الفرد والمجتمع

إسماعيل مروة

هبط من نخبوية الفكر الأيديولوجي مصطلحات لم تكن في الحسبان، ففي الوقت الذي أرادت فيه هذه الأحزاب إيجاد وسائل قرب وتحميس للأفراد للقيام بواجبهم المجتمعي، لكون هذه الأحزاب- من الناحية الفكرية- تتربع على قمة هرم الفردية، وتمثل الرؤية المجتمعية، في هذا الوقت نفسه عملت الأحزاب العلمانية شأنها شأن الأحزاب الدينية، والكهنوت الديني على إلغاء السمة الفردية ومسحها، ولم يكن ذلك الغياب الفردي لصالح الفكر الجمعي بقدر ما كان لصالح فئة تتحدث باسم الفكر العلماني أو اللاهوتي، وكل ما يجره الفكر الجمعي يأتي إليهم وإلى حساباتهم وإلى مقاماتهم، لتصبح الغاية الكبرى هي الهيمنة والتربع والبقاء ما بقيت الحياة في مواقع الرفعة والاستفادة غير المحدودة بزمن أو مكان!
والفرد صار ممزقاً ضمن دائرة من الطباشير العقائدية والعقدية الشائكة لا يقدر على تجاوزها، وإن حصل فهو خائن أو مارق أو كافر أو مرتد! ولا تنفعه صرخاته بأنه ديس كرمى لأشخاص لا لوطن، ولا تنفع استغاثاته بأنه على صلة وثيقة بالإله الذي لا يرضى أن يداس! ولا ينفعه حتى حياده عندما يرفض أن يكون ضمن ثقافة القطيع التي يجمّلها أصحاب الإيديولوجيات فهو في فقر مدقع، ولكن يجب أن يدفع ما عليه حتى لا يحاسبه الله يوم القيامة! ويذهب ما يدفعه إلى أماكن شتى، وفي أحسن الأحوال تبنى به المساجد والكنائس، وهو يعيش بلا مأوى!
وعليه أن يدفع، وهو لا يناله إلا التقريع، وابنه لا يحصل على دور في دراسة أو جامعة أو عمل، بينما أبناء سادة الحزب يحظون بالبعثات والسيارات والدلال، لكن يجب أن يدفع وإلا خضع للمساءلة الحزبية! يتعب ويسهر ويدرس ويحصّل، وكل ذلك على حساب نفسه وأسرته، بينما الذي ذهب ببعثة دراسية وهو لا يستحقها يعود ليصبح مسؤولاً، ابتداء من رئاسة البلديات وصولاً إلى رئاسات الجامعات، والعمادات وما شابه ذلك! وهو ما عليه إلا الانصياع لرغبة حزبه العقيدي الذي اختاره بملء الحاجة والخوف!
الفرد يدفع وأبناء الشيخ الأسياد يأخذون، الفرد يدفع وأبناء قادة الأحزاب يتمتعون، وربما تمر سيارة أحد أولادهم فوق ابن الفرد فتقتله، ويعاقب الفرد لأنه وسّخ دواليب سيارة ابن المسؤول الحزبي المدلل! يأتيك أحدهم وهو لا يملك تاريخاً أو فكراً أو موهبة سوى الحقد ليتربع على قمة هرم حزبي في أحد الأحزاب، وأول ما يشتريه نظارة شمسية غامقة حتى لا يرى الفرد!
وسمّوا الرؤية الفردية الرؤية الرأسمالية، واستطاعوا ترويجها لتصبح قابلة للحياة! وكلما أزفت ساعة الحقيقة أو دقّ الكوز بالجرة تحدثوا عن المجتمع بأجمعه المتمثل بهم طبعاً!
كل من يخرج عن هذا القانون مارق وكافر جاحد وخائن!
أيها السادة من الذي قال: إن المجتمع نبت وحده؟! هل هو نبت شيطاني؟!
المجتمع ليس إلا مجموعة من الأفراد تمتد من الطفل إلى الكهل، وعندما أولي الفرد وقضاياه أهمية وعناية فإنني بالمحصلة أوصل الخير إلى كل الأفراد يكون المجتمع بخير ونعيم، ويصبح المجتمع قوياً وقادراً على المجابهة والمواجهة عندما تعترضه المخاطر!
بعضهم يتحدث من الفردية المقيتة في المجتمعات الرأسمالية، ولكن أولاده يولدون هناك، ليحظى أحدهم بالجنسية والحقوق والراتب! وإن ناقشته يحدثك عن جشع تلك المجتمعات في الضرائب ولكن هذه الضرائب تعود على طفله، وعليه إن كان عاطلاً عن العمل حتى يجد عملاً.
الفرد هو نواة المجتمع، بل هو المجتمع، فإن كان بخير كان المجتمع بخير ووصل إلى الغاية من وجوده وليكن هؤلاء السادة بأحزابهم العلمانية، وبصلبانهم المذهّبة، وبعمائمهم الفاخرة أفراداً في المجتمع لهم حقوقهم، ولهم تراتبيتهم من دون أن يطغى أحد على أحد، ومن دون أن يبنى المجتمع الوهمي على الأحقاد والضغائن والكره!
وطالما أننا نختصر المجتمع في مصالحنا ،ولا نرى قيمة للفرد وكرامته وكلمته ليس من حقنا أن نسأل: لمَ وصلنا إلى ما وصلنا إليه؟!
الفرد النواة
الفرد الكل
وليس من حق أحد أن يلغي هذه الفردية، فلو شاء الإله لجعل الفرد أمة وجعل الأمة فرداً بحسب رأي السادة العلماء، ولو استطاعت الأحزاب العلمانية لألغت الآخر لتبقى متمتعة بكل ما في الأرض من خير، ولتكون الملذات لها وحدها!
أما الفرد فيعده اللاهوت بالآخرة..!
هناك على نافذة أمام مساحة خضراء ممتدة يقف عابد وطن ليقرأ تراتيله علّها تصل إلى أذن إله ووجدان ألوهة على التجوز، قابلاً أن يلغي ذاته، لكن من أجل ذاته لا ذوات الآخرين، ففي فناء ذاته لذاته أنشودة بقاء للوطن لا للفرد.