الإطار التاريخي للمعرفة ودور الأيديولوجيات

| حسين مهدي أبو الوفا

كثيراً ما تقرأ العلاقة بين التاريخ والأيديولوجيا قراءة مقبولة فيصادر التاريخ لأجل تقديس نص معين ولد في لحظة تاريخية، هذه القراءة التي تصادر التاريخ تقتل في الوقت نفسه الأيديولوجيا ذاتها، إذ تطبعها بالثبات والجمود، والتاريخ حركة مع الزمن بل هو حركة الزمن التي لا تعترف بالجمود.

للنص آليات تاريخية وقعت في لحظتها، فلا يمكن قراءة النص بروحه وفحواه وأبعاده الحقيقية من دون قراءة اللحظة التاريخية التي شكلت الفضاء المعرفي الذي أنتجه، النص لم يكن منفصلاً عن فضاء معرفي شكلته لحظة تاريخية، غير أن تراكم الزمن قد يحول- في مسار ارتجاعي- ذلك النص إلى أيديولوجيا ثابتة ترفعه إلى منزلة النص فوق التاريخي- المادية التاريخية- نموذجاً- تحولت إلى أيديولوجيا ثابتة لا تقرأ بمساحة التغيير- منذ قام المؤرخون في هذه المدرسة بتقديس هذه النظرية، وفصلها عن حركة التاريخ، وإتمام التاريخ قسراً في قوالبها الخاصة وقع الارتباك، وشعر أولئك بالتناقض الفج حتى سخر بوكرونسكي، رأس المؤرخين الماركسيين حتى وفاته 1932 من الكتاب الماركسيين الذين أدى بهم سوء تصورهم للحتمية الاقتصادية إلى محاولة تفسير أسباب الحرب العالمية الأولى على أسس تقلّب أسعار القمح. لكن بقي هو الاتجاه الغالب على المؤرخين الماركسيين حتى بعد عهد ستالين 1953 إذ ظهر رد فعل ضد التفسير العقائدي الجامد للنظرية الماركسية، ورد الفعل هذا ناتج من صعوبة المواءمة بين الحقيقة التاريخية والمواجهات الأيديولوجية التي وضعت من أعلى ولاسيما (الأخطاء والتشويهات المرتبطة بعبادة الشخصية في عهد ستالين، فبدلاً من أن يسعى الأيديولوجي إلى تقييم عقيدته من خلال الدليل التاريخي والحقيقة التاريخية، يذهب دائماً إلى تشويه التاريخ ومصادراته من أجل أن يضفي على عقيدته الثبات والقداسة، غافلاً عن أن في الثبات جموداً، سيتجاوزه التاريخ في حركته المطردة. لقد حطم هيغل بنفسه صرح نظريته الكبيرة حين طوقها بطوق الثبات عند النموذج الروسي للدولة حين جعل منه منتهى المسار التصاعدي للتاريخ والمصداق الوحيد لتجسيد الروح المطلق، ونهاية الجدل التصاعدي، وتحت ضغط الأيديولوجيا تقع الديموقراطية الرأسمالية اليوم في الفخ نفسه من خلال مؤرخيها المعاصرين، وعلى رأسهم فوكوياما الخبير في المخابرات الأميركية، عندما حكموا نهاية التاريخ في النموذج الذي تقدمه أميركا اليوم للنظام الديمقراطي الرأسمالي، مثل هذه التاريخاتية ذات جذور أيديولوجية دائماً وراء تحكم الأيديولوجيا في التاريخ إخفاقات أخرى، تناقضات وارتباكات تتراكم مع حركة التاريخ بل مع تسليط الأضواء على كثير من حقائقه العصية على الانصياع لتوجهات العقيدة.
نؤكد دائماً استثناء النص فوق التاريخي، من قبيل البديهيات القطعية، كامتناع اجتماع النقيضين أو القضايا القيمية العامة تحسن العدل وتقبح الظلم، الصدق عز والكذب عجز غير النصوص التي تنتجها لحظة تاريخية وأجواء معرفية متشكلة عنها.. ومن دون هذا الاستثناء نكون قد فررنا من فخ لنقع في فخ آخر.. وبالمقابل فمن يزعم أن كل نص منتسب إلى المعرفة هو نص فوق تاريخي، فقد أخطأ في وعي المعرفة والتاريخ معاً، وللمسألة شروح وتطبيقات كثيرة نرجو أن نوفق لها نحن أو غيرنا.
نعود لنقول إن الإخفاق الناجم عن تقديس الأيديولوجي بعد فصله عن لحظته وفضاءاته المعرفية، وتحويله إلى «ثابت تاريخي» سيتكرر مع كل دوران حول «ثابت تاريخي» ليس هو في واقعه إلا عاملاً من عوامل التاريخ، خاضعاً لصيرورته، متأثراً بغيره من العوامل، فأصحاب نظرية (العامل الواحد) منحوا هذا العامل صفة الثابت التاريخي واختزلوا عوامل التاريخ كلها فيه، كالذي رأيناه عند الماركسيين في تفسيرهم للحرب العالمية الأولى وتفسيرهم للفتوح الإسلامية، وثورة الزنج، وكل الحركات الكبرى في التاريخ، ونظيره ما وقع فيه ابن خلدون جراء اعتماده «العصبية» كثابت تاريخي غير خاضع لصيرورة التاريخ، متعال على عوامل تاريخية أخرى، بل ملغٍ لها بالكلية. من ناحية أخرى في ضوء العلاقة بين التاريخ والمعرفة فإن التاريخ هو الذي ينبغي أن يكون المقياس في تقييم الأفكار ومعرفة مدى صلاحيتها من خلال معرفة مدى مواكبتها للزمان.
فالأفكار الوليدة في زمن تاريخي ليست بالضرورة مواكبة له، قد تكون متخلفة عليه لأنها تولدت نتيجة الجدل بين متحولات الواقع، وبين «ثابت تاريخي» مفترض، أو توجهات عقيدية منتمية إلى زمن أسبق فهي عن «لا وعي تاريخي» تريد أن تدير التاريخ إلى الوراء ليقف دائماً عند تلك اللحظة التي أنتجت المتبنّى العقيدي الذي اكتسب مع الزمن قداسته، وتحول إلى ثابت تاريخي «أو نص فوق التاريخي».
النص الذي هو وليد الزمن التاريخي يقلب موازين القيم حين تحول إلى ثابت أيديولوجي ويرى المتحول التاريخي نشوزاً وطارئاً غير طبيعي مصيره الموت والاندثار.
لذلك ينتهي دور المؤرخ بعد طريق طويل من الالتفاتات إلى الحوادث والوقائع والقضايا التاريخية إذا لم تكن ذات أثر قبل نشوء الفضاء المعرفي الذي تولدت عنه.