قضايا وآراء

دافوس في نسخته الثامنة والأربعين

| عبد المنعم علي عيسى

عندما أسس كلاوس شواب مؤتمر دافوس الاقتصادي في عام 1971 لم يكن يعلم أنه يضع حجر الأساس لمشروع سيكون من شأنه أن يلعب دور الدفة في قيادة السفينة الاقتصادية للعالم، لكن متى كان الاقتصاد بعيداً عن السياسة؟
أليست هذه الأخيرة انعكاساً مباشراً لحقائق الأول؟ آنذاك لم يكن حرياً بكلاوس شواب أو غيره من الاقتصاديين أن يتوقع المآل الذي سارت عليه الأمور فمن كان يدري أن الاقتصاد الاشتراكي الذي كان يمثل نصف اقتصاد العالم سوف ينهار ليستبيح الرأسماليون هذا الأخير بوحشية طالت حتى خبز الجياع والفقراء.
لم يكن اختيار الجغرافيا أمراً عبثياً فدافوس المدينة السويسرية الصغيرة ذات المناخ القاسي الذي يهدد بعزلها عن العالم، هي المكان الأنسب لاختبار عولمة هذا الأخير تماماً كما كان لواء اسكندرونة السليب هو المكان الأنسب لنشوء فكرة القومية العربية على يدي ساطع الحصري وزكي الأرسوزي.
جرت العادة أن يرمي الزعماء قناعاتهم وخطابهم السياسي فور توجههم لحضور دافوس، فجمهور هذا الأخير هو جمهور خاص وهو لا يفهم سوى لغة وحيدة هي لغة الأرقام ومن يرد أن يكون نجماً «دافوسياً» فلابد أن تسبقه أرقامه التي حققها على مختلف الصعد أو في أي مجال من المجالات التي تهم البشرية، وعلى امتداد سبعة وأربعين عاماً نجح ذلك المؤتمر في أن يكون المنصة الأهم للدفاع، أو التسويق، عن العولمة الأميركية، إلا أن ما شهدته الدورة الثامنة والأربعون أواخر الشهر الجاري، كان أمراً يشي بغير ذلك تماماً، فقد بدا المتحدثون وكأنهم يريدون القول: إن العولمة قد فقدت بريقها بينما برر المنظرون ذلك الخبو في التوهج انطلاقاً من غياب «العدل» في الاقتصاد العالمي، وكذا خلو العلاقات الاقتصادية من أي نكهة أخلاقية أو إنسانية في استعادة لمثالية «هيغل» وطوباوية «كانت»، وفي الآن ذاته الابتعاد عن مادية «ماركس» وبمعنى آخر الابتعاد عن براغماتية مفرطة بدت مؤخراً أن لا حدود لها، فمن ذا الذي يقنع شركة البرمجيات العملاقة «مايكروسوفت»، بوجوب اتباع سياسات «أخلاقية» فلا تقوم باكتساح الأسواق العالمية مراعاة منها لمنافسين آخرين، لابد من ترك مجالٍ لهم لكي يستطيعوا الاستمرار، ومن ذا الذي يقنع شركة إنتاج الحليب الأهم في العالم «نستله» بعدم سحق صغار المنتجين؟ ثم إن «الأخلاقيات» أو «العدالة» غالباً ما تلعب دوراً معوقاً في عملية التطور والارتقاء للوصول إلى وضع، وسلع، أفضل.
عندما وصل الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى السلطة في واشنطن مطلع العام المنصرم كان هناك رهان كبير على حتمية تصادم العولمة مع شعار «أميركا أولاً»، الذي رفعه هذا الأخير وهو يعني أن الداخل الأميركي أولوية لا تسبقها أولوية أخرى حتى ولو تناقض ذلك مع فكرة العولمة التي ابتكرتها أميركا أصلاً للسيطرة على العالم، إلا أن الرهان يبدو خاسراً أقله حتى الآن وربما كانت «الحمائية» الترامبية صلة وصل ناجحة بين الاثنين أو هي تمنع تناحرهما عبر نزع صواعق الانفجار لكل «قنبلة» على حدة.
علاقة المنطقة بالمؤتمر هي علاقة هامشية وحديثة فشروط دافوس لاندماج دول المنطقة بالاقتصاد العالمي تستدعي أن تقوم هذه الأخيرة بإجراء «تغييرات مؤلمة» وفق التعبير المستخدم من أهل العقد والحل الدافوسيين، وإلى أن تجري تلك التغيرات وقع الاختيار على الأردن كمنبع لوصول إشعاعات دافوس إلى المنطقة، إلا أن ذلك التوجه شهد في الآونة الأخيرة تحولاً نوعياً تجاه من يمكن له أن يعبر أكثر عن «روحية دافوس»، وربما وقع الاختيار النهائي لتلك المهمة على الإمارات العربية المتحدة، فالسعودية التي شاركت عدة سنوات مؤخراً، تبدو عصية على إجراء تلك التغييرات وهي بالكاد تستطيع استصدار قرار يجيز للمرأة قيادة السيارة على أن يكون التطبيق بعد عام على الأقل، أما إزاحة الأردن فهي تشير إلى حالة كسل وظيفية تعيشها التركيبة الأردنية التي جرى اختيارها عندما لم يكن هناك من دولة عربية توافق رسمياً، أقله في المعلن، على انصهار أو تكامل الاقتصاد الإسرائيلي في بحور الاقتصادات العربية، أما اليوم فقد أضحى الأردن مسبوقاً بدرجة كبيرة في هذا المجال حتى بدا أن المتسابقين باتوا يتعاطون مع الأمر وكأنهم يخوضون سباق مئة متر للرجال، والكل يريد أن يحمل لقب «أسرع رجل في الوصول إلى تل أبيب».

مقالات ذات صلة

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock