«المادة الثامنة» تسببت بجمود وتصلب الفكر البعثي … «مداد»: سورية بحاجة إلى سياسة عامة في المجال الثقافي ومجلس أعلى لها

| الوطن

رأى «مركز دمشق للأبحاث والدراسات- مداد» أن سورية تحتاج إلى سياسة عامة في المجال الثقافي، واقترح إنشاء مجلس ثقافي أعلى، يتولى وضعها، لافتاً إلى أن الفكر الثقافي السوري عانى منذ عام 2011 من «مراهقة ثورية»، إلا أنه سرعان ما تَوضَّح أن هؤلاء المثقفين كانوا أقلاماً للإيجار.
وعقد «مداد»، في مقره، أولى الحلقات النقاشية ضمن فعالية «رواق دمشق» لعام 2018 تحت عنوان «بين المثقف والسلطة في سورية: مراجعة استفسارية»، وهي ورقة بحثية أعدها الأستاذ في جامعة دمشق وضاح الخطيب.
ونبّه الخطيب في ورقته إلى ضرورة الحذر من السقوط في «أحادية الخطاب» عند تحديد طبيعة العلاقة المعقدة بين المثقف والسلطة، ذلك باجتناب إضفاء الذات والرؤى الشخصية على حقيقة الموضوع.
وطرح أسئلة من قبيل: ما الذي يمثله المثقف؟ وما الذي يجب أن يمثله؟ وهل يطغى نقاش «أزمة/جدلية/مأزق» العلاقة بين المثقف والسلطة على أزمة أعمق هي علاقة السلطة بالمجتمع؟ أو «أزمة» علاقة المثقف بالمجتمع؟ وختم حديثه بالقول: إنه لا يمكن الاستمرار بالنمط الحالي في العلاقة بين المثقف والسلطة، كما لا يمكن الاستمرار من دون سياسة ثقافية عامة.
بعد ذلك جرت مجموعة من المداخلات والنقاشات، خلصت إلى أن المثقفين اليوم عاجزون، بشكل عام، عن التأثير وإعادة صياغة الوعي الجمعي، نظراً لغياب فضاء فكري مستقر متحرر من قيود السلطة الدينية، ولعدم وجود عقد مواطنة ينظم العلاقة بين المثقف والسلطة.
ورأت أن سورية تحتاج، إلى سياسة عامة في المجال الثقافي، ولفتت إلى أن المثقفين يعمدون أحياناً إلى السلبية والعزوف عن المشاركة في الشأن العام وبناء الفكر والإنسان، نتيجة معارضتهم للسلطة، أو خوفهم من أن يظهروا موالين لها، وهذا ناجم عن خلطهم بين السلطة والوطن أو الدولة.
وأُثيرت في الحلقة النقاشية جُملة نقاط منها أن هناك مثقفين لعبوا أدواراً مدمرة في الأزمة السورية، وانهم قاموا بما قاموا به بالاستناد إلى مرجعيات سياسية ودينية تتناقض مع كل قناعاتهم ونتاجاتهم الفكرية، وأنهم انتفعوا وسايروا وتملقوا السياق السياسي السائد والأكثر حضوراً لانتزاع سلطة يبتغونها.
وأشارت النقاشات إلى أن هناك منظومة غير منسجمة من ثلاث سلطات في بلدنا وفي العالم: سلطة القوة والتفويض وهي سلطة الدولة، سلطة المال والاقتصاد وحواشيه البشرية وسلطة المعرفة وهي سلطة المثقفين.
واقترح المشاركون إنشاء مجلس ثقافي أعلى، يكون أعضاؤه من المثقفين المستقلين، يتولى مسؤولية وضع السياسة الثقافية العامة، وتحديد إستراتيجية واضحة لتفعيل عمل مديريات ومؤسسات وزارة الثقافة، ووضع أجور مثالية للكاتب والمثقف والفنان في كل المجالات.
ولفتوا إلى أن الدولة الوطنية العربية لم تتمكن تاريخياً من الإجابة عن السؤال: كيف نؤسس للسياسة ثقافياً؟ مع العلم أن الهيمنة الثقافية هي ما يعطي الشرعية والمشروعية للسلطة، أي بمقدار ما تستطيع أن تقنع الناس برؤيتك ومشروعك بمقدار ما تستقر سياسياً، معتبرين أن هذه المعادلة في مجتمعاتنا مازالت مختلّة لصالح السياسة دائماً، على حساب الثقافة.
ورأوا أن الريع النفطي العربي أسهم بتخريب الثقافة العربية بشكل عضوي وممنهج وطويل الأمد، واعتبروا أن المثقف العربي تحديداً السوري لا يمارس أدواراً تتناسب مع ما امتلكه من وعي، وأن بناء النخب الثقافية السورية وتعزيز دورها في إنتاج المعرفة والتعبير عن طموحات السوريين والتفكير في المستقبل، له شقان: الأول، يقع على عاتق السلطة؛ وشق آخر، يقع على عاتق المثقفين أنفسهم كنخبة، يجب أن تكون واعية لضرورة تماسكها، ومتعاونة.
وبينوا أن الفكر الثقافي السوري بدا أنه عانى منذ عام 2011 من «مراهقة ثورية»، لكن تَوضَّح أن هؤلاء المثقفين كانوا أقلاماً للإيجار، بقدر ما هم مناوئون عنيفون للسلطة السورية، بقدر ما هم مطواعون لسلطات أخرى.
وأوضحوا، أن أخطر ما أصاب الفكر البعثي «المادة الثامنة» التي أبدت حقيقة العلاقة بين هذا الحزب والسلطة، وقد تسبب هذا الوضع في جمود وتصلب فكر حزب البعث.
وفي الختام، أكد المشاركون على حاجتنا إلى حواضن للتفكير، تشكلها عادة مراكز الأبحاث والدراسات.