدأت في 2016 من مجموعة من المهتمين والمحبين والباحثين من كل الاختصاصات والذين اجتمعوا بمنزل قديم بحي سوق ساروجا، حرصاً على وثائق دمشق وإرث دمشق الذي كنا نراه أمام أعيننا، ودمشق اليوم إذا ما تحدثنا عن الضرر فهي أقل مدينة تضررت بالمقارنة مع نظيراتها من المدن السورية ولذلك كان التركيز على ما حل بدمشق أقل بكثير من غيرها ولكن هناك مشكلات حقيقية حدثت بدمشق وهويتها وأرشيفها وفي العلاقات الإنسانية بتاريخها، والدمار الذي حلّ بها لم يكن دمار أبنية متساقطة، بل المشكلة أن هناك أرشيفاً موجوداً في بيوت الناس وهذه البيوت أصبحت فارغة وكذلك مشكلات دوائر الدولة التي قصفت أو أفرغت، أي ثمة مشكلة في الأرشيف».
وبين المبيض أن: «بداية المشروع الأساس هي البحث عن هذه الوثائق وبعدها تحولت الفكرة ووسعناها أكثر، وهناك عدة نشاطات ومنها (نادي دمشق) الذي يشبه (نادي حلب)، وجائزة فخري البارودي للمؤرخين الشباب ومجلة دمشق».
وأوضح المبيض أنه «في هذه الفترة من المهم إعادة نشر التاريخ ولو كنا قرأنا التاريخ فعلاً لما وصلنا إلى هنا، والذي يعرف تاريخه لا يفعل هكذا، ومشكلتنا أننا تعاملنا مع التاريخ بقصص وردية، لا يوجد فيها أخطاء ولا عيوب وتاريخنا اليوم من المفترض أن نتعامل معه بشكل موضوعي وعلماني ويجب أن نفعل شيئاً جديداً وهو أن نتعامل مع التاريخ بمزيج من المحبة والعلم، لأن المحبة وحدها تُخرج تاريخاً فضفاضاً ومزيفاً والعلم وحده يخرج بتاريخ جاف لذلك نحتاج إلى محبة وعلم على حد سواء».

إنقاذ ما يمكن إنقاذه
وبدوره قال سحبان عبد ربه العضو في مجلس أمناء المؤسسة إن «المؤسسة نشأت من عدة أفكار ومشاريع متفرقة بدأت منذ العام 2004، وكانت بدايتها بموقع التاريخ السوري الذي كان متحفاً الكترونياً على الانترنت يجمع صوراً أخذت من بيوت الناس ومن بعدها طرحت عدة مشاريع، وعندما نرى أشخاصاً مهتمين بالتاريخ يولد الكثير من المشاريع لأن الشخص وحده لا يستطيع تنفيذ كل المشاريع فهي تحتاج إلى جهود وموارد بشرية كبيرة وإمكانيات مادية ضخمة قد تكون غير متوافرة عند الأفراد، وهذا ما دفعنا لنجتمع كأشخاص مهتمين بهذا الشأن ونؤسس (مؤسسة تاريخ دمشق)».
وأضاف عبد ربه إن «للمؤسسة أهمية كبيرة في المرحلة التي تمرّ فيها سورية ولاحظنا أن هناك كنوزاً تتلف بسبب الإهمال أو بسبب الإرهاب، وكان هاجسنا الأكبر هو إنقاذ ما يمكن إنقاذه، ونحن لا ندعي أننا نعرف بتاريخ حمص أو حلب وغيرها، وبالتأكيد تواريخهم لا تقل أهمية عن دمشق إلا أننا مختصون بتاريخ دمشق وليس لدينا خبرة بباقي المدن ونتمنى أن تقدم بقية المدن التجربة نفسها وأن نكون حافزاً لمجموعات متعددة من الناس المهتمين بهذا الشأن في بقية المدن السورية».

التاريخ هو جدل
وقال الممثل جلال شموط المشارك في تأسيس المؤسسة إن «كل ما يحدث اليوم كان من المفترض أن يحدث منذ زمن ولا اعتقد أن أحداً يفكر في المستقبل من غير أن يعرف الماضي، لأن المستقبل لا يقرأ إلا بإسقاطٍ له علاقةٌ بالتاريخ والتاريخ هو جدل والمستقبل هو نتيجة، واليوم نشهد إعادة هيكلة وتنظيماً لهذا التاريخ المبعثر».

الاهتمام بالتاريخ
وبين قاسم الشاغوري العضو في مجلس الأمناء أن «الفكرة قائمة منذ زمن أما اليوم فنحن نشهد حفل الإشهار لهذه المؤسسة التي تأتي أهميتها من حاجتنا إلى إعادة ترتيب الأرشيف الوثائقي لمدينة دمشق والحاجة إلى التشجيع على الاهتمام بالتاريخ بشكل أكبر والحاجة لجذب الشبان باتجاه الاهتمام بالتاريخ بشكل أكبر وانطلاقاً من ذلك انطلقت هذه المؤسسة».
ويذكر أن المؤسسة قامت بإطلاق موقع الكتروني خاص بها منذ أول اجتماعات التأسيس، حيث تعتبر المؤسسة أن موقعها الالكتروني ينبغي أن يكون، إضافة إلى كونه موقعاً تعريفياً بالمؤسسة ومشاريعها، متحفاً الكترونياً قائماً يتم من خلاله عرض نسخ الكترونية من مقتنيات المؤسسة كالكتب والوثائق والصحف القديمة وغيرها.