عن الميكيافيللية «السلمانية»

| عبد المنعم علي عيسى

يوصف كتاب «الأمير» الذي وضعة المفكر والفيلسوف الايطالي نيكولو ميكيافيللي في عام 1512 بأنه الكتاب الذي لا غنى عنه لأي سياسي أو زعيم، انطلاقا من الكم الكبير الذي يحويه من الأفكار التي تغوص عميقاً في النفس البشرية وهي تصلح لكل زمان ومكان بعد إضافة، أو إزالة، بعض الرتوش لها، أو منها، وعلى الرغم من أن الأغلبية الساحقة من الساسة والزعماء تعلن إدانتها لما ورد فيه، إلا أن هؤلاء جميعهم سرعان ما يكتشفون أنهم من المعجبين به بعد تلمس العديد من الحلول التي يحويها للكثير من المآزق والأزمات التي تعترض مسارهم في صعودهم أو استمرارهم في مناصبهم.
من المؤكد أن كل فكر أو رؤية يجب أن تكون له قراءة جديدة تتسق مع مفاهيم العصر الذي تجري فيه، ولذا فإن من الطبيعي أن تكون لكتاب مكيافيللي السابق الذكر العديد من القراءات على مدى القرون الخمسة التي مضت منذ أن وضعه المفكر الايطالي الشهير، إلا أن أخطر القراءات التي يمكن أن تنتج عنها سياسات كارثية هي تلك التي يقرؤها السذج أو حديثو العهد بالسياسة حيث إن مبدأ «الغاية تبرر الوسيلة» يصبح في هذه الحالة مبررا لاستباحة كل شيء والقفز فوق الحواجز والأسقف، وربما كان أشهر مثال على هذي الحالة الأخيرة هو تلك السياسات التي يعتمدها ولي العهد السعودي محمد بن سلمان منذ أن تربع أبيه على عرش مملكته، فعلى الرغم من أن الرياض سبق لها أن مارست فهم الميكيافيللية برؤية قصيرة النظر تمظهرت جليا في مواقفها من رياح «الربيع العربي» وتحديدا من اندلاع الأزمة السورية ربيع عام 2011، وفي هذي الحالة الأخيرة جهدت الرياض إلى الاستعانة بكل أنواع الأسلحة اللازمة لإسقاط النظام القائم في دمشق، بدءاً من تجيير عشرات الفضائيات والآلاف من المشايخ والمفتين الذين كانوا يعمدون إلى بث سموم الطائفية والمذهبية، مرورا بخزائن المال التي استنزفت لأجل تلك المهمة، ووصولا إلى استقدام عشرات الآلاف من المقاتلين المرتزقة الذين كانوا مصرين على الظهور بلباس القرون الوسطى ربما لإثبات أنهم ينتمون إلى غير هذا العصر، أو لتبرير كم الجرائم والفظائع التي ارتكبوها، ويرتكبونها، والتي كنا نظن أنها انقرضت منذ قرون قبل أن نكتشف خطأ ذلك الظن، على الرغم من كل ذلك، ومن أن الأرضية التي تم الاستناد إليها لإنتاج تلك السياسات التي مورست على امتداد سبع سنوات ولا تزال هي الميكيافيللية نفسها، إلا أن تلك السياسات كانت تمتلك حظوظا في النجاح أو تحقيق مكاسب ما، انطلاقا من عاملين اثنين أولهما أنه كان من الممنوع أميركيا، وغربيا، تفجير الداخل السعودي، وثانيهما توافر اللاصق المالي السحري الداخلي القادر على لصق ما لا يمكن لصقه، ومن المعروف أن هذا العامل الأخير له الدور الأهم في استقرار مجتمعات بات المحرك الأساسي لمياهها هو العامل الاقتصادي وخصوصاً بعد تلاشي أو زوال عامل الايديولوجيا والأفكار في أعقاب سقوط الأنظمة الشيوعية العقائدية أواخر الثمانينيات من القرن الماضي.
الآن شكل غياب ذلك العامل اللاصق الأخير حالة جعلت من المكيافيللية المعتمدة تنحو باتجاه أسوأ درجات انحطاطها، حيث لم يعد من الصعب تتبع الآثار المجتمعية التي تركتها القرارات الاقتصادية الصادرة منذ عامين فصاعدا، بدءا من عبء الضرائب ووصولا إلى رفع الدعم عن المحروقات اللذين يؤديان بالضرورة إلى انزياحات مجتمعية ذات طبيعة سلبية إن لم تكن كارثية في بعض الحالات، وعندها يصبح تأثير أو فعل العامل الأول، أي الخارجي، هامشيا أو بلا فاعلية مهما تنوعت أطيافه أو تعددت وسائله، وما يزيد الطين بلة في الحالة «السلمانية» هو أن مروجيها قد اتخذوا قرارات حساسة ذات طبيعة دينية واجتماعية متداخلة، والقرار هنا لم يكن بفعل عوامل ذاتية ولا هو يشكل مطلبا تفرضه عملية التطور، فالأغلبية الساحقة من تلك القرارات تلقى اعتراضا في الشارع السعودي وهو سيكون ذا أثر تراكمي، وإنما بفعل عامل خارجي له أسبابه ودواعيه البعيدة عن احتياجات التركيبة السعودية التي ستكون عرضة لتشققات عديدة.