خربشات على جدار الوطن الحزين…يا وطني الطيب مشكلتك في الفكرة القومية العربية

شمس الدين العجلاني

إن كانت الجدران دفاتر المجانين فسأكتب على جدران الوطن الحزين ولا بد لهذا الحزن أن ينجلي، ولا بد للوطن أن يحفظ خربشات عاشق مجنون.. لم ير مكاناً يتسع لحزنه سوى جدران الوطن..
أكتب على جدران الوطن، تغتالني أخبار الصباح.. تغتالني أخبار المساء.. والحزن يعتصر القلب وأشعر بغصة في حلقي وعلامات الاستفهام تعج في رأسي واليأس يثقل كاهلي والظلم يقلق نومي والدموع تحرقني بدلا من أن تريحني.
وأقرأ في أسفار التاريخ أن سورية فتحت أبوابها للضيف، وردت أعداءها بالسيف، لم يهجرها أهلها، ولم تنقطع أخبارها عبر التاريخ الغابر والحاضر، وبقيت عامرة آهلة بالسكان منذ أن سُكنت أول مرة منذ آلاف السنين قبل الميلاد..
وأرجع البصر إلى دمشق وأدقق في تكوينها فأراها، حارسة العرب والعروبة.. بوابة الدين والدنيا.. مهد الديانات التي انطلق منها بولس الرسول، وتبوأت أعلى القمم عام 661م عندما أعلنت عاصمة العالم الإسلامي.. دمشق المدينة الأميرة التي لا تشبهها المدن.. دمشق المرأة التقية النقية، التي لا تبارح سجادة الصلاة، وتتوضأ بماء العشق والحضارة كل يوم خمس مرات، وتدق ناقوس المحبة في حاراتها وأزقتها.. دمشق التي احتضنت الشيخ الهائم على وجهه ابن عربي وألبسته عباءتها.. دمشق الأميرة الآشورية، البابلية، الفارسية، اليونانية، الرومية، الآرامية، الأموية، العباسية، الفاطمية الجميلة، مدرسة العروبة وسيفها وقلمها..

وأكتب على جدران الوطن الحزين، أن هؤلاء العربان والغربان والأعراب جاؤوا بلادنا في عتمة الليل، لصوصاً، قتلةً، مأجورين، يريدون النيل من أجمل نساء الدنيا، من النقية الطاهرة، يريدون النيل من بلاد الشمس، ومن أسطورة الطائر الفينيق..
أنظمة عربية وجدت على الخريطة السياسية والجغرافية منذ بضع سنوات، يتطاولون على سيدة الحضارة والتاريخ، على بلادنا السورية التي وجدت قبل التاريخ نفسه..
بالأمس القريب كَشَّرَ بعض العرب عن أنيابهم وأظهروا أنهم رحم الإرهاب ومموله وحاضنته، هدفهم نشر الظلام وهدم الدين والحضارات فأشعلوا نار حقدهم في البلاد العربية، إنهم جراثيم لا تعيش إلا في حفر الظلام والوحشية والعبودية لهذا يخشون من دين اللـه وحضارة البشر.

فتحنا أبوابنا لهم
منذ الأزل وبلادنا تفتح قلبها لكل العرب وأسماء العائلات السورية هي أكبر دليل على ذلك، فهنالك عائلة المغربي والطرابلسي والبيروتي والمصري والتونسي، السوداني..
و في العصر الحديث عانى الشعب السوري الألم والأسى والحزن والإرهاب من بعض العرب في وقت كانت فيه سورية تفتح أبوابها لهم جميعاً: احتضنت سورية الفلسطينيين عام 1948، 1967 ولم تزل، كما احتضنت الكويتيين عام 1990، وفتحت أبوابها للبنانيين عام 1996م وعام 2006، وللعراقيين عام 2003م، ولم تطلب سورية يوماً تأشيرة دخول لأي عربي عبر أراضيها، ولم تنصب خيمة واحدة لأي لاجئ بل أدخلت إلى مدارسها وجامعاتها مجاناً كل قادم عربي، وأكثر من ذلك بكثير وأن سورية نصبت عليها من هم من العرب رؤساء للجمهورية وللبرلمان وللحكومة وفي مناصب الدولة كافة.

هل العروبة كذبه كبرى؟
«أنا يا صديقتي متعب بعروبتي، فهل العروبة لعنة وعقاب؟؟ نزار قباني..» يبدو أن العروبة كذبة كبرى انخدعنا بها منذ عشرات ومئات السنين، انخدعنا بها نحن السوريين لأن سورية: «انفردت دائماً بنزوعها نحو التضحية بذاتها القطرية الوطنية، وبتوسع رقعة آلامها وآمالها بحيث تشمل العالم العربي كله.. بمعنى أن النضال الشعبي السوري والفكر السياسي في سورية، انطلقا منذ بدايات القرن العشرين.. متجاوزين الكيان المحلي القطري، ليدخلا في عالم أرحب وأشمل هو العالم العربي كله من المحيط إلى الخليج– عبد الهادي البكار». لقد كان البناء الثقافي والسياسي للمواطن السوري في جميع مستوياته الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية بناء وطنياً قومياً.
هو قدر سورية أن تحمل الهم العربي قبل الهم الوطني: «هكذا خلق اللـه السوريين كل رغيف يخبزونه يقتسمونه مع العرب وكل شجرة يزرعونها تأكل من ثمرها العرب وكل حجر يحملونه على أكتافهم هو لتعمير بيت العرب- نزار قباني. « فهل أخطأت سورية منذ عشرات ومئات السنين وأنها فضلت العروبة وكانت العروبة كذبة كبرى ولعنة ألحقت بنا على حد قول نزار قباني: « العروبة لعنة وعقاب؟».
وبلدي هو البلد الطيب الذي طعن بسكاكين من قبل ما اصطلح على تسميتهم الأشقاء العرب «يا بلدي الطيب يا بلدي.. قتلتك سكاكين الكلمات».

جزاء سنمار
سنمار هو مهندس آرامي وينسب له بناء قصر الخورنق للملك النعمان ملك الحيرة. ويضرب به المثل «جزاء سنمار» حيث إنه بعد انتهائه من بناء القصر قال للملك النعمان إن هنالك آجرة «حجراً صغيراً» لو أزيل لتهدم القصر كله، وأنه لا يعلم مكان هذا الحجر إلا هو، فما كان من الملك النعمان إلا أن ألقى بالمهندس سنمار من أعلى القصر، كي لا يخبر أحداً عن مكان ذلك الحجر.. فكان هذا جزاء سنمار لبنائه القصر العظيم!؟
في يوم ما أطلقت الإذاعة السورية النداء المشهور «هنا القاهرة من دمشق» فحين العدوان الثلاثي على مصر عام 1956م وفي يوم الجمعة 2 تشرين الثاني صدر عن القوات المصرية البلاغ رقم 14 وجاء فيه: «في الساعة الحادية عشرة والنصف صباحاً حدثت غارة جوية على قرية مصرية في أبي زعبل وكذلك على أجهزة إرسال محطة الإذاعة المصرية ما سبّب عطلاً فيها وبعض الخسائر الأخرى التي لم تحدد بعد».
وكان الرئيس المصري آنذاك جمال عبد الناصر يريد إلقاء خطابٍ من فوق منبر الجامع الأزهر، فتوقفت الإذاعة المصرية عن الإرسال، وهنا كانت المفاجأة الكبرى التي صعقت من أراد إسكات صوت قاهرة المعتز فقد انطلقت إذاعة «دمشق» على الفور بالنداء «هنا القاهرة من دمشق» وبثت خطاب الرئيس عبد الناصر. ويقول محمد أمين حماد الرئيس الأسبق للإذاعة المصرية عن ذلك: «وما أن قصفت هوائيات الإذاعة المصرية وأسكتت إرسالها حتى أعلنت إذاعة دمشق نداء «هنا القاهرة»..
ولكن الرئيس المصري السابق محمد مرسي قطع العلاقات مع سورية في حين أبقى على السفير الصهيوني في القاهرة!؟ وقدم الدعم للفضائيات التابعة للمجموعات المسلحة في مصر والتي تمارس القتل والتدمير في بلادنا، ولعب نبيل العربي دوره «الوسخ» في الطبخة الفاسدة القطرية– السعودية تجاه سورية، والأنكى من هذا وذاك ما يطرحه صاحب ومذيع إحدى الفضائيات المصرية توفيق عكاشة بين الفينة والأخرى من هرطقات تتناولها وسائل الإعلام وصفحات التواصل الاجتماعي، فهو يقول بعد الانتهاء من اليمن سيتم التدخل عسكرياً في ليبيا ثم إلى سورية والعراق وجزر الإمارات، ويقول أيضاً: «مصر قادرة على حل المشكلة السورية في يوم واحد إن أرادت.. الرئيس عبد الفتاح السيسي من حقه أن يعلن ضم سورية بكرة الصبح، وتعيين حاكم لسورية وكله بالقانون وأنا ما بهزرش».
مواقف عكاشة المشبوهة تدخل في إطار التحريض على سورية وتحريض الدول العربية على بعضها، بل إن هنالك من يقول إنه على ارتباط مع جهة ما في الكيان الصهيوني، فهو حرض العدو الإسرائيلي على ضربه قطاع غزة وقتل الأبرياء من أشقاء عروبته ورفع حذاءه في وجه أبناء فلسطين بل قدم التحية إلى قادة الصهاينة ووصفهم بالرجال لما اقترفوه في قطاع غزة!؟
لم يكتف توفيق عكاشة بذلك فقد نشر موقع «وورلد نت ديلي» (WND) الأميركي تقريراً لـ«شيريل تشاملي»، تحت عنوان «قناة تلفزيونية مصرية لـ«إسرائيل»: «ثقوا في الرب واضربوا إيران»، استهلته بالقول: «إن المذيع المصري توفيق عكاشة أرسل إشارات دعم قوية لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو».
وقالت «تشاملي»: «أرسلت شخصية تلفزيونية مصرية إلى إسرائيل بعض الإشارات القوية التي تدعم أي تحرك من جانب الدولة اليهودية يمكن أن يؤدي إلى شن هجوم ضد إيران، مخاطباً رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بصراحة: تقدَّم، واضرب.!؟» ولفتت الكاتبة إلى أن عكاشة خاطب نتنياهو بـ«صديقنا العزيز»، وضغط على إسرائيل لتدمير مفاعل بوشهر النووي، قائلا: «ثق في الرب، واقصف»، مضيفاً: «نحن معك، وإذا كنت بحاجة إلى وقود للطائرات، فسنوفره لك».
ومع كل ذلك وفي 2 حزيران من عام 2012م وفي الدوحة قرروا وقف بث القنوات السورية الرسمية وغير الرسمية على قمر نايل سات وعرب سات ولم يحرك الإعلام المصري ساكناً!؟ ولم يتذكروا نداء «هنا القاهرة من دمشق».
وفي يوم 5 تشرين الثاني من عام 1956م تناقلت الإذاعات العربية والأجنبية خبر عمل بطولي قام به ضابط ضد القوات المعتدية على مدينة بورسعيد.. ثم ما لبثت هذه الإذاعات أن ذكرت أن هذا الضابط استشهد أثناء تفجيره للبارجة الفرنسية التي كانت تنوي تهديم مدينة بورسعيد وهذا الضابط يدعى جول جمال من سورية، وما إن سمع أهل مدينة اللاذقية هذا الخبر حتى قامت المدينة عن بكرة أبيها لتقيم احتفالاً غير عادي… فالناس في هياج وفرح وحزن وغبطة… أصوات التكبير من المآذن والجوامع تدعو للصلاة على روح الشهيد.. وأجراس الكنائس تملأ أرجاء المدينة لإقامة الجناز على روحه الطاهرة..
ومصر مرسي لعبت دورها في تجنيد الإرهاب والإرهابيين للقتال في سورية وتشارك الآن في قتل الشعب العربي في اليمن، فهل هي مصر التي نعشق!؟

ولكن
اكتب على جدران الوطن، يا بلدي الطيب يا بلدي الحزين، وأستذكر ما فعله إخوة يوسف بن يعقوب بن إسحق بن إبراهيم غيرة وحسداً منه ولكن اللـه أيده بنصره.
يا وطني الطيب يا وطني، هل أوقعوك في شرك العروبة، وأننا أبناء شعب واحد وثقافة واحدة وأن حرف الضاد يجمعنا!؟ أكتب لربما كان هذا صحيحاً ولكن قبل عصر النفط العربي الذي كشف عورات بعض الأنظمة العربية: و«أن مجدَ الغنيِّ في خصيتيهِ، أميركا تجرّبُ السوطَ فينا، وتشدُّ الكبيرَ من أذنيهِ، وتبيعُ الأعرابَ أفلام فيديو، وتبيعُ الكولا إلى سيبويهِ– نزار قباني».
أصبحنا في زمن نرى بعض العرب يجوعون ويموتون ويُسحقون بأيدٍ عربية وأموال نفطية!؟
فهل صدق القائل: «إن العروبة ما تزال حتى اليوم حالة ثقافية فقط، وأن الأخوة العربية هي المجاملات والتصريحات في المناسبات، لا في المشاعر المستترة، ولا في الممارسات العملية».
أكتب على جدران وطني الحزين، يا وطني الطيب يا وطني، قتلك إخوتك في العروبة، فكانت العروبة كذبتهم الكبرى، يا وطني الطيب مشكلتك أن الفكرة القومية العربية لم تجد تربةً عربيةً ترعاها حَملتها وحدك فكان الحمل ثقيلاً والعبء كبيراً يا وطني الطيب.