صفقة العار بين مصر والكيان الصهيوني: كامب ديفيد اقتصادي

| فرنسا- فراس عزيز ديب

في العام 1966، وقف الراحل جمال عبد الناصر يسأل الرجعية العربية: كيف يمكن لمن يمتلك قاعدة أميركية أن يحارب من أجل فلسطين؟

لم يخفِ عبد الناصر يومها بديهيةَ أن الحديث عن تحريرِ فلسطين يجب أن يسبقه تحرر من القواعد الأميركية، وبعد أكثر من نصف قرنٍ تحضرنا هذه المقولة، فالقاعدة الأميركية باتت قواعد، والرجعيةُ العربية باتت رجعيات، حتى الإرث القومي لمصر الذي ساهمَ ببنائه عبد الناصر بات مسرحاً ليس للأميركيين فقط بل للإسرائيليين ذات أنفسهم، وببساطة أصبحت «إسرائيل» متداخلةً حتى في حجارة الأهرامات، تقرأ على كلِّ «أبي هولٍ» تعاقب على حكم مصر مزامير مزيفة من الخنوع والانبطاحية، و«إسرائيل» اليوم تتوضأ بمياهِ النيل خمسَ مراتٍ يومياً، ليعلنَ الأزهر الدعوةَ للصلاة على روح مروءة ماتت، والنتيجة أن من تعاقبوا على حكمها يثبتون لنا ما نحاول أن نثبته للآخرين: منذ وفاة عبد الناصر وأنتم تنتظرون عودةَ مصر لدورها، بالله عليكم أما ملَلْتم؟

ربما ما كان للإعلان عن صفقةِ تسويقِ وتسييل الغاز المسروق بين الكيان الصهيوني ومصر ليمرَّ مرور الكرام حتى على الإعلام الذي يسمي نفسه «مقاوماً» لولا أن الحكومة المصرية وحكومة العدو اختارا هذا التوقيت الذي يضج بالأحداث في هذا الشرق الملتهب للإعلان عنها، فتجار الديمقراطية متلهون بتعويم الصور المفبركة عما يسمونها «المجازر في الغوطة»، لدرجةٍ دفعتنا للقول إننا ومنذ معركةِ تحريرِ حلب لم نشهد هذا الضخ من الأكاذيب والأضاليل التي شارك بها الإعلام المصري ذات نفسه، ووصلت تبعاتها إلى جلسات مجلس الأمن الدولي، فمر الإعلان عن الصفقة على خطورتِه مرورَ الكرام، علماً أن أقل ما يقال عن صفقة كهذه بأنها أخطر تنازلاً قدمه المستعربون للكيان الصهيوني على مائدة التطبيع، ليليق بها لقب «كامب ديفيد اقتصادي»، ولعل رئيس حكومة العدو لم يخطئ عندما وصف يوم الإعلان عن الاتفاقية بأنه يوم عيد، فالقضية ليست مرتبطة فقط بقدرة العدو المحاصر على تسويق غازه المسروق بكلفةٍ رخيصة الثمن عبر مصر، أو بحجم الأموال الهائل القادم من هذه الصفقة وصرفها على ما سماه علناً «التعليم والصحة»، وفي الحقيقة سيصرفها على المزيد من القتل والتدمير والاستيطان، لكن الأهم أنه مرتبط بالمأزق السياسي والوجودي الذي تعيشه «إسرائيل»، فكيف ذلك؟

في خطابهِ على منبرِ الأمم المتحدة وإعلانه لمعادلة «أمن المواطن المصري من أمن المواطن الإسرائيلي»، ذهب الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي لما هو أبعدَ من ذلك، من خلال الحديث عن ضرورة تمسك من سماهم «الشعب الإسرائيلي» بقيادته، يومها أعاد العبارةَ مرتين ليشعرنا وكأننا أمام أحد المتحدثين باسم الحملات الانتخابية لبنيامين نتنياهو، وإن كان كل استجداء السيسي لم يجد نفعاً، وحبل المشنقة السياسي تسارع التفافه حول عنق مجرم الحرب والمتهم بقضايا فساد وسرقة، فإن القضية لدى الداخل الصهيوني لم تبد وكأنها مرتبطة فقط بمصير نتنياهو ليصبح ثاني رئيس وزراء على التوالي ينتهي مصيره بالسجن، بل القضية كانت ولا تزال من البديل؟ والمفارقة هنا بسيطة، فعملياً الشخصيات التي تمتلك كاريزما الإجرام التي مثلتها عصابات الهاغانا المؤسسة للكيان الغاصب انتهت، أما الجيل التالي المتمثل بمن ارتكبوا مجازر حرب في لبنان وفلسطين المحتلة فإن نتنياهو يبدو آخر شخصياتها على الساحة السياسية ويمتلكون الشعبية للفوز والتمسك بالحكم، ورحيله سيعني حكماً دخول الكيان مرحلةً جديدةً من الحكام الضعفاء سياسياً وتاريخياً، هذه المفارقة تبدو عادية في الدول التقليدية كفرنسا مثلاً التي تجاوزت مرحلة انتهاء الشخصيات التي لها ثقل سياسي مرتبط بتأسيس الجمهورية الخامسة، من شارل ديغول عام 1958 وصولاً إلى إيمانويل ماكرون، أما «دولة» كالكيان الذي قام أساساً على نبوءة دينية كاذبة فإن قضية كهذه لديها دلالات مرتبط بالعبارة التي تشكل هاجساً للفكر الصهيوني وهي أن «إسرائيل» ستعلو في الأرض مرتين، هذه الفكرة الدينية بشكلٍ عام شكلت هاجساً لهم عندما خسروا حرب لبنان 2006، واليوم برحيل «القيادات ذات الكاريزما»، هذا المقاربة ستجعل التمسك بنتنياهو حاجة، أكثر منه رغبة، وعليه جاء الإعلان عن هذه الصفقة في هذا الوقت من أجل انتشال نتنياهو بأيد مصرية من البئر التي وقع فيها، تحديداً أن صفعة الـ«إف16» لا تزال عالقة في الأذهان، بل هناك من طالبه بالاستقالة بعدها لأنه اعتبر إسقاط السوريين للمقاتلة الإسرائيلية هزيمةً كاملة، والمهزوم يجب أن يتنحى، لكن في الإطار العام كيف استطاع السيسي الالتفاف على هذه الصفقة وخطورتها التطبيعية والظهور بمظهر «خادم مصر» والأمة؟

تبدو القضية هنا بسيطة، تحديداً أن الأساليب التي تتبعها الديكتاتوريات المستعربة تنطلق من نقطة أساسية وهي «استغباء الشعوب» والإمعان في خلق انتصاراتٍ وهميةٍ ترتكز أساساً على معارك تفوقها وهمية،

وفي الحالة المصرية يمكننا التركيز على ثلاث نقاط أساسية:

أولاً: جيش من المنافقين المسمونَ اصطلاحاً إعلاميين لتمرر عبرهم ما تشاء، يخاطبون الشعب باللغة البسيطة التي تُداعب مشاعرهُ، هؤلاء ذاتهم كانوا عروبيين عندما كانت دمشق تستضيف مؤتمرات العروبة، ثم كان منهم من يحلم بحياته المهنية أن يجري لقاء صحفياً مع ابن الرئيس المصري الأسبق جمال مبارك، لينتهي بهم الأمر على أبواب المساجد عند فترة حكم الإخوان المجرمين، واليوم يحدثوننا عن أهمية بناء اقتصاد مصري قوي يساهم بالدفاع عن قضايا الأمة، ولا نعلم عن أي أمةٍ يتحدثون؟

ثانياً: فزاعة الخطر التركي: بحياديةٍ تامة قد نتفهم مثلاً أن يقوم كل من العراق وسورية بالحديث عن الخوف من الطموحات التركية، تحديداً أن الأمر لديهم تعدى حدود الطموحات ليصل إلى حالةِ حربٍ نظراً للحدود المشتركة الطويلة، لكن أن يتم تسويق اتفاقية الغاز المصرية بذريعةِ لجم الطموحات التركية ورغبتها في سرقة غاز المتوسط، حقيقةً فإن هذا التبرير لم تعرفه حتى الآن مراكز الجيوبولوتيك، تحديداً أن المسافة بين الحدود المصرية والتركية تمر عبر أربعِ دولٍ هي فلسطين وسورية ولبنان وقبرص، فهل يريدون إقناعنا أن مصر تريد الدفاع عن ثروات هذه الدول وهي بالنهاية غير قادرة على الدفاع عن جنودها في سيناء إلا بموافقة «إسرائيل»؟

التخويف من الطموحات التركية، بات أشبه بالحدوتة المصرية السمجة، لا يشبهها إلا الحديث عن «خطر الماسونية» على مجتمعاتنا، وإلا فماذا عن الخطر الإسرائيلي؟ هل أنه لم يعد موجوداً بالنسبةِ لهم؟ فليذكِّر بعضكم المتاجرين بفزاعة الطموحات التركية أن هناك دولة عربية الآن في حالةِ حربٍ مباشرة مع الأتراك؛ لا يطلبون منكم دعماً أياً كان نوعه، المطلوب أن تتعاملوا وفقاً لمصالحَ مصر وإعادة العلاقات الدبلوماسية معها، فهل تجرؤون؟

ثالثاً: يبدو أن السيسي يسير بهدوء على خطا رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري الذي ما كان ليخفي أنه يمثل مصالح «آل سعود» في لبنان، بل تعداها لفرضِ معادلةِ «أنا أو الفوضى»، وبمعنى آخر فإن السيسي يريد القول: أنا أو الإخوان وبالتالي الفوضى، قد لا ينتابنا الشك أن أي عمليةٍ انتخابات ديمقراطيةٍ في مصر ستحمل حكماً الإخوان إلى السلطة كما جرى بعد سقوط نظام الرئيس الأسبق حسني مبارك، تحديداً أنه لا طرف ثالثاً قادراً على أن يسحب البساط، بل إننا لم نشاهد ولو تظاهرة على الاتفاقية يقودها من يحملون لقب عروبيين ويتم استضافتهم بمؤتمرات عن العروبة والمقاومة، ما يدفعنا للقول إنهم مقتنعون بما يجري وهم عروبيون فقط بما يضمن لهم الظهور الإعلامي، أو أنهم لا حول لهم ولا قوة، وهو الاحتمال الأقرب للمنطق، ومن ثم فإن ما ستسير عليهِ مصر وتجر المنطقة إليه أسوأ بكثير من قضية تطبيعٍ.

قد يستطيع الإعلام المصري بأصنافه كافة أن يبرر هذهِ الاتفاقيةَ بالطرق التي يراها قادرةً أن تأكل عقول المصريين، لكنه حكماً لا يمكن له أن ينجح في ذلك عندما يريد إقناع الناطقين بالعربية، حتى التحايل الذي لجأت إليه الحكومة المصرية بادعاء أن الصفقة بين القطاع الخاص والكيان الصهيوني مدعاةٌ للسخرية، فذات الحكومة التي اعتقلت حتى الآن أكثر من ثلاثةِ مرشحين للانتخابات الرئاسية بتهمٍ متنوعةٍ، لا يبدو أن هناك ما يمنعها من إلغاءِ الصفقة، لكن عليهم أن يتذكروا جيداً الحكمة التي تقول «النشوة مدتها ثوانٍ والحياة طويلة»، وعليه فإن هذا المد التطبيعي لن يساهم إطلاقاً بعودة مصر إلى دورها بل سيساهم أكثر وأكثر بسحب البساط من تحتها ويجعلها مع مرور الزمن غير قادرةٍ أن تلعب أي دورٍ بما فيه أدوار الوساطة هنا وهناك، فمن يريد لعب دور كهذا، عليهِ أولاً أن يكون واضحاً مع شعبه لكي يفرض وجهات نظره في الإطار الدولي، وماعدا ذلك فإننا سنعود للراحل عبد الناصر ونقول: لا يمكن لمن يحمل مصالح «إسرائيل» في قلبه وعقلهِ، أن يدَّعي الحرصَ على «أشقائه» ودمائهم.