امنح الآخر نور الحياة

| بقلم سماحة المفتي العام الدكتور أحمد بدر الدين حسون

أعتقد أنه لابد من إعادة النظر بعد المرحلة التي مرت بها المنطقة العربية كلها، فكثير من الإخوة، ومن مختلف المذاهب لا يعون خطورة ما حدث، وما يقومون به، ولا يعرفون إلى أين هم يذهبون، فالدين لا يفرض فرضاً، والمذهب لا يجبر عليه الناس، لأن الله أقوى من كل شيء، وقادر على كل شيء، ومع ذلك لم يفرض (ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة)… وعندما يقوم نظام سياسي، وفي دستور الدولة السياسي: دين الدولة الإسلام، وربما وضع توصيف المذهب أيضاً، وفي الدستور السياسي! فهذا إجبار على إخضاع الناس لأمر سماوي لم يخضع الله له البشر، والغريب المؤلم أن الأغلبية العظمى من هؤلاء الذين يستظلون بهذه المظلة أو وضعوها لا يلتزمون بها، إلا من رحم ربك… حتى تحديد دين المسؤول هو من الأخطاء، فعلاقة المسؤول بالناس تنحصر في نظافة الذاتية القانونية والأخلاقية، أما دينه فهو علاقته مع الله، وليس من الحق أن يبحث في دينه، لأنني لا أختار إماماً أو واعظاً… ألا نردد توجيه الرسول صلى الله عليه وسلم للمهاجرين إلى الحبشة عندما قال: (اذهبوا إليها فإن فيها ملكاً لا يظلم من استجار به) وهو مسيحي.. والمهاجرون العرب المعارضون للنظام السياسي في بلدانهم، أمضوا عقوداً هناك، وكل عملهم هو الحديث عن حكومات بلادهم وهم يزعمون الدفاع عن الإسلام! فإن كان حقاً يدافع عن الإسلام، فليذهب إلى بلده، وهناك يمارس دفاعه كما يشاء وليدفع ضريبة قناعاته، فيقول لك أحدهم: في الغرب وجدت حرية الرأي.. والحقيقة تخالف ما يقوله، فالأمر لا يتعلق بحرية الرأي، وإنما استغلال تلك البلدان لصاحب الرأي ليكون في خدمة سياسة تلك البلدان.
أما اكتشفنا أنه ما من وجود لحرية الرأي في العالم أجمع من أوروبا إلى أميركا إلى الصين؟ هم يخدمون سياسة تلك البلدان، ليس في السياسة حرية رأي، هذا كذب! في السياسة أنت مجبر أن تكون تحت مظلة قانون يفرض عليك، فإن لم يعجبك هذا القانون يمكن أن تذهب إلى قانون آخر، فما يفرض أولاً هو القانون الذي تخضع له البلدان وتفرضه. والقانون يفرض عليك أن تفعل كذا وكذا وكذا بصورة إجبارية، وكل ذلك يحدث ظاهرياً… وهناك قوانين تعطيك الحرية، لكنها تفرض توجيهياً من طرف خفي، فتعمل على خدمة سياسة بلده شئت أم أبيت.
أما في الدين فإن الله لا ينظر إلى صوركم… وإنما ينظر إلى قلوبكم، وهذا فرق كبير، الدين يحاسب على النيات، والدولة تحاسب على الحركات، فأنت في دولة تحبها أو تكرهها مجبر على أن تكون حركاتك مناسبة لقوانينها، أما الدين فلو مارست شعائره وأنت غير طاهر القلب، فإن ما قمت به لا يعبر عنك، لأن الله يطلع على النيات ويعلم أنك تفعل ذلك حركات، ولا تصل إلى ذلك المستوى نيتك. ومن هنا لا يمكن أن تطهر السياسية إلا إذا طهر القلب.
لا أحد يستوعب اليوم ما جاء به الإصلاحيون، فكثير من علمائنا اليوم ينقدون ويرفضون من دون قراءة واطلاع، ارفضوا أو انتقدوا ولكن بعد القراءة… أنا عندما أنتقد الاشتراكية أو الديمقراطية أو العلمانية أو العولمة، يجب أن أطلع، ليكون نقدي عن معرفة، وبعد القراءة يمكن أن أنتقد، وكثيراً ما نجد أتباع تلك الأفكار يتمتعون برقي لا يصل إليه المنتقدون، وهم إن تناقشوا في أمر كان نقاشهم للمعرفة لا للتهشيم.
وفي كل مرحلة زمنية تأتينا موجة فكرية، ويبدأ الصراع، ولكن من دون قراءة ومعرفة، وإن سألت أحدهم: أنت تقول كذا وكذا…. فهل قرأت الذين تنتقدهم، فالأغلبية تجيبك… أعوذ بالله أنا لا أقرأ الكفر!! وهنا لا أقول بقراءته للاقتناع، وإنما قراءته لفهمه الفهم الصحيح، والقيام بتفنيده على أرضية المعرفة، إن وجد الواحد ضرورة للدخول في الردود.
وحين ننظر إلى بعض هذه النظريات ربما وجدنا أنها لا تقترب من الدين، وإنما تحدثت عن رجال الدين الذين عبدوا الأرض للحكام والأمراء والملوك، نقدوا رجال المؤسسة الدينية، ولم يدرسوا الدين أيضاً، وجلّ آرائهم كانت ردة فعل على رجال الدين، ولو قرؤوا الدين فإنهم سيجدون أنه الحرية التي يصبون إليها، الممارسات هي التي أبعدتهم عن قراءة الدين. الحاكم لا يتبنى صاحب رأي حر، وإنما يريد العالم الذي يكون رأيه في خدمته… فمن وقف في وجه إبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلوات الله عليهم؟ السلطات وطبقة رجال الدين…
من الطبيعي ألا يخضع الساسة لأصحاب الرأي الحر، أما لو كان الحاكم محتفظاً بعلاقته مع الله لنفسه، ووضع نفسه تحت مظلة الرأي الحر والعدل يصل إلى المستوى الأعلى من العلاقة مع الناس.
مشكلتنا اليوم أن نبلغ اليأس من قراءة التاريخ، أو أن نرفض اليأس!
لا مكان لليأس، لأن الحياة عقيدة وجهاد، والجهاد ليس القتل، وإنما أن تعطي الآخر نور الحياة الذي أراده الله.

وقفة غير دورية مع فكره وتنويره