أخاف على وطن أحمله على كتفي من الفشل … منى واصف في حديث خاص لـ «الوطن»: مازلت أستطيع التكلم عن وجع الناس والأم والوطن.. وعن الحب

| إسماعيل مروة- سارة سلامة

سيدة الفن السوري السيدة منى واصف، قامة الفن السامقة، التي لا يختصرها شموخ على المسرح الذي كان لها، ولا تستوعبها السينما وقد كانت محلقة فيها، وتركت بصمتها، ولا تمثلها صرخات في أسعد الوراق أو سواه، ولا يغض من قيمتها ذاك الكمّ من إبداع حقد هند بنت عتبة وهي تمضغ كبد حمزة… إنها منى واصف التي تعشقت سورية والفن، فأعطتها سورية، ووشح السيد الرئيس صدرها بوسام الاستحقاق فافتخرت وتفاخرت وتعملقت إلى جوار قاسيون به، وطوّبها السوريون فنانة لا يستسيغون عملاً إن لم تكن فيه المنى.
سيدة قاسية تحبب القسوة وتسوغها..
أم حنون مع ارتجافة صوتها يسبق دمعك دمعها..
مظلومة تعابث القدر وتنتصر عليه بطيبتها…
صاحبة عنفوان شامتها تتفوق على العنفوان…
أم تجمع أبناءها على الحب… وتقف خلف الجدران تلتحف الانتظار.
مهمومة بالوطن لا تجد عنه بديلاً…
كل بلدان العالم عندها غرف للإيجار لا للاستقرار
وحدها الشام تجلس فيها منى واصف، كل لوحة في بيتها، كل لقطة، كل وسام، كل تكريم، كل شخص، كل شيء في بيتها يأخذك إلى الحميمية، وتدرك معها معنى أن تتماهى بالوطن، وأن تكبر لتتطابق مع الوطن.
صداقة حقيقية مع «الوطن» سمحت لها بأن تدلف إلى بيت منى واصف الكبيرة التي يغمرها الحب، فتتغلغل فيه، ومع آهة تصدر، ورشفة من فنجان زيِّن بالشام وحبها فردت السيدة الكبيرة ذاتها، باحت بأملها وألمها، بكت وأبكت، وفي كل لحظة كانت قدماها تغوصان في أرض الشام لتتجذر أكثر، ولتبوح بما هي فيه.. صمت طويل مرّت به السيدة الكبيرة، وفن لم يتوقف، وحياة لم تهدأ وعشق للوطن وزواريبه وكل ما فيه…
باقية أنا… لم أغادر… ولن أغادر…
سورية هويتي… وفني يردف بكلمة سورية
خارج سورية لم أكن ولن أكون
وهنا أتنفس هوائي النقي
وكان هذا البوح الفريد

ما الذي يفرح منى واصف اليوم؟
الفرح مجروح بشكل من الأشكال، ولكن الاطمئنان لم يغادر داخلي يوماً لأنني موجودة في بلدي سورية، وفي دمشق التي أحببتها والتي أعرف شوارعها، موجودة مع الشجر الذي كبر معي على طريق الربوة، وبنهر بردى الذي جف لا أدري لماذا، لذلك أقول إن الفرحة مجروحة، ولا أعتقد أن هناك سورياً يفرح بشكل متكامل حتى يشفى وطننا ويعود كما كان، وحتى نشعر بالأمان نفسه الذي كنا نعيشه عند عودتنا من التصوير في بزوغ الضوء.
أما فرحتي الشخصية فإنها تكون عند عودة الغياب لتكتمل الأمور لديّ لأنني لا أستطيع أن أجزئ نفسي وحياتي، وكذلك استمراري إلى الآن هو نوع من الفرح إن كان مجروحاً أم شبه مجروح، وأنني إلى الآن ما زلت أستطيع التكلم عن وجع الناس بطريقة ما وعن وجع الأم والوطن وعن الحب.

هل تشعر منى واصف أنها على خشبة مسرح تخاطب جبل الأولمب وتخاطب الآلهة؟
مشكلتي أنني دائماً هكذا لا أعرف متى أكون على المسرح ومتى لا أكون، ومتى أنام أو أستيقظ، لأن بداخلي شيئاً يتكلم دائماً، ولا أدري هل كنت من الآلهة أو جزءاً من الذين يخاطبون هذا الجبل، ولا أدري هل كنت من الجوقة أو لست منها، ولكن ما أعرفه أن هذه التراجيديا التي أعيشها هي القمة.

وهل هناك من يستطيع أن يسقط الإنسان من قمته؟
طبعاً الوجع والفشل والحرب والتشرد والغربة.

متى شعرتِ بالفشل؟
الفشل بمعناه الحقيقي إذا كان بالفن فإنه لم يخفني يوماً، لأنني أؤمن بالجواد غير المروض، ولذلك كنت أمشي بانتظام أجثو على ركبي وأعود مجدداً لمتابعة طريقي، وأركض وأرمح، وشعرت بالفشل عندما جرحوني من دون وجه حق، وأقول إنهم اصطادوني ولكنهم لم يروضوني وبقي فيّ شيءٌ يرمح، وأعتقد أن الفشل كان في هذا الجرح، لأن الجرح عندما يأتي من ناس في قلب الوطن فهو جارح.

كيف قامت منى بمداواة جرحها؟
بقيت بمكاني وفي وطني ولم أتغرب، وبقيت أعمل لأنني أؤمن أن (العمل عبادة)، فالتجأت لهذه العبادة، وبدأت أقرأ مع التمثيل، والذي يجعلني لا أشعر بعبء السنين أنني قارئة ممتازة، ولكن شعرت في لحظة من اللحظات بالخوف لأن الفشل يترافق مع الخوف، ويخاف الإنسان ربما من التحدث ويخاف من التعبير والضحك ويخاف من أن يفرح كثيراً، ومع كل الأشياء والتناقضات التي بداخلي إلا أنها تحمل شيئاً جميلاً لأنني من أنصار بكرا أحلى.

هل الحياة تبدأ غداً؟
من المفترض أن غداً سيكون أجمل، ولكن الحياة بدأت عندي منذ زمن طويل، وربما الغد يحمل معه شيئاً مريحاً وجميلاً، ومهما كنت حزينة فلا أنام حزينة، وإذا نمت كذلك استيقظ وبداخلي شيء مثل الرضا، وإذا ما ذكرت هذه الرواية «the secret» أقول إنها تشبهني كثيراً، وبطبعي أحمد اللـه عندما أستيقظ وأرى نفسي هنا بسريري وعندما أنزل منه أحمد الله، وأعمل قهوتي وأجلس في غرفة الجلوس وأدخن سجائري وأمسك كتاباً وإذا كان لدي عمل أحفظ نصي وأحمد الله.

عندما جُرحت منى كان العلاج بالبقاء، ما النتيجة التي وصلتِ لها فيما بعد، وهل البقاء بعد التجريح أعطى نتيجة إيجابية؟
طبعاً لأن البقاء يخلق نوعاً من التحدي ويذهب الخوف، وهذا وطني قولاً واحداً وكنت أطمح أن يكون لدي قصر على جبل قاسيون، وأحلم أن أكون ملكة أو عصفورة، أو فراشة، أو شيئاً لا أحد يستطيع مسكه.
ووطني هو وطني بأحلامي وبحقيقتي، وكلما كانت تزداد شُهرتي وأسافر إلى البلدان المختلفة كانت صفتي الأولى هي الفنانة السورية، لذلك أصبح الخوف من الفشل لا يمثل فشلي فقط بل يمثل إخفاق وطني، ولطالما حملته على كفي ولم أفشل ليس من أجلي ولكن من أجل وطني.

كم من حق الإنسان أن يشعر أنه وطن؟
عندها فقط يدافع عن وطنه لأنه يشعر بأنه يدافع عن ذاته وعرضه وعن عظمه ولحمه ودمه.

ألا يمكن أن يصبح هذا الدفاع دفاع الأنانية؟
لا، لأنني في عام 1967م، عندما ذهبت إلى الجبهة لم أخف، وفي 1973، كذلك لم أخف، وفي المسرح العسكري عندما ذهبت إلى القطع العسكرية لم أخف، ولم أشعر أنني ذاهبة إلى مكان ليس لي وليس ملكي ولا يشبهني، وإذا اُعتبر كلامي غروراً أو أنانية فإنني أشعر أن الوطن هو ذاتي، وإذا لم نشعر أن الوطن ملكنا عندها نستطيع العيش في أي بلد، وكل من يرحل فليذهب كبيراً كان أم صغيراً، والذي بقي ولم يرحل فيكون الوطن هو ذاته.

ما مواصفات الذي يبقى والذي رحل عند منى واصف؟
الذي رحل لا يهمني، ولكن من بقي فهو متعلق بترابه وبشجره وثمره وبسمائه وعصافيره وبوجعه وبظلمه وبكل شيء.

هل من الجميل أن يتمسك الإنسان حتى بالظلم؟
(بلادي وإن جارت عليّ عزيزة.. وأهلي وإن ضنّوا عليّ كرام)، لا أعتقد أنها قيلت عبثاً.

الناس الذين حاولوا النيل من منى واصف ولم يقدروا، هل التقيتهم فيما بعد؟
أراهم دائماً، ولكنني أراهم يصغرون ويضمحلون.

وإذا ما قلنا إن الفنان وطن، فالوطن يسامح؟
ويمكن لا، ومهما كنت سامية بمشاعري فإنني في النهاية إنسان ولست عجينة يوم واحد، بل عجينة حياة وعجينة أدوار وخاصة الأدوار التي لعبتها على المسرح، وعجينة مآسي الناس التي قرأتها في الكتب، على سبيل المثال «مذلون ومهانون» للكاتب الروسي دوستويفسكي، ولا أستطيع أن أكون إلا أنا في كل الشخصيات التي لعبتها، من هند بنت عتبة آكلة كبد حمزة إلى أكثر امرأة مسكينة هي أم شهيد دفنت ابنها بيدها.
وعندما أمشي في الشارع أو في السيارة الناس تنظر إليّ على أني أمهم وليس في سورية فقط بل في مختلف البلدان العربية، ولا نستطيع أن نقول عن أي ممثلة إنها أم، لأن أقدس شيء عند الرجل إجمالاً هي أمه، وهذه الأمومة لها ثمن، ثمن الوجع الذي أحمله أكان متوارثاً أم وجع الأمهات، أو وجع النساء أم هو الظلم والقهر وبالوقت نفسه هو الملوكية أنا هكذا لا أحد باستطاعته أن يفصلني، وأشعر أنني لن أتغير ولا يستطيعون تغييري.

قلت إن الذي بقي في الوطن متماهٍ معه، هناك من بقي في الوطن وتاجر بآلامه؟
هذه هي نتيجة الحرب وفي كل حرب هناك أشخاص تصبح في الواجهة فجأة، ويظهر تجار الحرب، هؤلاء يموتون ويعودون مجدداً بحرب ثانية، وفي كل حرب يخرج نوع من البرجوازية، ونحن في جيلنا وعلى أيامنا كنا نعرف بعضنا جيداً ونسهر معاً، ولكن على امتداد السنوات في السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات و2000 إلى 2010 الناس تغيرت وليسوا هم أنفسهم الذين كنا نسهر معهم ولا نحضر فيلم لـ«فليني» مثلاً، معهم، وبالمناسبة أقول أين السينما!

من «مغامرة رأس المملوك جابر» لسعد الله، انزوت منى واصف ممزقة الثياب على جدار، كم تعودين إلى هذه الصورة وخاصة في الحرب؟
هذه هي الحرب أعود لهذه الصورة كثيراً ولكن هناك أفظع منها وليس بالضرورة أن أكون أنا التي أجسد الدور، فهناك الكثير من الأفلام التي شاهدتها وهناك قصص كثيرة قرأتها، وربما أبشع شيء في حياتنا التي نعيشها هي الحرب.

منى واصف قارئة، ومثقفة، وذات لغة عظيمة، ما الشيء الذي قالت إنه خارج نطاق تصورها؟
الشيء الذي حدث في سورية.

من أين أتاكِ الإيمان بأنه لن يحدث؟
إحساسي بالأمان الكبير الذي كان يسكنني، وأنا من الذين يخططون للغد وللمستقبل، لا أعيش يومي، ليس هناك في لحظة أو ثانية شعرت أنه من الممكن أن يحدث شيء من الذي حدث، ولست أنا فقط.

إذا كنا كلنا لا نعتقد كيف حدث ذلك؟
من سيعرف أن يجيب عن ذلك، لا أدري.. يتهيأ لي أنه بمكان ما هناك جهل، والجهل مع الفقر لعبا دوراً كبيراً، وكذلك التهميش لعب دوراً بشكل من الأشكال.
وعندما كنت سفيرة للنوايا الحسنة ومحاربة الفقر ذهبت إلى شمال حلب وفي الحقيقة صدمت بوجود مناطق تحت خط الفقر يجب أن نعترف بها، ولا أتذكر هل كتبت التقرير أو لم أكتبه، ولا أعلم نحن إلى أي درجة كرسنا مسألة التعليم، وهناك نسبة ناس مرتاحة ولكنهم أقلية لبلد مثل سورية فيها كل الموارد الطبيعية.

كيف إذا أضفنا الإنسان؟
أنا بسوريتي متعصبة جداً لأن الإنسان السوري رائع بغض النظر عما حدث وبالشيء الذي حدث فهو رائع، والآن اختلفت طبيعة النقاش يجب أن نتكلم بتعصب، فعندما تحدثنا عن الجهل والفقر نتقبل ذلك في حوارنا مع بعضنا، ولكن إن أتى شخص غير سوري وقال ذلك فبكل تأكيد لن أقبل.

هناك من يقول إن النخب الثقافية والفنية وغيرها في سورية كانت أقل وعياً من الإنسان العادي في الحرب.
يمكن ذلك لأن النخب دائماً مرتاحة ووصلت لدرجة من القناعة أنها مهمة، وهناك الكثير من الذين استفادوا وهربوا، كما يقول المثل «أول من حلب هرب»، وأنا كنت من الناس الذين لم يتوقعوا هذا الشيء كنت أمسك كتابي أو أقرأ وأمثل وأعيش بعالم صوفي جداً.

هل ترين أن غياب الفعل الثقافي والتربوي مهم من سينما ومسرح؟
ليس هناك وجود للسينما ولا للمسرح، السينما غائبة تماماً عما كانت عليه في السبعينيات إلى منتصف الثمانينيات، وهل يوجد مثلاً في المسرح القومي موسم كامل مثل ما كان من قبل؟ وهل هناك سينمات نذهب لها من الساعة 10 ونرتدي أجمل ما لدينا؟

ما دور الفن عموماً في مثل هذه الحرب؟
لها دور من الأدوار وليس دوراً كاملاً، ولا أستطيع القول إن الفن والأدب من شأنهما إيجاد الحلول، ولكنهما يلقيان الضوء لنصل إلى حلول من خلال التطرق لأوجاع الناس ومشاكلهم، وبشكل مفاجئ لم يعد هناك وجود للعلم والثقافة والتنوير.

ألا يمكن أن يكون ثمة حل عندما نبدؤه منذ الصغر؟
المفروض طبعاً، والسؤال المهم لماذا لا يوجد لدينا مسرح مدرسي، ولماذا يتم التركيز على الاهتمام بالنشاطات الرياضية فقط، ومن المفروض أن يكون المسرح المدرسي موجوداً من الصف الأول الابتدائي إلى البكالوريا.

منى واصف كيف ترى الغد؟
أنا من أنصار بكرا أحلى، وما حدث في البلد جعل كل شخصٍ فينا يعرف كم هذا الوطن عزيز عليه، من الذين تشردوا وتغربوا وغرقوا وأخذوا جنسيات ولكن في النهاية على الأصل دور!. ، فلا أحد سينسى أصله ولا هم إذا حدث شيءٌ ينسون وسيكون السؤال الفوري ما أصله ومن أي بلد أتى.

وبكرا للذي «حلب وهرب»؟
لا أهتم بهؤلاء الذين يذهبون ويتصورون وأتوقع أن النهايات ستكون وخيمة ونرى كيف يعملون الأعراس الفخمة، ولكن ما يهمنا الذين بقوا والذين يعيشون ويبنون والذين سيعمرون والذين سيساهمون بالتعمير، ووصيتي لهم هي بناء المدارس والمستوصفات لآخر منطقة مجهولة في سورية، أما ما يجب أن نخاف منه غداً هو أن ما حدث ولد نوعاً من التفرقة.

ماذا برأيك؟
أنا نسيج سوري بامتياز فأمي مسيحية وأبي مسلم ونحن لم نكن هكذا، هناك شيءٌ ما حدث وطبعاً بمساهمة من الخارج وهذا الشيء لم يحدث فجأة، والآن نرى القدس تغتصب وأقول إن كل شيء كان مخططاً له منذ 20 عاماً لنصل إلى هذه المرحلة، وفي السياسة أنا لست مطلعة جداً زوجي يعرف أكثر مني، وبرأيّ أن كل ما حدث لكي نصل إلى القضية الكبرى وهي القدس، والدليل أنهم أضعفوا البلدان والجيوش العربية مثل سورية ومصر والعراق، وكلما قامت في دولة مظاهرات، والذين تحدثوا كلهم يقولون إن الشعوب محبطة وتبحث عن رزقتها ولقمة عيشها فهم حقاً أوصلونا إلى هذه المرحلة.

منذ بداية الحرب سواء في مصر أم في سورية لجؤوا إلى الفنانين والنجوم، برأيك هل يستطيع هؤلاء وأغلبهم ليسوا بمستوى ثقافي واحد أن يكونوا قادة رأي، وهل أسهموا سلباً أم إيجاباً؟
لم أر من ساهم منهم إيجاباً وفي الوقت ذاته لا استطيع أن اتهم أحداً سلباً، والسؤال أنهم عندما استخدموا هل هذا الأمر نابع عنهم أم مطلوب منهم، ونحن في حرب 1967، و1973 تطوعنا لم يمل علينا أحد أن نتطوع، وذهبت ورأيت أفراداً من الجيش السوري محروقين في مستشفى المزة هذا هو الفرق، والذي حدث أكبر من أن يحكى به بلقاء فنان يخطب بالجماهير بصوت صغير وضئيل، هناك شيء أكبر من ذلك.