أغاليط التاريخ.. الخيام لم يكن شاعراً … المؤرخ أحمد المفتي: أرادوا تشويه صورته وطمس الجهود التي قدمها للحضارة

| سارة سلامة

في معلومة صادمة فجرها المؤرخ أحمد المفتي من العيار الثقيل وذلك في ندوة أقامها في المركز الثقافي العربي-أبو رمانة- بعنوان لافت يحمل الكثير من علامات الاستفهام، وهو (الخيام.. لم يكن شاعراً)، ما جعل القاعة تعج بالحاضرين ومن بينهم معاون وزير الثقافة علي المبيض، ورئيس مؤسسة القدس الدكتور سمير جراد، ومدير أوقاف ريف دمشق خضر أحمد فائز شحرور، والمطرب عصمت رشيد.

أكد المفتي في الندوة أنه بصدد الكشف عن مجموعة كبيرة من الأغاليط التي وردت في التاريخ وشوهت صورته، فمثلاً: من موضوع بناء الكعبة، إلى مخترع رقاص الساعة، وقبة الصخرة، والباروك الذي حاربه العرب قبل أوروبا بسبعة قرون، وأن أبا جهل ليس خال عمر بن الخطاب، كما ورد في الفيلم الذي أخرجه حاتم علي، والفاطميون هم أتباع فاطمة بنت أبي مسلم الخرساني وليس فاطمة بنت النبي محمد، والقدود والميلوية ليست حلبية بل شامية حمصية، والفارابي هو صاحب نظرية النسبية وليس آينشتاين، وأن رباعيات الخيام التي غنتها (أم كلثوم) وهذه المقامات واللحن لرياض السنباطي، كما أن الأبيات الشعرية في رباعيات الخيام كانت من ترجمة أحمد رامي، وهي من شعر أحمد رامي وليست فقط ترجمته، وهناك مواضيع كثيرة سيتناولها بشكل دوري من هذا العام.

نشر الثقافة الصحيحة
وفي تصريح خاص لـ«الوطن» قال معاون وزير الثقافة علي المبيض: «إن هذه الندوة هي حلقة ضمن سلسلة ندوات ومحاضرات وأنشطة تقيمها الوزارة، بهدف تعميم المعرفة ونشر الثقافة بين الجمهور وتعزيز الهوية الثقافية والحضارية، وبناء فكر الإنسان الفاعل والمنفتح القادر على المشاركة بشكل إيجابي ورفع الذائقة السمعية والبصرية والفنية والثقافية لدى الناس، ونحن في وزارة الثقافة نعتبر هذه الفعاليات من أهم أهدافنا لما لها من دور في نشر الثقافة الصحيحة بمفهومها المطلق وتصديرها، وإزالة الشوائب عنها، لأن الدفاع عن التراث الثقافي يأتي كنتيجة لمعرفتنا وحبنا للتراث».
وأضاف المبيض: «إن هذه الندوة بحث فيها أحمد المفتي أن عمر الخيام ليس شاعراً ولم يكن صاحب قصيدة الرباعيات الشهيرة، بل كان فلكياً وعالماً ورياضياً وبرع بشكل خاص في علم الجبر ووضع أسس علم الجبر والهندسة حيث اكتشفها قبل العلماء الغربيين بسنوات عديدة، وساق الباحث المفتي في المحاضرة عدة أدلة تؤكد هذا الطرح، ليس رأيه الشخصي بل من خلال الكتب والمراجع التي استند إليها، حيث ترجمت رباعيات الخيام من عدة أشخاص منهم الشاعر أحمد رامي الذي ترجم 120 بيتاً، وغنت أم كلثوم عدة أبيات في العام 1949م، وحسب رأي الباحث أن هذه الرباعيات ليست للخيام».
وبين المبيض: «أن من الدلائل التي أشار إليها أن أول من اكتشف الرباعيات (توماس هايك)، الأستاذ في الجامعة العبرية أي بعد وفاة الخيام بـ350 عاماً وكانت عبارة عن 129 رباعية، وبدأت الناس تضيف اليها رباعيات وتنسبها له حتى بلغت 200 ألف رباعية».

عالم فلكي وفيلسوف
وفي تصريح مماثل أكد المؤرخ أحمد المفتي: «أننا نبحث عن شخصيات شوهت عبر التاريخ وحديثنا في هذه الندوة له علاقة بشخصية عمر الخيام، هذه الشخصية التي عرفت قبل القرن التاسع عشر بأنه رجل حكيم وفيلسوف ورياضي وله نظريات في علم الهندسة والجبر وفي علم الأعداد، ولكنهم طرحوا عمر الخيام كشاعر وليس كحكيم أو كفيلسوف أو رياضي أو مؤسس في علم الجبر بعد الخوارزمي كي يشوهوا هذه الصورة للجيل الجديد ولكي يُعرف الخيام بأنه شاعر الخمرة وشاعر الانحلال وطمسوا كل الحضارة التي قام بها».
وأضاف المفتي: «إن الخيام هو الفلكي الذي وضع أدق التقاويم ونحن نستخدم تقويم الغريغوري في تاريخنا وبتقويمنا، على حين الخيام هو من وضع تقويماً أدق من تقويم الغريغوري، ولذلك بدؤوا بتشويه صورة الخيام قبل القرن التاسع عشر».
وبين المفتي: «أن الخيام لم يعرف شاعراً وإنما كان عالماً فلكياً فيلسوفاً ولذلك أول من اكتشف هذه الرباعيات أو نسبت للخيام هو «توماس هاي»، استاذ الجامعة العبرية في لندن وهناك مآرب كثيرة جداً كانت وراء تشويه صورة عمر الخيام، مفيداً «أننا لا نستطيع أن ننعته بالشاعر لأن هذه الرباعيات ليست له، وهذا ضمن الوثائق التي وردت في أقدم نسخة مخطوطة من رباعية الخيام والموجودة بـ(أكسفورد)، بعد موت الخيام بـ350 عاماً، وهذا يدل على أن هذه الرباعيات ليست له وإنما وضعت لتشويه صورته لأنها تدعو إلى الخمرة وتدعو إلى التحلل وإلى الإباحية».

من هو الخيام؟
واستهل المفتي الندوة بالتعريف عن عمر الخيام حيث قال: «إن اسمه عمر، وكنيته أبو الفتح، ولقبه غياث الدين ووالده إبراهيم النيسابوري، وشهرته بالخيام لاشتغاله في صنعها، ولد في نيسابور من أعمال خراسان في الشطر الثاني من القرن الحادي عشر الميلادي، وتوفي قبل انتهاء الربع الأول من القرن الثاني عشر الميلادي».
اشتهر الحكيم عمر الخيام النيسابوري قبل القرن التاسع عشر بعلومه وليس بشعره، واشتهر في القرن التاسع عشر الميلادي برباعيته في الشعر، وأصبحت رباعيات الخيام تردد على كل لسان بعد أن نسبوها إليه، ويقال إن وفاته كانت في السنة السابعة عشرة وخمسمئة هجرية، وأقدم من كتب عن شخصيته وأوثقهم تلميذه أحمد بن عمر النظامي السمرقندي في كتابه (جهار مقالة).
وقال المفتي: «إن الخيام نشأ في نيسابور وتربى على يد أستاذه الكبير المعروف بالإمام الموفق النيسابوري، اشتهر الخيام بفطنته وذكائه وتفوق في علم الفلك فُلقّب بالحكيم الفلكي، ولما أراد الملك شاه السلجوقي في سنة سبع وستين وأربعمئة هجرية تعديل التقويم السنوي، كان الخيام على رأس الفلكيين، لذلك قال المؤرخ الإنجليزي (جيبون)، إن مذهب الخيام في تقويمه ليفضل المذهب الغريغوري دقة وإحكاماً وأشاد البيهقي بذكر الخيام وقال إنه تلو ابن سينا، وسرد مؤلفاته وتصانيفه في علوم الفقه واللغة والتاريخ، ومن خلال استعراض أقوال المؤرخين الأقدمين الذين عاصروا الخيام، ومن كتابات تلامذته، فإنه لم تأت أي إشارة إلى أنه كان شاعراً أو كانت له رباعيات فقد عاصره الزمخشري والقاضي النّسوي والإمام الغزالي، ولم يرد عنهم أن له رباعية».

لم يرد استنكار لأخلاقه
وأضاف المفتي: «إن أقدم نسخة لرباعيات الخيام هي النسخة المحفوظة في أكسفورد والمعروفة بنسخة بودلين، وقد خطّت بعد مرور ثلاثة قرون ونصف من وفاة الخيام، وتدعو للتحلّل والإلحاد وشرب الخمر، ومن المعروف أن الإمام الغزالي قد عاصر الخيام واجتمع به أكثر من مرّة وكذلك أئمة عصره، فلم يرد عنه وعنهم أي استنكار لأخلاق الخيّام، وأول من كتب عن الخيام من الغربيين (توماس هايك)، أستاذ العبرية في جامعة أكسفورد سنة سبعمئة وألف ميلادية ثم ترجم (فون هامر برجشتال) خمساً وعشرين رباعية سنة ثماني عشرة وثمانمئة وألف، ثم ظهرت ترجمة (نيقولاس) في فرنسا، ثم ترجمة (فيتزجرالد) الشاعر الإنجليزي سنة ست وخمسين وثمانمئة وألف، وهي الأشهر التي ترجم عنها إلى العربية، وقد ظهرت مزيّنة برسوم خيالية بريشة جلبرت جيمس، وأدموند دولاك».
وبين المفتي: «أنه ولما انتشرت ترجمة فيتزجرالد برسومها الخيالية، أغرت الشعراء العرب بالأخذ عنها، فكان أول من ترجمها للعربية الشاعر اللبناني وديع البستاني سنة اثنتي عشرة وتسعمئة وألف ميلادية، ثم جاء بعده توفيق مفرج وكذلك الشاعر أحمد رامي الذي انتقى بعض أبياتها لتشدو بها أم كلثوم، وكان ذلك في سنة أربع وعشرين وتسعمئة وألف، ثم أعقبه في الترجمة الشاعر أحمد الصافي النجفي، وجميل صدقي الزهاوي، ومحمد السباعي، وأحمد زكي أبو شادي، ومحمد الهاشمي وغيرهم.. ، وانتشرت رباعيات الخيام في الشرق والغرب، وترجمت إلى اللغات الحية، وبلغت أكثر من مئتي ألف رباعية نسبت للحكيم النيسابوري عمر.. من غير سند يعتمد عليه أو مصدر موثوق به، كما أنها لا تدل على شخصيته ومكانته الدينية والأدبية والاجتماعية».