روسيا وتركيا وخفايا العلاقات الدولية

| أنس وهيب الكردي

تشابك العلاقات ما بين روسيا وتركيا يربك ويفاجئ جميع المراقبين الذين يركنون إلى الأبيض أو الأسود في العلاقات الدولية، ولا يلتفتون إلى خفايا التاريخ، السياسة العالمية أو العلاقات الدولية في نسجها لعلاقات دوليتين تواصلت لأكثر من خمسة قرون.
لا ينظر هؤلاء إلى أن الحروب العثمانية الروسية كانت تنتهي بمعاهدة تعكس نتائج المعارك، ومن ثم تعود العلاقات إلى طبيعتها بين الجانبين، على الرغم من المرارة التي كانت تخلفها انتصارات طرف وخسارة الطرف الآخر، ونعم كانت القيصرية الروسية تعتقد أن موسكو وريثة بيزنطة التي أقام العثمانيون دولتهم على أنقاضها، لذلك، سخرت الخطاب الديني ضد السلطنة التي بادلتها بالمثل، لكن أحداً في دوائر صنع القرار بروسيا الحديثة عبر عن مثل هذا التفكير.
بين البلدين مصالح إستراتيجية لطالما حكمت علاقاتهما، لكن مصالح جديدة تبلورت خلال السنوات الماضية من هذا القرن، فلا يمكن للدولتين أن يتجاهلا البحر الأسود بوصفه المصلحة المشتركة الأكثر حيوية فيما بينهما، ولا يمكن لروسيا أن تنسى قط أن تركيا تسيطر على مضائق البوسفور والدردنيل، مفاتيح البيت الروسي كما كانت تردد الإمبراطورة كاترين العظمى، كما لا يمكن لأنقرة تجاهل القوة الروسية الأثقل منها في الميزان.
ثم إن مصالح الدولتين تتقاطعان حول العلاقة مع إيران واستقرار آسيا الوسطى، البلقان والقوقاز، المناطق التي كانت ضمن سيطرة موسكو أو دائرة النفوذ الروسي لسنين بالعشرات خلت، وحيث لتركيا تأثير تفرضه القومية المشتركة، المذهب الواحد، أو الجغرافيا السياسية، ثم أضفى حزب العدالة والتنمية على منظومة العلاقات الروسية التركية بعداً اقتصادياً أرساه بعيد وصوله السلطة عام 2002، فتشكلت مصفوفة اقتصادية مركبة ما بين موسكو وأنقرة، تختلط فيها تجارة النفط والغاز، بالسياحة، بالمشاريع المشتركة لنقل الموارد الهيدروليكية إلى أوروبا، وظهرت قيمة هذه المصالح التجارية للجانبين، بعد قرار روسيا فرض عقوبات على تركيا جراء إسقاطها للقاذفة الروسية «سو 24» فوق أراضي اللاذقية أواخر العام 2015 الماضي، وكذلك نتيجة العقوبات الغربية على روسيا على خلفية الأزمة الأوكرانية منذ عام 2014.
والآن ظهرت مصالح جديدة بين روسيا وتركيا، على الرغم من امتلاكها ثقلاً تاريخياً، مثل استقرار سورية ومنطقة شرق البحر الأبيض المتوسط.
تتضاعف أهمية المصالح المتقاطعة ما بين روسيا وتركيا، من حقيقة أن الأولى ليست هي روسيا القيصرية أو الاتحاد السوفييتي، ولا الثانية هي الدولة العثمانية، وإن تباهت كلتا الدولتين بما ورثتاه من سالفاتها، فعلى مقاييس القوة، تركيا اليوم أضعف من الدولة العثمانية وكذلك الحالة إذا ما جرى المقارنة بين روسيا والاتحاد السوفييتي، وبخلاف الماضي لم تعد روسيا وتركيا دولتين بينهما حدود مشتركة، باستثناء تشاطئهما المشترك للبحر الأسود، إذ تفصل بينهما دول عازلة، تضمنها الولايات المتحدة، بما يقلل من احتكاكهما مباشرةً، أو بطريق غير مباشرة عبر تلك المناطق، وبالتالي يسمح لقادتهما باختيار طريق التعاون البناء.
كلتا الدولتين في مرحلة صعود، وإن كان الصعود في تركيا أشد أهمية وأقوى من ذلك الذي تشهده روسيا، فالأخيرة تعتبر واحدة من أقطاب المنظومة الدولية منذ أكثر من ثلاثمائة عام، أما تركيا فقد كفت عن أن تكون كذلك منذ أوائل القرن السابع عشر، وتحولت إلى رجل أوروبا المريض لقرنين ثم باتت ملحقة بالغرب، تزوده بأكبر حاملة طائرة في العالم لاحتواء الاتحاد السوفييتي، أما اليوم، فتتراكم القوة التركية بقوة وثبات، وهو ما لا يغيب عن ذهن قادة الكرملين، الذين لا يريدون أن تنجر أنقرة إلى مدارات معادية لبلادهم.
المصالح المستقبلية لا تغيب عن فكر المخططين الإستراتيجيين في روسيا أو تركيا، وتحول النظام الدولي وصعود أقطاب جديدة إلى قمة الهرم العالمي، سيجلب الفرص بكل تأكيد لكل منهما لكنه سيعود عليهما بالمخاطر أيضاً.
من الصحيح أن روسيا ستصبح أحد أقطاب النظام الدولي، وبالتالي سيتزايد نفوذها حول العالم، لكنها ستغدو في حينه أكثر هشاشة أمام التهديدات الخارجية لأمنها، وهذه التهديدات تنبع من صعود ألمانيا في أوروبا، والصين في آسيا، وانتشار النزعات القومية والإسلامية، مدعومة من الولايات المتحدة، في دول آسيا الوسطى على الحدود الجنوبية للبلاد وداخل القوقاز الروسي. سيتواصل نمو القوة الروسية، رافعاً حدة القلق في كثير من الدول المجاورة لروسيا مثل أوكرانيا، بولندة، بلغاريا، رومانيا، جورجيا، أما استمرار نمو القوة التركية فسيؤدي إلى تحسن مكانة أنقرة على سلم القوى العالمية، ومع تحول هيكل النظام الدولي إلى متعدد الأقطاب سيزداد هامش المناورة أمام تركيا في سعيها لنشر نفوذها الإقليمي، لكن الصعود التركي سيتسبب في رد فعل توازني من الدول المحيطة بها مثل إيران والعراق وسورية وقبرص واليونان وبلغاريا وأرمينيا ومصر والسعودية، سواء فرادى أو مجتمعة بهدف كبح جماح المد التركي.
سيتحدد هيكل النظام الدولي بتراجع المكانة الأميركية وازدياد نفوذ الصين في المنظومة العالمية، سيكون لهذا الملمح تأثيرات عديدة على الروس والأتراك، وسيؤدي تناقص قدرة واشنطن العالمية إلى اشتعال تنافس دولي على وراثة دورها في المناطق العازلة على حدود روسيا الشاسعة، وسيكون لموسكو وأنقرة عندها مصالح مشتركة أو متقاطعة في تحديد مصير تلك المناطق.
في المقابل، ستضغط الصين، التي لا تزال شريكاً استراتيجياً لروسيا، بمرور الوقت على الإستراتيجية الروسية في آسيا الوسطى، وهي بالفعل تحث الخطا لإحياء طريق الحرير عبر «مشروع حزام واحد وطريق واحد» الرابط بين الشرق الأقصى وأوروبا، والذي يسير في الدول المجاورة لروسيا من دون أن يمر بهذه الأخيرة، ولا تخفي بكين اليوم علاقات الصداقة التي تجمعها بالحكومة الأوكرانية القائمة، والتي تعتبرها موسكو مغتصبة للسلطة، وهذه الصداقة التي جعلت الصين تستثمر في مصانع السلاح الأوكرانية، تذكر روسيا بأن الصين لا يمكن أن تصبح حليفتها على المدى الطويل.
في أي سيناريو يسير وفقاً له المستقبل، سيبقى أمن البحر الأسود واستقراره مصلحة حيوية سواء بالنسبة للروس أو الأتراك، وستظل تركيا، طالما بقيت محتفظة بسيطرتها على مضائق البوسفور والدردنيل، في غاية الأهمية للأمن القومي الروسي، وتدرك موسكو مخاطر استسلام تركيا أمام مطالب الولايات المتحدة الرامية إلى تحويل البحر الأسود إلى بحيرة لحلف شمال الأطلسي «الناتو»، كما أنها تدرك مخاطر أي اتفاق بحري تركي صيني على الأمن الروسي، سواء في الوقت الراهن أو في المستقبل.
هكذا، تتكامل عوامل السياسة العالمية، العلاقات الدولية والتاريخ، لتؤلف معاً لوحة شديدة التعقيد والتشابك للمصالح الروسية التركية، ستتشكل على أساسها العلاقات فيما بين موسكو وأنقرة، وغالباً ما ستكون ودية على الرغم من أنهما ستظلان تدعمان أطرافاً مناوئة لبعضهما البعض، حتى لو كانت داخلية.