الفلسطينيون ليسوا عضواً مقرراً!

| عبد المنعم علي عيسى

في السادس والعشرين من الشهر المنصرم عقد المبعوث الأميركي للسلام في المنطقة جيسون غرينبلات اجتماعاً جمعه إلى القناصل الأوروبيين المعتمدين في إسرائيل وقد أصر على أن يجري في القدس تكريساً لتوجهات إدارة ترامب الراهنة، كان الهدف الأول من ذلك الاجتماع هو وضع الأوروبيين في صورة السياسة الأميركية المعتمدة لإنهاء الصراع العربي الإسرائيلي عبر ما سماه بـ«صفقة القرن» التي قال عنها غرينبلات بأنها موضوعة على نار ساخنة، ثم أضاف رداً على سؤال مفاده: ماذا لو رفضها الفلسطينيون؟ أجاب بأن «الفلسطينيين ليسوا طرفاً مقرراً فيها»، والسؤال الأبرز هو إذاً أين موقعهم؟ ثم هل يمكن للولايات المتحدة تحييد ذلك الدور؟
فرض قيام الكيان الإسرائيلي في أيار 1948 صراعات عديدة كما كانت له منعكسات مباشرة وغير مباشرة على مجمل التطورات الجارية على كامل المنطقة، لكن على الرغم من كل تلك التشعبات فإن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي بقي على مدى سبعة عقود «درة الدرر» لتلك الصراعات، ولطالما كانت تلك حقيقة أدركتها جميع القوى الإقليمية والدولية وهي لم تفكر في إمكان تجاوزها أو وضعها في موقع متأخر، فالكل كان يسعى إلى تثقيل وزنه أو تنامي الدور الذي يقوم به عبر التقارب مع الفلسطينيين أو بمعنى أوضح «السيطرة» على القرار السياسي الفلسطيني، وفي حينها كانت هذه العملية الأخيرة هي محور السياسات التي يتبعها اللاعبون وأي محاولات لتجاوزها كانت سرعان ما توسم بأنها غير واقعية أو هي لا تملك فرصة حقيقية في النجاح، لكن ماذا عنى غرينبلات بأن الفلسطينيين ليسوا طرفا في الصفقة التي يعدها هو إلى جانب مستشار الأمن القومي للرئيس الأميركي دونالد ترامب ويشاركهما فيها صهر هذا الأخير غاريد كوشنر والسفير الأميركي في تل أبيب ديفيد فريدمان.
من الواضح أن واشنطن تدرك أن المتغيرات التي طرأت على الصراع العربي الإسرائيلي مؤخراً هي من النوع الجذري أو الجوهري، وفي الذروة منها حدوث تحول كبير في تحديد هوية العدو أقله بالنسبة للعديد من الكيانات التي لم تعد ترى في إسرائيل عدواً لها بل حليفاً في مواجهة عدو آخر جرى تحضير «مانيكان» له ثم جرت عمليات التصميم لكي يأتي الزي مناسبا عليه، الأمر الذي ترى فيه فرصة لا تعوض ويجب استثمارها وخصوصاً أن المناخات السائدة الآن تتيح اللصق على «الحامي» انطلاقاً من النار التي تغمر المنطقة برمتها، ولذا كان الاستثمار لا بد له من أن يحاكي تلك التحولات المهمة وما يمكن أن يشكل حجر عثرة في ذلك المسار هو المشكلة الفلسطينية التي لا بد من حلها إذا ما أريد لذاك المخطط النجاح، إلا أن الحلول المطروحة اليوم لتسوية تلك الأزمة تعمد إلى نسف كل المرجعيات أو المحطات التي شهدها ذلك الصراع، بينما الخيارات عديدة كما ترى واشنطن اليوم بدءاً من تطبيق أقصى الضغوط على القيادة الفلسطينية الراهنة وخصوصاً من الأوروبيين الذين اتخذوا في الآونة الأخيرة مواقف متقدمة تصب في مصلحة الفلسطينيين ما يجب زيادة الثقة بهم أو بالدور الذي يلعبونه تجاه هؤلاء، وقد كان لافتا ما جرى تسريبه عن مسؤول أوروبي قال: إن الأوروبيين قد نصحوا القيادة الفلسطينية بعدم اتخاذ مواقف متشددة تجاه الخطة التي يجري الحديث عنها، لأن الدور الأميركي هنا لا بديل له، ومروراً بإغراء تلك القيادة برشى مالية قيل في سياقها إن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان كان قد تعهد بتقديم عشرة مليارات من الدولارات في حال وافقت تلك القيادة على الانخراط في ما يجري طبخه، ووصولاً إلى التلويح باستبدال القيادة الراهنة بأخرى تكون مهيأة للقبول بما ستفضي إليه تلك الطبخة مسبقاً حتى قبل أن يجري تذوقها.
دون أدنى شك من الواضح أن القيادة الفلسطينية مدركة جيداً لمخاطر الانجرار وراء ما تخطط له واشنطن، كما تدرك أن السيناريو اللاحق لقيام دولة «أبو ديس» سيكون هو إفشالها عبر القول إنها لا تملك ذاتياً مقومات الديمومة والاستمرار، لكن ما لا تدركه أو تحار فيه هو السبل الكفيلة للوقوف بوجه تلك التحديات التي تهدد بنسف كل شيء، فرفض محمود عباس استقبال غرينبلات أو القول إنه سوف يوجه يوم 20 من الشهر الجاري كلمة قد تكون عبر حضوره شخصياً للجلسة التي ستنعقد لهذا الغرض في مجلس الأمن أو عبر السكايب، ومن المفترض أن يعمد عباس فيها إلى التأكيد على الثوابت الفلسطينية وفي الذروة منها القدس، كل ذلك رتوش ليس له أهمية كبيرة في مواجهة الإعصار الرامي إلى نسف كلمة فلسطين تماماً من التداول وقد ظهر ذلك عندما أعلنت واشنطن عن وقف دعمها لوكالة «أونروا» أو وكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين، أو القول إنها لا يمكن أن تستمر إلى ما لا نهاية، ثم أن الأجيال الحالية لا ينطبق عليها تسمية اللاجئين لأنهم ولدوا في مدن جديدة وهم ليسوا لاجئين فيها، لكن القول إن كل ذلك لا يكفي لا يعني بالضرورة وجوب الإعلان عن موت عملية السلام أو إلغاء اتفاق أوسلو 1993، فدون ذلك محاذير كبرى ومخاطر بعضها ظاهر وبعضها ليس كذلك، ولا يمكن لأي جهة، أياً تكن تلك الجهة، أن تقول أو تنصح الفلسطينيين الذهاب نحو مسار من هذا النوع فالظرف عصيب كما لم يكن في يوم من الأيام وإذا ما كان هناك مصلحة حقيقية للفلسطينيين في المضي قدماً نحوه فإن ذلك يجب أن يكون نابعاً من الذات الفلسطينية بمفردها ومن الرؤى التي يتبناها تحديداً المجلس الوطني الفلسطيني، وعلى الرغم من خطورة المرحلة، وكذا التصريحات الأميركية التي تهدد بتهميش الفلسطينيين إلا أن هؤلاء سيبقون وبأيديهم مقاليد الأمور ولا يمكن لأي قوة في الأرض أن تمرر حلولا للصراع من وراء ظهورهم أو فرضها عليهم، والمؤكد هو أن تصريحات غرينبلات لا تعدو أن تكون تطبيقا لأقسى الضغوط على القيادة الفلسطينية، فالقول إن صفقة القرن ستكون عندما تعلن خطه للتطبيق وليست للتفاوض هو تهويل لا يجب التوقف عنده إلا بما يستحق والقائل به هو كمن يقول بإمكان وجود خلايا لا تملك نواة أو نوى ومع ذلك فهي قادرة على الانقسام والنمو.