الارتحال لطلب العلم في حاضرة العرب دمشق … أين نحن من جامعة الأموي التي كانت منارة العلم الأولى؟

| منير كيال

تحفل مدينة دمشق بالعديد من المشيّدات التاريخية التي كان لها الدور الكثير في الارتحال إليها، من شتى البلاد الإسلامية طلباً للعلم، يوم كانت دمشق منارة للعلم ومحج العلماء والدارسين ومسعاهم المرتجى، بل هدفهم المنشود… لما كانت تقدمه دمشق لهذه المشيّدات، من الأموال الموقوفة التي تغطي نفقات الإقامة والطعام والكساء المجاني لجميع الوافدين إلى دمشق، من الدارسين المقيمين من طلبة العلم فيها بما في ذلك نفقات القائمين على ذلك من الرعاية والمعرفة بشتى الميادين. الأمر الذي جعل الدارسين يعيشون في جو من الاطمئنان والأمان، فلا يشعر أحدهم بالاغتراب.
وكان من هذه الأموال ما رُصد لما يُعرف بمجالس الكوثرية التي تعقد عقب كل صلاة عصر بالمسجد الأموي، وكذلك مجالس الأسباع، التي كانت تعقد إثر صلاة الصبح من كل يوم بالأموي. وهي مجالس كبيرة الشأن. ويحضرها عدد كبير من الملتزمين بحضورها. ويذكر النعيمي بالدارس في أخبار المدارس، أن مجالس الأسباع تتولى قراءة سبع من القرآن الكريم بكل يوم بالمسجد الأموي. وقد بلغ المجالس التي لها الأوقاف الخاصة للإنفاق عليها (24) مجلساً وكان للحاضرين بكل من مجلس الكوثرية والأسباع مرتبات تجري لهم عن كل يوم يحضرونه، حيث يدور عليهم من يسجل أسماء الحضور، وبذلك يقطع عن الذي يغيب عن مجلس الكوثرية أو الأسباع ما يدفع الحاضرين لهذه المجالس.
وكان لكل عمود بالأموي وقف معلوم، فإذا فرغ المجلس السبعي من التلاوة للقرآن الكريم، كان يستند إلى كل عمود من أعمدة المسجد الأموي معلّم يجلس أمامه صبي، يتعلم عنه القرآن الكريم، وكان لكل معلّم ولكل من أولئك الصبيان جراية (أجر) معلومة من الأوقاف، يأخذ منها المعلم أجر ما يقوم به من تعليم الصبية للقرآن الكريم، وما ينفقه على الصبيان بما يُقيم أودهم وكسوتهم.
وبالأموي جماعة من المجاورين المقيمين فيه لا يخرجون منه، فيظلون على الصلاة وقراءة القرآن الكريم والذكر. فلا يفترون عن ذلك. وأهل دمشق يعينونهم بالطعام واللباس.
كما أن بالأموي عدّة زوايا يتخذها الطلبة للنسخ والدرس والانفراد عن الناس. بمعنى أنهم متفرغون لذلك كلياً.
وفي ضوء ما أشرنا إليه، فإن من الممكن القول: إن للجامع الأموي مهام علمية فضلاً عن كونه للصلاة، وقد ساعد على قيام الأموي بهذه المهام اتساعه وكثرة الأوقاف التي رصدت لتلك المهام، وهذا جعل الجامع الأموي يرتقي بهذه المهام إلى المستوى الأكاديمي. وهذا يفسر كثرة أو تزايد عدد مدرسيه، وتنوع حلقات الدرس والتدريس بأرجاء الأموي.
فالأموي معمور بالناس ليل نهار، وبه ما ليس بغيره من المساجد أو الجوامع من الأئمة والقراء، والعديد من الشيوخ الذين يقومون على الإقراء والإفتاء والحديث النبوي. فالأموي آهل على الدوام، وقل أن يخلو طرفة عين من ليل أو نهار من مصل أو معتكف أو مرتل للقرآن الكريم، أو رافع صوته بأذان، أو دارس لكتاب اللـه أو كتاب علم، أو سائل عن دين وباحث بمعتقد، أو مقر بمذهب، أو طالب لحل إشكال من سائل ومسؤول، ومفت ومستفت، أو مستأنس بحديث. فضلاً عن ذلك، فقد وجدت خلف أروقة الأموي مشاهد وزوايا وغرف ملحقة للدارسين.
فالمشاهد على أسماء الخلفاء الراشدين. وهكذا نجد على يمين الخارج من باب النوفرة (جيرون) للأموي يجد مشهد أبي بكر (ر)، وعلى يسار الخارج من هذا الباب مشهد الإمام علي كرّم اللـه وجهه، وبالجهة الغربية مشهد عثمان بن عفان (ر) وعلى يسار الداخل إلى المسجد من باب البريد. وبهذا المشهد كانت تعقد مجالس الأحكام الأربعة، للحكم بالأمور المعضلة وهذا المشهد هو المتخذ في هذه الأيام قاعة استقبال. ويقابل مسجد عثمان (ر) إلى يمين الداخل من باب البريد (المسكية) للأموي كان مشهد عمر بن الخطاب (ر).
وهكذا نجد أن المسجد الأموي كان مفخرة دمشق، ومنطلق إشعاعها الحضاري. وأصبح بالإمكان أن نتساءل أليس من حق الأموي علينا، نحن الذين نعيش في أفيائه. أن نعيد للأموي ألقه الفكري، ودوره العلمي، ونعيده منارة العلم والمعرفة؟! ونقيم به جامعة للعلوم الإسلامية والكونية الإنسانية، وعلوم الطب والعلوم المعاصرة الأخرى.
وليس كثيراً على الأموي جامعة، وبعد… لابد من القول: إن تشييد المدارس والخوانق والزوايا لم يكن قاصراً على الأماكن المجاورة للجامع الأموي وإنما تعدى ذلك إلى أماكن أخرى. وخاصة ما كان بالصالحية من دمشق وحي سوق ساروجا وباب الجابية ونذكر من ذلك:
1- المدرسة الباسطية بالجسر الأبيض. وقد أنشأها القاضي زين الباسط خليل، ناظر الجيوش الإسلامية.
2- المدرسة الأتابكية بالجسر الأبيض، أنشأتها ابنة نور الدين أرسلان بن أتابك صاحب الموصل. وبها قراء يقرؤون القرآن.
3- المدرسة الجهاركسية بالصالحية، وتعود لفخر الدين شركس الصلاحي، وقد بنى بأعلاها مسجداً كبيراً.
4- المدرسة الحاجبية بالصالحية قبلي المدرسة العمرية.
5- المدرسة الإسكافية على نهر يزيد بسفح قاسيون وهي لشرف الدين محمد بن إسكاف.
6- وهناك خانقاه للصوفية في باب الجابية وتعود إلى أسد الدين شيركوه.
7- وأخيراً يمكن أن نذكر المدرسة الشامية البرانية والجوانية وقد أنشأت المدرسة الشامية البرانية ست الشام أخت صلاح الدين الأيوبي. وقد كانت من أكبر المدارس وأكثرها فقهاً، وكان بها مدرسون أجلاء. أما المدرسة الشامية الجوانية، فقد كان لها أوقاف وأراض موقوفة لها بدمشق وريف دمشق وبها مدرسون متفرغون للتدريس فقط.