قلق في ميونيخ

| عبد المنعم علي عيسى

قلقة هي أوروبا وما تراه بناظريها لا يبدو كافيا للتهدئة من روعها، وذاك أمر وحده لا بد أن يقلق الآخرين فعندما تقلق القارة العجوز يجب على العالم بأسره أن يقلق، إذ لطالما شكلت هذي الأخيرة وعلى مدى عشرة قرون مهدا لكل التحولات التي يشهدها العالم وأساساً لحروبه وسلمه، لكن السؤال هنا هو مم تخاف أوروبا، وما الذي جرى لكي ينتابها ذلك الشعور الطافح بقوة مؤخرا، ثم هل يمثل ذلك حالة دائمة أم إنه حالة عابرة؟
ألقت كل من وزيرتي الدفاع الفرنسية فلورانس باري والألمانية أرسولا فون في افتتاح مؤتمر ميونيخ للأمن يوم الجمعة الماضي خطابا ناريا حمل إلى الواجهة حالة تحول أوروبية غير مسبوقة منذ أن تأسس حلف الناتو في العام 1949، فكلا الخطابين أكد وجوب اعتماد أوروبا على ذاتها من دون أن تضطر إلى اللجوء للحماية الأميركية، هذا الموقف ليس بجديد فقد سبق للمستشارة الألمانية أن قالت في أيار الماضي إن أوروبا لم تعد تستطيع الاعتماد على حلفائها لحمايتها ولذا لا بد من أن تأخذ المبادرة بيديها، إلا أنه لم يكتسب ذلك الزخم الذي بدا عليه في مؤتمر ميونيخ للأمن مؤخرا، وما يزيد الأمر أهمية هو أن القلق صادر عن حالة تماه بين الموقفين الألماني والفرنسي إذ لطالما شكل محور باريس برلين عموداً فقرياً لقوة ونهوض واستقرار القارة البيضاء على مر المراحل.
يرى الأوروبيون أن حالة الانكفاء الأميركية التي بدأت منذ ولاية الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما الثانية العام 2013 ما كان لها أن تحدث لولا وجود مؤشرات مهمة وخطرة في الداخل الأميركي هي التي دعت إلى إطلاق شعار «أميركا أولاً» ولعل أبرزها الأزمة المالية التي تعرضت لها البنوك الأميركية في آب 2008 والمؤكد أن تلك الأزمة لم تنحسر تداعياتها كليا بعد، وكذلك بروز الصين كقوة منافسة قوية، حتى إن الأخيرة بدأت تحث الخطا للوصول إلى المكان الذي ما انفكت واشنطن تتربع عليه على امتداد العقود الثمانية المنصرمة، وأخطر الخطوات هي ذهاب بكين نحو الحفر تحت عرش الدولار لاستبداله بـ«اليوان» الصيني، الأمر الذي اعتبرته واشنطن أنه إعلان حرب حقيقي عليها وهو من شأنه أن يكون نذيرا ينبئ بغروب شمس الإمبراطورية الأميركية، بينما خيارات واشنطن تبدو ضيقة في هذا السياق فالحرب ممنوعة مع الصين كما فعلت فرنسا في العام 2011 عندما قادت حملة عسكرية لغزو ليبيا بدافع إسقاط نظام معمر القذافي الذي كان يسعى إلى صك الدينار الذهبي واستخدامه كبديل للفرنك الفرنسي كما أثبتت رسائل وزيرة الخارجية الأميركية السابقة هيلاري كلينتون، وهي الرسائل المسربة من بريدها الالكتروني في العام قبل الماضي.
في مقلب آخر يرى بعض الأوروبيين أن واشنطن وكأنها باتت مقتنعة بانتهاء صلاحية الأمم المتحدة انطلاقا من أنها لم تعد تمثل التوازنات الدولية، ولذا لا بد من قيام نظام عالمي جديد، ومن الواضح أن تلك المنظمة باتت مستهدفة من الأميركيين وبدرجة قصوى من إدارة الرئيس دونالد ترامب الذي اتخذ قرارا بتخفيض ميزانية التنمية الدولية إلى الثلث قبيل أن يتم عامة الأول كما اقترح تخفيضاً كبيراً في ميزانية العام المقبل، ناهيك عن إيقاف هذا الأخير لتمويل العديد من المنظمات التي تتبع للأمم المتحدة مثل وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين.
إن كل ما سبق إنما يعبر عن حالات افتراق أميركية أوروبية من شأنها أن تؤدي إلى حالات خروج أوروبي من تحت المظلة الأميركية، أما سرعة ذلك الخروج فهي ستكون بطيئة قياسا إلى «مشيمية» العلاقة القائمة بين الطرفين وهذي العلاقة هي التي تسمح إلى الآن باستمرار تماسك النسيجيين الأميركي والأوروبي على الرغم من أن العديد من المصالح تبدو متناقضة وبقضايا جوهرية مثل التهديد النووي الكوري الذي لا ترى فيه أوروبا تهديدا لها بعكس واشنطن، وكذا الموقف من ملفي إيران الساخنين وصولا إلى الترحيب الأميركي بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي والذي ارتأى فيه بعض الأوروبيين دلالة على سوء النيات الأميركية تجاه أوروبا.
القلق الأوروبي هو أمر مشروع لكن يبقى السؤال الأبرز هو هل تستطيع أوروبا إنشاء مظلة دفاعية خاصة بها، خصوصاً في ظل تنامي الخلافات الأوروبية الأوروبية؟