تأملات افتراضية في مؤتمر سوتشي

| عبد المنعم علي عيسى

ما يفصلنا اليوم عن مؤتمر سوتشي المزمع عقده يومي 29-30 من الشهر الجاري هو ثلاثة أسابيع فقط، وحتى الآن لا تلوح في الأفق أشكاله النهائية أو المعطيات التي يمكن له أن يفضي إليها، ولذا فان من الجائز التعاطي مع الحدث كلوحة كلمات متقاطعة المعلوم منها يساعد في الوصول إلى المجهول، وهذا ما سنحاول أن نفعل، وربما تجدر الإشارة هنا قبيل أن نخوض في ذلك إلى موقف المعارضة الذي يتخذ من المحيط دليلاً إلى تذبذب مواقفه، صحيح أن هذي الأخيرة كانت قد عبرت عن موقفها بالتحفظ منذ إطلاق موسكو لفكرة المؤتمر إلا أن ذلك التحفظ قد ارتفعت نبرته مؤخراً وربما كان ذلك بفعل الحدث الإيراني الحاصل منذ اليومين الأخيرين للعام المنصرم، والراجح هو أن التقييمات التي تزامنت مع الحدث أشارت على صناع القرار بوجوب التروي، فمن شأن تغيير جوهري في الداخل الإيراني أن يؤدي إلى نسف الظروف والمعادلات التي قادت نحو ذلك المؤتمر، ولذا فمن المتوقع بعد انحسار الاحتجاجات في إيران أن تذهب المعارضة من جديد إلى مقاربة المستجدات، خصوصاً أن غالبية الذين تلجأ إليهم للاستشارة أو لشيء آخر ينصحون بإبداء مرونة أكبر، كما حصل إبان زيارة وفد المعارضة مؤخراً إلى القاهرة، وما جرى هو أن الجامعة العربية كانت قد أصدرت بياناً في 4 من الشهر الجاري في أعقاب لقاء الوفد مع الأمين العام للجامعة العربية أحمد أبو الغيط، وقد جاء فيه أن هذا الأخير كان قد نصح الوفد بتقديم «تنازلات صعبة» إلا أنها، أي المعارضة، ردت بأنها متمسكة ببيان «الرياض 2»، وفي ضوء هذه التطورات فان من الراجح أن يتم تأجيل انعقاد المؤتمر على الرغم مما يمكن أن يصيب، أمراً كهذا، صورة الحدث وربما كان ذلك هو المآل الذي تسعى إليه المعارضة، أما فرص انعقاد المؤتمر الإقليمية والدولية فهي لم تتغير، فتركيا اليوم تبدو أمام خيار وحيد هو الانسياق وراء المشاريع الروسية المجترحة لحل الأزمة السورية، حيث لا يبدو أن رسائل الغزل التي ترسلها واشنطن من حين لآخر إليها، والتي تصل إلى حدود الوعد بفتح صفحه جديدة، قادرة على إقناع أنقره بتعديل مسارها الراهن، ليس لأنها لا تريد اللحاق بالركب الأميركي، فهي بالتأكيد سوف تهرول عند أول «غمزة» أميركية تراها جدية، ولكن لأنها ترى أن عودة المياه إلى مجاريها هو أمر يحتاج إلى أكثر من ذلك بكثير، فالطعنة الأميركية لم تأت في الكتف أو في الأصابع وإنما جاءت في القلب، ثم إن الأفعال يجب والحال هكذا أن تسبق الأقوال، ولذا فإن المطبات على الطرقات الموصلة ما بين واشنطن وأنقره تبدو باقية بل وفي حال تزايد أيضاً، ففي الخامس من الشهر الجاري كان إعلان الرئيس التركي دونالد ترامب عن أن الاتفاقات القانونية الموقعة مع الولايات المتحدة قد «تفقد صلاحيتها» وهو أمر يشير إلى أن كلاً من الطرفين يعمل على «تصيد» الآخر، لكن وعلى الرغم من ذلك فانه من الصعب الرهان على دوام الموقف التركي في الخانة التي يجري فيها الآن، فخيار تركيا في هذا السياق لا يبدو خياراً استراتيجياً، بل وأنقره أيضاً ليست مرتاحة للتموضع الجيوسياسي الجديد الذي باتت فيه، وهو ما يمكن تلمسه في العديد من الخطوات كمنح أنقرة في الخامس من الجاري شركات إيطالية وفرنسية عقدا في شأن تطوير وإنتاج نظام دفاع جوي وصاروخي بعيد المدى، وهو أمر يشير إلى أنها تعمل على توسعة فضاءاتها الأوروبية على الرغم من رفض الأوروبيين لانضمامها إلى اتحادهم وهو رفض كان في بعض محطاته مهينا للذات التركية.
إن حالة عدم الارتياح التركي تتأتى من أمرين: أولهما أن العلاقة مع موسكو تبدو انقياداً أكثر منها خياراً فرضته الاحتياجات والظروف، وثانيهما هو أن موسكو كان شرطها الأساس، كما بات واضحا، لعودة علاقاتها مع أنقرة في أعقاب الأزمة التي ولدتها حادثة إسقاط الطائرة الروسية أواخر تشرين الثاني من العام 2015، يتمثل في تغيير موقفها من الأزمة السورية بشكل جذري الأمر الذي وافقت أنقره عليه، إلا أنها طلبت أن يكون ذلك تدريجياً.
في ضوء المعلومات المتوافرة عن الأهداف والآليات التي يسعى، ويعتمدها، مؤتمر سوتشي، يبدو أن الغرض الأساس هو إعادة إنتاج القاعدة التي تستند إليها السلطة في البلاد، العملية التي أسماها أمين المجلس القومي الإيراني علي شمخاني في مقابلة على قناة «الميادين» بثت في الثاني من الجاري بالتأسيس لـ«جمعية وطنية سورية» وهو ما يفسر عدد السوريين المدعوين الضخم، فقد أعلن في البدايات عن وفد سوري قوامه ألف مدعو ثم أعلن أن العدد قد ارتفع إلى 1700، والمفترض أن يشكل هؤلاء نسيجا رابطا ما بين السلطة بمختلف قياداتها الحزبية والسياسية والأمنية وبين قواعدها الجماهيرية، الأمر الذي يوفر أيضاً فرصة لضخ دماء جديدة وشابة لكنها اكتسبت عبر الظروف التي عاشتها البلاد على مدى سبع سنوات خبرات عالية وهو ما يجعلها أكثر استجابة من غيرها لمجمل الخطوات التي ستتطلبها توافقات التسوية النهائية، وفي الآن ذاته ترحيل تدريجي للقاعدة القديمة التي تمارس ذلك الدور.
هذه العملية بالتأكيد سوف تحتاج إلى عقد اجتماعي جديد يتعايش في ظله السوريون وفي الآن ذاته يرسم الحدود والتخوم الفاصلة ما بين السلطة وبين معارضيها، وهي لن تستند بالضرورة إلى القرارات الدولية التي يمكن أن تلعب دوراً سلبياً في هكذا سياق، ناهيك عن أن هذي الأخيرة لم تكن إلا وليدة لتوازنات إقليمية ودولية في لحظه ما وقد تجاوزتها الأحداث بالتأكيد أما تمسك المعارضة بأدق تفاصيلها، وبالقراءة الخاصة بها، فتلك حالة طبيعية لأن الطرف الأضعف دائماً هو الذي يتمسك بلحظة سياسية يرى أنه لم يعد بإمكانه استعادتها، والأمر هنا لا ينطبق على الصراع العربي الإسرائيلي لأن هذا الأخير يحمل بين جنباته حقوقاً وأراضي لشعوب سلبت ولا بد من استعادتها، على حين أنه لا يعدو في الحالة الأولى صراعاً على السلطة والنفوذ والسيادة داخل البيت الواحد.
قد تكون هذه تأملات افتراضية لصورة قد يجري التقاطها قريبا على الرغم من غموض الكثير من جوانبها، وربما كان هناك جانب آخر غامضاً ولم نشر إليه ويتمثل في الحجم والدور الذي يمكن أن يحظى به الأكراد في سوتشي، وفي هذا السياق تبدو الصورة هنا أكثر تعقيداً وذلك لان الموقف الروسي برمته هو موقف غامض من المسألة الكردية، وهناك الكثير من الممارسات الروسية التي تؤكد ذلك، فإذا ما كانت أنقرة قد وافقت على السير وراء الروس، فذلك كان بالتأكيد في مقابل أمر واحد هو وقوفهم ضد الطموحات الانفصالية للأكراد، ولا بد أن موسكو سبق وقدمت الكثير من تلك الضمانات بهذا الخصوص، وعلى الرغم من ذلك نرى أنها قامت بتوجيه الدعوة للأكراد لحضور سوتشي، والخشية هنا هو أن يكون الرهان الروسي مبنياً على أن خيارات الأتراك ضيقة ولا سبيل لهم للتراجع عن الانسياق الذين هم ماضون فيه، فالمسألة تتعلق بالأمن القومي وقد سبق لأنقرة أن أطلقت عنان عدائها لواشنطن لسبب من هذا النوع، صحيح أن هناك العديد من الأزمات التي فعلت فعلها في تردي العلاقة الأميركية التركية إلى ما هي عليه الآن، إلا أن المؤكد هو أن الدعم الأميركي المطلق للأكراد كان سبباً أولاً في الوصول إلى حال التردي سابق الذكر، ولذا فان الرهان على البقاء التركي في تموضعه الأخير هو رهان خاسر لأنه ببساطه مرتبط بظروف متغيره، ثم إن الانسياق هو من النوع التراكمي الذي لا تظهر آثاره إلا عندما تمتلئ الكأس.