دعا لصوغ إستراتيجية تغرس مفهوم الهوية الواحدة … «مداد»: هويتنا الوطنية تواجه تهديدات وتنذر بصراعات غير مثمرة

| الوطن

اعتبر «مركز دمشق للأبحاث والدراسات- مداد» أن الهوية الوطنية السورية تواجه جملة تهديدات منها الانقسامات و«التذرر» إلى هويات ما قبل وطنية. ورأى أن هناك حاجة إلى صوغ إستراتيجية هوياتية تنبثق عنها سياسات مبتكرة تعليمية وإعلامية وثقافية، تغرس مفهوم الهوية الوطنية الواحدة، وليس «الموحدة».
وأصدر «مداد» تقريراً تلقت «الوطن» نسخة منه، حول مؤتمر «الهوية الوطنية: قراءات ومراجعات في ضوء الأزمة السورية»، الذي عقد في 20-21 كانون الثاني الماضي، أشار فيه إلى أن أهم نقاط الاتفاق في المؤتمر، والتي تركزت حول الاعتراف بأهمية طرح موضوع الهوية الوطنية وجعله مادة للتفكير والكتابة والتداول، بصفته متصلاً على نحوٍ مباشرٍ بوجودنا كسوريين، وبمستقبلنا، بحسبان أن الهوية وعي للذات، سواءٌ أكانت فردية أم جمعية، بنفسها وبوجودها.
ورأى التقرير، أن هناك حاجة إلى صياغة تعريف واضح ومحدد الدلالة للهوية الوطنية السورية، يكون جامعاً لكل السوريين الذين ليس فقط يحملون جنسية دولتهم، بل تكون لانتمائهم وولائهم لها أولوية على أي انتماء أو ولاء آخر، ما يسمح بتشكيل نواة صلبة للهوية الوطنية السورية، تكون شاملة وتضمينية، وتغدو نسيجاً ضاماً لكل السوريين بعلامة فارقة، تتعين في حب سورية والفخر بالانتماء لها، والعمل من أجل رفعتها وتقدمها والتضحية من أجل حمايتها والحفاظ عليها.
وأشار التقرير إلى أن الهوية ليست تصوراً منتهياً ومكتملاً، بل هي مفهوم مركّب ومتنوع ومتعدد المكونات والعناصر إثنياً ولغوياً وقومياً وإنسانياً، والمشكلة ليست في التنوع بحد ذاته، بل في كيفيات التعاطي معه وسَوسه، أي بتحويله من مشكلة إلى ميزة.
واعتبر التقرير أن الهوية لا تبنى على الماضي، رغم حضوره فيها، فالهويات الماضوية، وعلى اختلاف تسمياتها، مغلقة ومتصلبة وتجافي حقيقة أن الهوية سيرورة وتكامل وتجدد مستمر لارتباطها بالحياة.
وأشار إلى أن الهوية الوطنية السورية تواجه وبدلالة البعد الكاشف للأزمة، جملة تهديدات تسبب القلق على الهوية وفيها، ومن أبرز تلك التهديدات والمخاطر، تهديد الانقسامات و«التذرر» إلى هويات ما قبل وطنية تقوم على أسس الانقسام العرقي أو اللغوي أو المذهبي أو الطائفي، فهذه الانتماءات التقليدية والأولية تنذر بصراعات غير مثمرة تاريخياً، فالهوية الوطنية تتسع لكل السوريين رغم اختلاف انتماءاتهم.
وخلص المؤتمر بحسب التقرير إلى أن الهوية الوطنية السورية موجودة، وتنامى الوعي فيها في تجربة الثورة السورية الكبرى ومقارعة الاستعمار الفرنسي وتبلورت في العقود اللاحقة، لكن تأخَّر إدراكها بسبب افتقادها إلى «إيديولوجيا وطنية» مرافقة لها، وهذا ما نحتاج إليه الآن على ضوء الأزمة منذ عام 2011.
ورأى أن هناك حاجة إلى صوغ إستراتيجية هوياتية تنبثق عنها سياسات مبتكرة تعليمية وإعلامية وثقافية، تغرس مفهوم الهوية الوطنية الواحدة، وليس «الموحدة» التي لا تلغي التنوع ولا تمأسسه، ولا تمحو الاختلافات وفي الوقت نفسه لا تثيرها، تجعل التعدد منظوراً من دون أن يحتل الواجهة، بحيث يكون مصدراً لحيويتها وغناها وتطورها وليس مصدر تهديد لها.
وأوصى التقرير بالتركيز على ربط الهوية الوطنية بالإنجاز، وبالتوجه نحو المستقبل والمشاركة في رفد الحضارة الإنسانية، واستخلاص القواسم المشتركة معها، وتأكيد قابلية الهوية للاغتناء والتعدد، وتخليصها من طوابع الجمود والانغلاق.
وكذلك أوصى بضرورة تعزيز الثقة بدور الدولة، في كل المحافظات عبر وحدة الإنماء ووحدة المؤسسات، لإنهاء أي موروث لدى السوريين عن التمييز بينهم، ما يعزز الشعور بالهوية الوطنية الجامعة، ويحولها إلى وعي مجتمعي وسياسي وحقوقي، في الوجدان الشعبي والفعل السياسي على السواء. أي تقوية ارتباط المواطنين بالوطن، فإنه كلما ازداد انتفاع المواطن بوطنه، ازداد تعلقه به واستعداده لحمايته والدفاع عنه. ويكون ذلك بتوزيع المشاريع الاستثمارية والمرافق بعدالة لتشمل أرض الوطن كلها وتتيح فرص عمل للجميع.
ودعا إلى مقاربةِ إعادة الإعمار بطريقة بعيدة عن الارتجال والاستعجال، والتأسيس السليم للمفهوم بحيث ينضوي على إعادة النظر في المقاربة الماضية الماضوية لمفهوم الهُويّة الذي لا يستوي ولا يستقيم دون مراجعةٍ جذريّة للمفاهيم التي تأسس عليها وانبنى، تنشدُ هُويّةً حداثويّةً بالعُمقْ، مَحليّةً بحقّ، بعيدةً عن عَصبيّات وعُصابات النُكوص والاستشراق والاستغراب والاستلاب، تُحوِّلُ زلزالنا الوجوديّ مخاضاً خلاّقاً بحجم الطموحات والتضحيات، يُجسِّد ثقافة الانتصار وانتصار الثقافة، وثقافة المُقاومة لا مُقاومة الثقافة.