باريس تغذّ السير نحو بكاء التماسيح

| عبد المنعم علي عيسى

تذكر الضجة المثارة اليوم حول الغوطة الشرقية بتلك التي أثيرت حول حلب في الشهرين الأخيرين من العام 2016، والأمر لا يخرج عن الطبيعي فالضجة المثارة لا بد لها أن تتناسب مع أهمية الحدث، والمؤكد هو أنه كلما تعالت الأصوات في الخارج دلّ ذلك على وجع حلفائه في الداخل، فمن ذا الذي يصدق بكاء باريس على مدنيي الغوطة وهي التي قصفت أجدادهم بالمدفعية في أيار من عام 1945 بينما عرف بمجزرة البرلمان السوري؟ ومن ذا الذي يصدقها أيضاً بعد ما كشفه بريد وزيرة الخارجية الأميركية السابقة هيلاري كلينتون في أتون معركة انتخابات الرئاسة الأميركية 2016 من أن قيادة فرنسا للناتو في آذار 2011 لإسقاط الدولة والنظام الليبيين كان في خلفيته يعود إلى أن الرئيس الليبي السابق معمر القذافي كان يسعى إلى بناء اقتصاد ليبي وإفريقي مستقل وهو يعتمد على الدينار الذهبي بديلاً للفرنك الفرنسي؟ ولذا فإنه من الممكن القول: إن عشرات الآلاف من المدنيين الليبيين قد سقطوا وتشرد أضعاف أضعافهم كرمى لعيني «الفرنك» الفرنسي، واليوم باريس تتباكى على مدنيي الغوطة.
من يعرف حساسية التوازنات الداخلية والإقليمية والدولية التي انطلقت معركة تحرير الغوطة من براثنها يدرك جيداً ماذا تعني تلك المعركة التي يقاس التقدم فيها بالسنتمرات لا بالأمتار، ونحن هنا نقول ذلك لأن المرصد السوري المعارض كان قد ذكر يوم السبت المنصرم أن الجيش السوري قد سيطر على 10 بالمئة من مساحة الغوطة الشرقية حيث الرقم هنا، إذا ما كان صحيحاً، لا يعبر عن خرائط السيطرة فيها، ومن الواضح أن التصريح أراد القول: إن الميليشيات التي يحاربها الجيش السوري تسيطر على 90 بالمئة وهو قول ليس بصحيح بالتأكيد، ثم على ماذا استند المرصد في تحديد تلك النسبة بهذا الشكل الدقيق وهي تحتاج إلى وسائط وأدوات لا يمتلكها المرصد أو أذرعه في الداخل إلا إذا كانت غرفة القيادة فيه موصولة بشكل مباشر مع الأقمار الصناعية الأميركية التي تستطيع أن تلتقط صوراً يمكن أن تعطي هكذا نتائج؟
ما أبرزته معارك الغوطة مؤخراً يشي بتحولات عديدة شهدها الميدان السوري وهي في مجملها من النوع الناسخ لما قبله، وفي الذروة منها أن الميليشيات التي كانت تحظى بهالات واسعة وهي تبسط سيطرتها على مناطق وجغرافيا معينة تلك الميليشيات فقدت قدرتها على التأثير في الأحداث الجارية اليوم، والشاهد هو أنها استكانت تماماً كوسيلة تم اختيارها للتأقلم مع مسلسل الهزائم التي ما انفكت تتعرض لها، ولذا فقد مضت نحو إنقاذ ما يمكن إنقاذه من دور متلاش بدا مؤخراً أنه ماضٍ نحو المزيد من التلاشي، وهو ما يفسر المواقف التي اعتمدتها فصائل مثل «جيش الإسلام» و «فيلق الرحمن» إبان اندفاعة الجيش السوري نحو تحرير الغوطة، وهي تؤكد أن تلك الفصائل لم تعد ترى أهمية تذكر للفعل العسكري ولذا فقد ذهبت نحو النأي بنفسها عن الحدث طمعاً في حجز دور سياسي يمكن أن يسند لها وبتوجيه خارجي بالتأكيد، والمؤكد أن تلك الرؤية لم تتولد فقط عبر معطيات الميدان وإنما عبر المستجدات التي فرضها القرار 2401 الصادر عن مجلس الأمن في الرابع والعشرين من شباط الماضي، فعلى الرغم من الضجيج المثار حول وقف إطلاق النار ووجوب تطبيقه فإنها تدرك أن القرار سابق الذكر لم يتضمن يوماً أو تاريخاً محدداً يصبح فيه وقف إطلاق النار ساري المفعول، وإنما اكتفى بالقول: إن ذلك يجب أن يكون بأسرع وقت ممكن في سابقة ذات دلالات وهي غير معهودة في القرارات التي تتعاطى مع حالات كهذه.
نجحت موسكو في إنضاج المرتكزات التي تخولها الولوج إلى العالمية والتي كان آخرها ما جاء في خطاب الرئيس الروسي في الأول من آذار والذي لا بد له أن يصبح مفتاحياً أو هو ناظماً للعلاقة التي تربط الغرب بموسكو للمرحلة المقبلة ولا بد له من أن يفعل فعله أيضاً في الجغرافيا المحيطة بالاتحاد الروسي بل يستدعي إعادة لتراصفاتها من جديد على المدى القريب لا البعيد، إلا أنها ظلت مؤمنة بمحورية دور دمشق للوصول إلى ما تريد، ولذا رأينا الدبلوماسية النشطة الداعمة للقوة العسكرية تمارس دوراً مهماً ولا تقل في أهميته عن دور هذي الأخيرة، وهي لم تفوّت فرصة في إبراز روسيا كحليف قوي وموثوق به وبأسلحته، وفي المقلب الآخر كانت تجهد في تلقف الوهن الأميركي وإبرازه في عمق المشهد، وقد كان لافتاً كيف استثمرت حادثة انكسار «الخط الأحمر» الذي رسمه الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما في آب 2012 حول استخدام السلاح الكيميائي في سورية حيث استطاعت كسر ذلك الخط بطريقة لافتة، ونحن هنا لا نعني بالتأكيد أن دمشق قامت باستخدام السلاح الكيميائي في الغوطة في آب من عام 2013 وموسكو هي التي قامت بحمايتها، إلا أن ما أشيع كان يلعب دور «الحقيقة» لواشنطن والغرب ومن لف لفهما في تلك اللحظة، ومن ثم كانت المصداقية الأميركية تقاس بتلك المسطرة عينها، وما جرى هو انكسار أميركي ستتبعه انكسارات وانحسارات أخرى عديدة، والملاحظ هو أن موسكو استطاعت تجيير حتى الأحداث التي كانت تبدو في غير مصلحتها مثل حادثة إسقاط الطائرة الروسية فوق إدلب مطلع شباط الماضي، وكذا حادثة سقوط 200 قتيل روسي بحسب وكالة بلومبيرغ الأميركية بنيران طائرات التحالف في ريف دير الزور منتصف الشهر نفسه، وعلى الرغم من أهمية الحدثين إلا أن ما يلاحظ هو أن كليهما لم يحظ بما يستحقه من اهتمام، فمقتل مئتي مقاتل أياً تكن صفتهم كفيل بخلق أزمة دولية، إلا أن موسكو تعاطت مع الحدث بطريقة لافتة فسعت إلى دفنها بأسرع وقت ممكن ولربما كان ذلك بتوافق مع واشنطن لكن مع وجود اختلاف كبير في دوافع الطرفين لإنجاز ذلك الدفن، ومن المؤكد أن موسكو استطاعت حتى الآن استخدام هذي الحادثة الأخيرة كقشرة موز وضعتها أمام المتزحلق الأميركي المبرمج أصلاً على السير بخط مستقيم وهو لا يستطيع إحداث انعطافة فيه، ومن ثم راحت ترقب المستوى الذي تستقر عليه «فواشة» الوهن الأميركية بعد كل حدث من الأحداث التي كان آخرها يتمثل في ردة الفعل الأميركية على قرار الحزب الشيوعي الصيني 27 شباط الماضي القاضي بإلغاء القرار الذي يحدد ولاية الرئيس الصيني بولايتين اثنتين، والغريب هنا هو غياب ردة فعل سياسية أميركية لتوكل المهمة إلى الأذرع الإعلامية فحسب، وتلك ظاهرة فريدة ومن يرقب السياسات الأميركية يدرك أي تغيير تحمله ردة الفعل سابقة الذكر، فحدث من هذا العيار الثقيل ما كان لواشنطن أن تفوته لانتقاد النظام الشيوعي الصيني وشيطنته، إلا أن ما جرى هو أن الاقتصاد هنا لعب دور الكابح للسياسة بحيث ظهرت واشنطن كنمر جريح يبحث عن مداواة جرحه وبأي طريقة كانت، والشاهد هو أن واشنطن تتجنب استفزاز بكين في هذه الآونة سعياً نحو التقارب معها لأنها تدرك أهمية الدور الصيني إذا ما أرادت حل مشكلة العجز التجاري الموجعة للاقتصاد الأميركي، والخطر في الموضوع هنا هو أن الاقتصاد عندما يكون ضاغطاً على السياسة بدرجة تجعل منها تخرج كلياً عن الإيديولوجية فإن ذلك من شأنه أن يحيل الكيان برمته إلى مؤسسة اقتصادية عملاقة أو أن ذاك الكيان يصبح دولة تتحدد معالمها بدلالة الاقتصاد بالدرجة الأولى كهونغ كونغ مثلاً، وتلك صورة لا تتناسب بالتأكيد مع ظاهرة القطب العالمي الأكبر وهي تصيبها بالكثير من التشويه والأهم هو أن تأثيرها يصبح من النوع التراكمي.
والجدير بالذكر في هذا السياق أيضاً هو أن النجاحات الروسية لم تطل معسكر الخصوم فحسب بل تعدتها إلى معسكر «الحلفاء» المرحليين أيضاً، فقبل أسبوعين ظهر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان كمن يتجرع السم الزعاف وهو يوافق على دخول القوات الرديفة للجيش السوري إلى عفرين بدءاً من العشرين من الشهر الماضي، وهو الأمر الذي يفسر سيل التهديدات التي أخذت تنسال على ألسنة المسؤولين الأتراك وعلى مختلف مستوياتهم، و«سمية» الأمر هنا تتأتى من أن أردوغان نفسه يرى أنه بات مضطراً إلى ممارسة سياسات من شأنها أن تؤدي إلى تثبيت دعائم الدولة السورية بل تعزيز الدور المحوري للنظام على امتداد الجغرافيا السورية وفي سياقي الحرب والسلم على حد سواء.
حرب تحرير الغوطة حدث كبير وهو قد يفوق حدث استعادة حلب إلى حضن الوطن الأم، انطلاقاً من التأثيرات والتداعيات التي ستصيب شتى محاور الأزمة في أعقاب استعادتها إلى حضن الوطن هي الأخرى، وقياساً إلى «اللحظة» السياسية التي يرصدها وسط تشابك إقليمي ودولي بالغ التعقيد لتصبح نقطة انطلاق جديدة ومغايرة.