قضية للنقاش – مقترحات لجنة إصلاح القطاع العام الاقتصادي عامة وبعيدة عن العمل التنفيذي

| د. هشام ونوس

بعد الاطلاع على مقترحات اللجنة الخاصة بدراسة القطاع العام الاقتصادي لإصلاحه وتطويره المشكلة بالقرار رقم785 تاريخ 22/3/2017 التي يرأسها وزير الأشغال العامة والإسكان وضمت في عضويتها وزراء الاقتصاد والمالية والصناعة والتنمية الإدارية والأمين العام في رئاسة مجلس الوزراء ورئيس هيئة تخطيط الدولة، وممثل عن المجلس الاستشاري في رئاسة مجلس الوزراء وآخر عن اتحاد نقابات العمال.. نرى أن المقترحات تتصف بالصيغة العامة لذا تصلح أن تستخدم لدراسة قطاعات أخرى داخلية أو خارجية فجميع الدراسات تتطلب تحليل الواقع، وتوصي بتعزيز الدور والإصلاح وفقاً للتوجهات السياسية والظروف الاجتماعية والاقتصادية والبيئية وبضرورة تعزيز الإنتاجية وزيادة المرونة، وضرورة تحديد برنامج زمني لتصبح المؤسسة تنافسية ورابحة.. الخ، ولكن ما العقبات العامة التي سببت هذه المقترحات والتي أدت لتراجع القطاع العام الاقتصادي؟
هذه المقترحات العامة تطلب تقديمها ثمانية أشهر ليتم إعطاء ستة أشهر للوزارات لتنفيذها من خلال إعداد الدراسة والمقترحات والمصفوفة الزمنية اللازمة لإصلاح المؤسسات والشركات ذات الطابع الاقتصادي المرتبطة بها، وذلك بالتنسيق مع لجنة القرار 785 تاريخ 22/3/2017 وفق معايير وآليات نموذجية تضعها اللجنة!
يشعر القارئ أن واضع المقترحات لجنة بعيدة عن العمل التنفيذي، أما أن تكون اللجنة من أعلى المستويات الوظيفية الاختصاصية التنفيذية تجعلنا نستغرب عمومية الطرح.
هذه المقترحات تحتاج لتنفيذها من اللجان التي ستكلفها الوزارات سنوات إذا استطاعت الحصول على البيانات الإحصائية اللازمة للدراسة والمتوافرة بشكل جد تفصيلي لدى أعضاء اللجنة المقترحة. إضافة للمستوى العلمي والمهني العالي الذي يجب أن تتصف به هذه اللجان فوضع معايير وآليات نموذجية ليس بالأمر العادي.
إن القطاع العام بشكل عام والاقتصادي منه بشكل خاص هو صمام الأمان للطبقات الكبرى في المجتمع السوري وهي الطبقة المتوسطة التي أصبحت شبه منتهية والطبقة الفقيرة التي تزداد كل يوم.
لذا اعتبر نفسي من الذين يشجعون استمرار القطاع العام والحفاظ عليه من خلال حمايته من بعض الإدارات الفاسدة والفاشلة وغير المنتمية لهذا القطاع وإصلاح بيئته القانونية ورفع الوصاية عنه من أطراف مختلفة تسببت بتراكم موظفين لا يتصفون بالمستوى العلمي أو المهني اللازم لعملهم، إضافة لأسباب أخرى غير مباشرة ترتبط بثقافة المجتمع وعاداته سببت جميعها تراجعاً كبيراً بأدائه، ما شجع بعض اللذين يعادون القطاع العام للمطالبة بخصخصته والترويج بأنه قطاع فاشل بالمجمل ومن الصعب أن ينافس القطاع الخاص.
نقترح لإصلاح القطاع العام الاقتصادي ما يلي:
أ – مقترحات عامة: فالقطاع العام بكل أشكاله يعاني مشكلات عامة تؤثر في أدائه ندرج أهمها:
1- الأجور المنخفضة جداً التي تقل عن حد الفقر المعتمد عالمياً وبنسب كبيرة جداً ما يدخل العاملين فيه بالفقر الشديد حيث لا يستطيعون تلبية ربع حاجاتهم الضرورية لاستمرار معيشتهم ما ينعكس سلباً على العمل فيجب رفع الأجور لتتناسب مع العمل والمعيشة معاً.
2- الإدارة: معظم الإدارات لا يتم اختيارها وفقاً لمعايير علمية ومهنية لرفع مستوى القطاع العام وإنما معظمها يتم اختياره وفقاً لأسباب شخصية ما يؤثر في أداء القطاع العام فيجب أن توضع معايير لاختيار الإدارات وأهم هذه المعايير الشهادة العلمية المناسبة والخبرة المهنية والنزاهة والقدرة على اتخاذ القرار.
3- الفساد: السمة شبه العامة بالقطاع العام فلا بد من معالجته بشكل كلي فهو أهم أسباب تراجع عمل المؤسسات فهدر أموالها وشراء مواد اقل من مواصفاتها اللازمة ينعكس على الإنتاج والأسعار ما يسبب تراجعاً بعمل المؤسسة وضعفاً بالمنافسة مع القطاع الخاص.
4- الحوافز والعقوبات: من أهم أسباب تراجع القطاع العام فالعقوبات بمجملها ليست رادعة وفق قانون العاملين الموحد وخاصة في ظل الأجور الضعيفة ما يجعل نتائج العقوبات ليست بذات جدوى، إضافة لبعض المفاهيم السلبية في الثقافة العامة لمجتمعنا التي تعد من أهم العقبات التي تقف بوجه الإدارة في تقويم سلوك العامل المهمل بعمله وبالمقابل الحوافز وخاصة المكافآت التي هي قليلة بشكل عام ويتطلب إقرارها مجموعة من الإجراءات الروتينية التي تفقدها أهميتها والفشل الأكبر هو بتوزيعها فنادراً ما تكون موزعة وفقاً للجهد والعمل أو وفقاً للعامل الشخصي، وإذا رغب المدير في عدم الشخصنة يوزعها بالتساوي على جميع العاملين لديه ما يجعلها محبطة بدلاً من أن تكون مشجعة، فالعامل المنتج النشيط يصاب بالإحباط وقد يتراجع عن نشاطه، أما المهمل فتؤكد له المكافأة عدم الربط مع العمل ما يجعله مثابراً على إهماله الوظيفي.
لذا يجب أن توزع وفقاً لتقييم العاملين السنوي الذي يجب أن يتم وفقاً لمعايير علمية ومهنية تأخذ بالمؤهل والخبرة والالتزام الوظيفي ودقة التنفيذ والفكر الإبداعي الذي يطرح غالباً حلولاً لمشكلات تواجه التنفيذ.
5- التدريب والتأهيل: مهمل بشكل كبير بالقطاع العام ما يؤخر الإهمال أداءه لعدم مواكبة موظفيه للتطورات العلمية والمهنية وهذا يؤثر على الإنتاجية وعلى المنافسة من حيث الجودة والكلفة والسعر والتسويق، ما يتطلب وضع الخطط اللازمة لرفع مستوى الكوادر في القطاع العام بجميع أنواعها الفنية والإدارية والبحثية من خلال دورات داخلية أو خارجية يتم ترشيح الموظفين لها بحيادية كاملة ووفق ما يتطلبه العمل وليس وفقاً للمصالح الخاصة التي تغلب على الترشيح وخاصة الخارجي.
6- قواعد البيانات: مهملة بشكل كبير في القطاع العام وللأسف الإحصاءات بكل أنواعها الإنتاجية، التسويقية، المالية، الإدارية… إلخ وكلها ضرورية جداً لاتخاذ القرارات ولوضع الخطط ولتصحيح الانحرافات ولتوزيع المكافآت، فكلما تمكنت الإدارة من تنظيم بياناتها بشكل علمي وحرصت على تأمين كل البيانات اللازمة لعملها سهل عليها عملها الإداري وأنتج قرارات أكثر دقة وموضوعية وحيادية.
ب– مقترحات خاصة: تواجه القطاع الاقتصادي مشكلات داخلية تختلف من وزارة لأخرى ومن قطاع لقطاع، لذا نقترح لمعالجة هذه المشكلات الداخلية ما يلي: تشكيل لجنة في كل وزارة يتصف أعضاؤها بالمهنية والخبرة والشهادة المناسبة لعمل اللجنة والنزاهة والشجاعة.
1- تقوم اللجنة بدراسة مدى تحقيق المؤسسة للخطط الموضوعة ومدى تنفيذ هذه الخطط (بعد مراجعة الخطط الموضوعة وفقاً لإمكانات المؤسسة الاقتصادية المالية والتقنية والبشرية فكم من الخطط وضعت من دون مستوى المؤسسة لذا تنفذ الخطة 100 بالمئة أو 150بالمئة فيتم مكافأة الإدارة لإنجازاتها وهي بالحقيقة لم يتجاوز التنفيذ 60 بالمئة من إمكانات المؤسسة.
2- تحديد الانحرافات عن الخطة وأسبابها فالجزء غير المنفذ يبلور واقع العمل وخاصة إذا تمت دراسة عدد من السنوات السابقة لتحديد مدى تكرار الصعوبات ذاتها ليتم تحليل هذه الصعوبات وتوصيفها وتحديد أسبابها واقتراح الحلول لمعالجتها وترفع محضرها مباشرة للوزير المختص.
3- يدرس الوزير المختص محضر اللجنة ومقترحاتها فإذا وجد المقترحات مناسبة يتخذ القرارات اللازمة وفقها، فبعض المقترحات يمكن تنفيذها من الوزير مثل عدم كفاية الأموال المخصصة للقطاع أو عدم أهلية الإدارة بالشكل اللازم فيتم تبديلها وقد يحتاج تنفيذها قرارات من جهات أعلى، فيتم رفع مذكرة بذلك لهذه الجهات تتضمن المشكلة واقتراح الحل ما يؤمن استمرار العمل بالشكل المناسب.