إذا الشعب يوماً أراد…

| عبد المنعم علي عيسى

كان لافتاً تعقيب وزارة الخارجية السورية يوم الخميس الماضي على بيان سوتشي عندما أكد على حق الشعب السوري في اختيار نظامه السياسي والاقتصادي الذي يريده، وتلك حالة هي في غاية الأهمية وهي تشير إلى أولوية أن يترك مسار من هذا النوع للتطور الطبيعي بكل حمولاته وأثقاله من دون إحداث أي انقطاع مفاجئ فيه.
بعيداً عن الشرائع والأعراف فقد أكدت شرعة الأمم المتحدة التي قامت على أنقاض وجماجم سبعين مليوناً من البشر هم حصيلة حربين عالميتين مدمرتين ذلك الحق، وهي بذلك كانت تريد نزع فتيل انفجارات يمكن أن تشهدها عملية تطور المجتمعات وكذا الكيانات السياسية التي تجري فيها تلك العملية، فكيف الأمر إذا ما كانت الجغرافيا على درجة قصوى من الأهمية كما هو حال الجغرافيا السورية التي أكدت أزمتها الأخيرة أنها تحاكي أهمية جغرافيا البلقان التي اندلعت منها شرارة تينك الحربين.
لا بد من الاعتراف أن المسار الذي اشتقته الأقطار العربية منذ أن نالت استقلالها في مطلع الخمسينيات من القرن الماضي كان قد أدى بكل منها إلى الانغلاق إلى الداخل مع محاولة التكامل مع قوى ترى فيها داعما أساسيا لوجودها لكن بالتزامن مع تجاهل جاراتها العربيات، وبمرور الوقت أخذت تتبلور خصائص وصفات كانت موجودة لدى كل شعب من الشعوب إلا أنها تعمقت بفعل تكريس الخصوصية والتطور بعيداً عن الكيانات المجاورة بالاعتماد على ما يتوارد عبر حبل المشيمة سابق الذكر، وهو ما أدى من حيث النتيجة إلى كيانات تحوي شعوباً مختلفة كل الاختلاف عن بعضها البعض حتى ليصح تسمية كل منها «أمة» وهو الأمر الذي يفسر طوباوية أو لا واقعية الطروحات الوحدوية بين أي قطرين فكيف الأمر إذا ما كانت هذه الأخيرة تريد لم شمل العرب من بغداد إلى تطوان؟ ويفسر أيضاً عدم قلق القوى الإقليمية والدولية من المشاريع الوحدوية التي كانت تطرح على امتداد عقود الخمسينيات والستينيات والسبعينيات، فهؤلاء كلهم كانوا يدركون «البير وغطاه» كما يقال ولذا فقد كانت نظرتهم إلى تلك المشاريع على أنها لا تعدو أن تكون للاستهلاك المحلي أو لإرضاء الشارع الذي أيقظت نكبة فلسطين فيه شعوراً قومياً عارماً بدا مستعداً للمضي بعيداً في تلاحمه مع باقي العرب الذين قد انفصل عنهم بخطوط وأسلاك شائكة رسمتها اتفاقية سايكس بيكو، وبهذا المقياس كانت جميع المصطلحات التي تعود في منشأها إلى فكرة الوحدة العربية من نوع النظام الإقليمي العربي أو النظام الأمني العربي هي مصطلحات هشة أو واهية ولا تملك مقومات الديمومة والاستمرار هذا إذا كانت قائمة فعلياً في أي يوم من الأيام، وما نريد قوله هنا من هذه السردية السابقة هو أن ما تسوقه السعودية تحديداً حول ضرورة إعادة العراق أو سورية إلى «الحضن العربي» وتصوير الأمر على أن كلاً منهما قد بات يمثل «حصان طروادة» إيرانياً تعمل طهران من خلاله على اقتحام ما تبقى من «القلاع» العربية، هذا التسويق لا أساس له على الإطلاق وهو يخفي وراءه شيئاً واحداً هو فرض نظام سياسي على السوريين يكون مناسبا للنهج والكينونة السعوديين.
ومن هنا فإن التأكيد على حق الشعب السوري في اختيار النظام السياسي الذي يريده هو أمر يتسق مع موجبات التطور الطبيعي وضرورات استمرار التجربة السورية بشكل مستقل تخطئ هنا وتصيب هناك شأنها في ذلك شأن أي تجربة أخرى في هذا العالم، فلكل أمة من الأمم طريقة تناسبها في اختيار نظامها السياسي وطبيعة الحكم القائم فيها وأي محاولة لإجراء انقطاع في هذا المسار ستكون له تداعيات كارثية، وفوق ذلك فإن هذا المسار لن يلبث أن يعاود السير من جديد على السكة التي أخرج عنها بالقوة، ففرنسا الإمبراطورية التي قامت ثورتها في العام 1789 لإسقاط النظام القائم فيها لم تلبث أن عادت إلى نظامها القديم بعد بضع سنوات بوصول نابليون بونابرت إلى السلطة والذي أضحى إمبراطوراً فاق كل أسلافه، وكذا بريطانيا الملكية التي ثار عليها كرومويل العام 1648 لإسقاط ملكها وقام بقطع رأسه كان كمن يقوم بقطع صلة بريطانيا مع تاريخها ولم تلبث هذه الأخيرة أن استعادت نظامها الملكي من جديد، أما ما يخص إسقاط الملكيتين في كل من سورية العام 1920 ومصر العام 1953 فذاك كان أمراً مختلفاً لأن النظام الملكي كان قد فقد مبررات وجوده ولم يعد يستطيع تلبية حاجات التركيبة الاقتصادية والاجتماعية ولذا فقد كان سقوطه حتمياً وهو الواقع نفسه الذي تجد الملكيات العربية اليوم نفسها فيه والراجح أن هذه الأخيرة لن يطول بها الوقت لتشهد المصير نفسه.