ثقافة وفن

«كأنو مسرح» خلافات جذرية ومحاكمة علنية بعيداً عن التحيز … لوتس مسعود: مصرون على إنهاء العرض بجرعة من الأمل … ديمة قندلفت: المسرحية لا تقل أهمية عن أي عمل درامي

| وائل العدس – تصوير: طارق السعدوني

يكتسب المسرح أهمية حضارية بوصفه محفزاً على التغيير والإبداع، وخاصة أنه يخاطب شرائح متعددة من الناس، ويلتصق بهمومهم وطموحاتهم، كما يعبّر عن ثقافة تحمل الكثير من الرموز والدلالات والأفكار التي لا تنفصل عن واقع الإنسان.
عبر 15 يوماً تدافعت حشود الجمهور لحضور مسرحية «كأنو مسرح» على خشبة مسرح الحمراء بدمشق في مشهد يشرح نفسه بنفسه، حتى إن الجمهور نفسه طالب القائمين بتمديد العرض عدة أيام أخر، في مشهد يثبت أن المسرح السوري قادر على النهوض ومازال يحافظ على رونقه وأهميته.

دور ريادي

رغم الصعوبات الماثلة أمام عشاق المسرح، إلا أن غسان مسعود ومنذ نشأته الفنية لعب دوراً ريادياً وأساسياً في ديمومة النشاط المسرحي، لكونه أسهم ويسهم بشكل كبير في إيجاد هوية مسرحية متميزة للمسرح، من خلال جهود مضنية بذلها كان دافعه الوحيد شغفه بالمسرح، فقدم خلاصة خبراته ولم يبحث عن أي مكاسب شخصية، بل كان ديدنه حب المسرح والإخلاص له.

قصة العرض
تحدثت المسرحية عن سورية ضمن الأزمة التي تمر بها عبر حالة ترميزية لمخرجة ضمن العرض، تحاول أن تجمع أعضاء فرقتها في عمل مسرحي واحد، برغم كل الاختلافات التي يعيشونها فيما بينهم وعبر آرائهم وأفكارهم.
كما روى العرض حكاية فرقة مسرحية تديرها «ليلى» التي تعيدها ذكرياتها لقصة حب مع عازف بيانو تقطعت بهما السبل لتكون ذاكرة المخرجة في التقاطع مع مشاهد تحضرها مع فرقتها، وصولاً إلى تنويع بين حال الممثلين في الفرقة ولوحات يتدربون عليها لعرضهم القادم لا تلبث أن تتكشف عن نزاعات حادة بين فريق المسرحية.
وتناول العرض خلافات جذرية في الحرب على سورية شهدها العديد من الشرائح والفئات الاجتماعية لتكون بمنزلة محاكمة علنية تطرح أطرافها كشهود على ما آلت إليه الأوضاع وما جرته من خيبات عامة عاشها الإنسان في ظل الحرب بعيداً عن التحيز ومن خلال نقاش اقترح مرافعات كان أسلوب المسرح داخل المسرح حلاً لإظهارها ووضعها.
النص للكاتبة الشابة لوتس مسعود في أول تجاربها الكتابية، وسينوغرافيا وإخراج غسان مسعود، ومساعد مخرج عروة العربي، وتمثيل: ديمة قندلفت، نظلي الرواس، روبين عيسى، محمود نصر، أيمن عبد السلام، لجين إسماعيل، مصطفى المصطفى، غسان عزب، راما عيسى، والطفلة ليا شموط، والموسيقا لطاهر مامللي.
وتحت عنوان «كي لا ننسى الكبار» تم إهداء العرض لكل من صلحي الوادي وفواز الساجر وسعد اللـه ونوس وممدوح عدوان ونعمان جود.

كلمة الوزارة
وفي كلمتها عن العرض، قالت وزارة الثقافة: المسرح أبو الفنون، إنه يحلق عالياً، فيحترق بنور طموحه، ثم يتجدد منبعثاً من رماده، كطائر العنقاء. لذلك، يظل المسرح أمل المستقبل. إن متعة المسرح الخالدة في عصر تكنولوجيا السينما والتلفزيون هي قدرته على مس شغاف القلوب ببساطة، وتحقيق أثر فكري ينحفر عميقاً في الوجدان.
وجاء في الكلمة أيضاً: المسرح مقايضة، فنحن نأخذ من مختلف الثقافات والأذواق لكي نعطي من ثقافتنا وذائقتنا العربية، المسرح بتياره الأساسي ليس متحفاً للتراث، وليس مختبراً للتجارب، وإنما هو توازن بين الحداثة والأصالة، يعيد إنتاج تراث الماضي برؤية وإسقاط معاصرين، ويعالج قضايا الراهن بجرأة غايتها الإصلاح البناء، المسرح تعبير بغرض التأثير، لذا فإنه ينشد في أفضل أحواله تكاملاً بين المبنى والمعنى، في الألفية الثالثة يهب المسرح دفاعاً عن هويته القومية في عصر العولمة، منفتحاً في الوقت نفسه على الثقافات الإنسانية بتسامح مع الآخر، مستلهماً جواهر الإبداع العالمي، فضلاً عن الاحتفاء بالنصوص العربية المتميزة، إن التعددية والتنوع اليوم يجعلان المشهد المسرحي المعاصر لوحة فسيفسائية.
وذكرت الوزارة في كلمتها: المسرح جزيرة للحرية، فهو يتميز عن باقي الفنون بأنه يخوض تحدياً مع كل ولادة جديدة والمسرح رئة الشعوب، تتنفس به وتحيا، فلنؤمن أن العمل في المسرح ليس أخذاً، بل هو عطاء، ولنتذكر أن مستقبل المسرح مرهون بإرادة الشباب، ولنشعل للمسرح أصابعنا شموعاً لدحر قوى الظلام، ولنعش سحر المسرح، لأنه سينعش حياتنا، ويضيء أرواحنا، ليعمر طويلاً في الذاكرة، ويصنع مستقبل الأمة.

الظرف الحالي
وفي كلمتها عن العرض قالت لوتس مسعود: عندما طلب مني أن أكتب كلمة المسرحية شعرت بالقلق والتشتت، فأنا ممن يستمتعون بقراءة الكلمة الخيرة لمخرج أو كاتب العمل الذي أراه مجسداً أمامي ويشكل قطعة من روح صاحبه. باختصار هو حزمة الضوء التي سحرتني منذ أن رأيتها للمرة الأولى تسقط على خشبة المسرح قبل أن أتعلم النطق والكلام، حتى هو تلك الوشوشات والهمسات التي تسبق العرض والتي تختفي تدريجياً مع الإعتام التدريجي في الصالة.
وأضافت: كل تلك السنوات التي قضيتها بين جدران المسرح إما بصفة ابنة المخرج والممثل أو بصفة جمهور لمرات لا يمكن أن أحصيها، ومؤخراً بصفة كاتبة العمل جعلتني أظن أنني كنت أسكن المسرح، ولكن الآن وأنا أكتب هذه الكلمة تيقنت بأن المسرح هو الذي سكنني.
لماذا «كأنو مسرح»، سؤال أجابت عنه كاتبة العرض فأجابت في حديثها لـ«الوطن»: لأن حياتنا بالظرف الحالي تشبه عرضاً مسرحياً لا يكتمل ويصل لنهاية واضحة وصريحة، إضافة إلى التغيرات التي فرضتها الحرب على واقعنا بشكل عبثي، وغير منطقي أحياناً، جعلتنا نشعر وكأننا نعيش في مسرحية، وحياتنا أصبحت كالمسرح بتداخلاتها الغريبة وما تضم من أحداث منطقية وغير منطقية.
وعن سبب موت المخرجة مع نهاية العرض، قالت مسعود: موت المخرجة نتيجة طبيعية لسيطرة انحيازنا الأعمى لآراء سياسية دعت الناس لاستخدام السلاح كأداة لتطرفهم الأعمى من دون أي فرصة لتقبل الآخر وتقبل وجوده ضمن حدود جغرافية واحدة. إذ إن موت «ليلى» هو الحال الذي وصلنا إليه بعد سبع سنوات من خسائر بشرية ومادية ونفسية لا يمكن تعويضها بيوم من الأيام.
مضيفة: كنا مصرين على إنهاء العرض بجرعة من الأمل تجسدت بالطفلة التي ظهرت آخر العرض لتقود البروفات عوضاً عن «ليلى». هذه الطفلة هي سورية جديدة لم تتشوه بالحرب ولم تتأذ من أولادها بعد، بمعنى أنها فرصة جديدة لأولاد البلد للتعايش مع بعضهم البعض على أرض واحدة.
وحول وجود شخصيات ترميزية بشكل مكرر، تحدث بأن الاعتقاد بوجود أفكار جديدة اعتقاد خاطئ لأن الأفكار نفدت منذ زمن، ومهمتنا كعاملين في الفن هو التجديد بطرح هذه الأفكار وتناولها ضمن إطار يناسب الظرف الذي نكتب فيه وعنه.
وأكدت أن كل من يقول إننا نكرر أو نقلد هو شخص غير مطلع على نوع كامل من السينما والمسرح، لأن كثيرين اشتغلوا على مفهوم الترميز ضمن بنية درامية كهذه، وهذا النوع ليس حكراً على أي كاتب أو فنان، وإنما متاح للتصرف بحسب رؤية كل كاتب وأسلوبه الخاص.
وبالنسبة لموضوع التكثيف، أشارت إلى النسخة الأولى من النص كان ينتج عرضاً مدته ثلاث ساعات، ولكن تم حذف كثير من المشاهد والمونولوجات للوصول للمدة الأخيرة للعرض، ولو اختصرنا أكثر لكان النص فقيراً وغير جدير بمناقشة هذه الفكرة الغنية، وخصوصاً أنها تتحدث عن بنية مسرح داخل مسرح وتحمل مشاهد متنوعة من حيث المساحة الكوميدية أو التراجيدية والنقل بينهما الذي لعب دوراً كبيراً بإمتاع المشاهد.

فرصة مواتية
ديمة قندلفت من النجمات القليلات اللواتي لم يقتصرن على نجومية الدراما بعدما قدمت فيها ما يقارب مئة مسلسل عبر 16 عاماً، إذ لم تخضع لشروط الدراما التفلزيونية واستهلاكيتها، فوجدت في «كأنو مسرح» فرصة مواتية لتفجر طاقاتها التعبيرية وتضخ عشقها لفن الخشبة إيماناً منها بقدرة «أبو الفنون» على تقديرها كقيمة فنية لا تضاهى.
في حديثها عن هذا العرض الجماهيري قالت قندلفت لـ«الوطن»: دعيت لأشارك في المسرحية من الأستاذ غسان مسعود باسمه الكبير وبأهمية فكره المسرحي، وخاصة أنه من الناشطين القلائل في المسرح ومن حاملي همّه منذ بداياته الفنية حتى الآن، بل إنه أكثر صنّاع المسرح نجاحاً وصاحب السمعة القوية والطيبة مسرحياً.
وأضافت: انغسمت في التفاصيل لأكون جزءاً من عرض متكامل مفعم بالشغف والحب والاحتراف بعيداً عن التفاصيل المالية والإنتاجية وضغط الوقت.
ورأت أن الممثل يحتاج على خشبة المسرح إلى كل أدواته مجتمعة في مدة عرض مكثفة، بدءاً من ذكائه المهني ومروراً ببديهته ومشاعره وانتهاءً بلياقته وخياله.
وعن سبب كسرها القاعدة بأن يتقوقع النجوم في دائرة الدراما، أجابت: تجربة «كأنو مسرح» لا تقل أهمية عن أي عمل درامي رغم عدم توافر الظروف والشروط المناسبة لنهضة المسرح السوري.
ولم تخف قندلفت استغرابها من المعنيين، مشددة على وجود فجوة بين شغف الجمهور والناشطين في المسرح، وبين القائمين عليه.
وختمت حديثها بالقول: الجمهور قال كلمته بحضوره الكثيف، وقد طالبنا مشكوراً بإعادة العرض في مختلف الأماكن، ما أعطى إشارة للمعنين بضرورة العمل على توسيع رقعة المسرح وانتشاره ليكون حاملاً ثقافياً مكملاً يمكن أن يكون أكثر قدرة على التواصل مع الجمهور، ونقل الرسالة الثقافية من السينما والدراما في سورية وخارجها، من دون الاقتصار على مكون واحد من مكونات الفن السوري.

شخصية جديدة
بدورها فإن روبين عيسى التي انطلقت نجوميتها عبر الخشبة قالت لـ «الوطن»: قرأت النص فشعرت أنه يشبهنا ويلامسنا وتوقيته مناسب، وسررت عندما عرفت أنني سأؤدي شخصية «سلمى» التي أحببتها منذ قرأت النص وكانت فيها مساحة للعب وتقديم شخصية جديدة.
وأكدت أن العرض يعني لي الكثير، لأنه من إخراج اسم كبير ومهم ونجم عالمي وقامة فنية كبيرة، وهو أستاذي في المعهد وله تاريخه الناصع والمعروف، فكان المحفز الأول لي واستمعت معه بالبروفات وبجلسات القراءة وعلى الخشبة، وتعلمت أشياء جديدة وخبرة إضافية مع أشخاص مهمة، وعشت مع شخصية جديدة استمتعت فيها.
وقالت إنها ستفتقد لـ«سلمى» ولكل الشخصيات ولمزاج البروفات والكواليس والعرض وما بعد العرض، وأردفت أن شخصية «سلمى» جديدة ومختلفة عن كل ما قدمته سابقاً على الخشبة، وكانت تحمل خطاً له علاقة بالكوميديا النابعة من قسوة المعاناة.
وأشارت إلى أن «سلمى» تمثل شريحة من النساء التي تتحمل الزوج بتركيبته الغريبة الصعبة، وهو الرجل المزواج، لكن لا حول ولا قوة لها لأن المرأة دائماً هي الحلقة الأضعف وتمتص وتتحمل كل شيء نتيجة المحيط والظرف الاجتماعي.
وكشفت أنها عاشت متعة حقيقية بالعرض خلقت انسجاماً بينها وبين كل كاست العمل، وأنها سعيدة بالنص لأنه قدم شيئاً لامس الناس كان واضحاً من خلال توافدهم بشكل كبير. هذه الحالة عززت إحساس أن الناس تواقة لحضور المسرح والتفاعل معه، وهذا الشيء يفائلنا بالخير ويجعلنا مستمرين.
وختمت حديثها لـ«الوطن» بالقول: أتشكر كل الجهود المبذولة من الأستاذ غسان مسعود وإدارته لنا وإشرافه علينا، ومروراً بأصدقائي الممثلين وطاقتهم الجميلة التي هي أساسات نجاح العرض، وأشكر كل الفنيين وكل من حضر ودعمنا بطاقته الإيجابية التي وصلتنا وشعرنا بها، كما أشكر لوتس وأتمنى لها التوفيق، وخاصة أنها بدأت مشوارها بنص على مستوى عميق ومدروس وننتظر منها المزيد.

مقالات ذات صلة

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock