في مثل هذا اليوم «17 نيسان 1947» كنا هناك

| يوسف جاد الحق

والذكريات صدى السنين الحاكي..
رأيتهن يبكين، أمي وجاراتها، وهن جالسات على المصطبة، أمام دار القابلة الحاجة حليمة، في بلدتنا «يـبنا»، ودفعني فضول فتى يافع إلى سؤال والدتي عن سبب بكائهن، لكنها لم تجبني.
حاولت صرفي عن الموضوع الذي يبكيهن، لتصورها بأنني قاصر عن إدراك ما يجري، ولكنني فهمت بعد لأي، أنهن كنَّ يبكين بسبب قصف الفرنسيين للبرلمان السوري وأماكن أخرى في بلاد الشام، هكذا كانوا يسمونها في تلك الأيام الخالية.
لم يمض وقت طول حتى رأيتهن في المكان نفسه، يبكين أيضًا، فتساءلت عما حدث هذه المرة مما يستدعي البكاء الجماعي هذا! إلى أن علمت بأنهن يبكين الآن فرحاً لجلاء المستعمرين «الفرنساويين» عن سورية، كان ذلك يوم 17 نيسان 1947، أي قبل أن يحل بنا ما اصطلح على تسميته بعام النكبة في أيار 1948.
كنا هناك يومئذٍ، وكانت المشاعر الأخوية المشتركة، العفوية الطبيعية الصادقة بين العرب في كل بلد من بلدانهم، فما يصيب أي بلد منها كأنما يصيب كل بلد عربي آخر، تجمعهم المشاركة الوجدانية، وحدة الماضي والحاضر والمستقبل والمصير والتاريخ المشترك، أما الجغرافيا فكان الأعداء قد مزَّقوها فأقاموا الحدود واصطنعوا السدود كيما يسهل عليهم تقديم أعزّ أجزائها لأصدقائهم اليهود ومن والاهم من أعداء أمتنا المشتركين منذ القديم، ذلك العداء الذي تجلَّى في حروب الفرنجة، وغزواتهم لهذه الديار باسم الصليب كذباً، فهو منهم براء، والسيد المسيح عليه السلام أول من يدينهم على فعالهم نحو الغير.
حسب الناس أن الأوروبيين «العصريين العلمانيين» قد تجاوزوا زمن التعصب الأعمى نحو ديانات الآخرين، والإسلام على وجه الخصوص، كما تجاوزوا نزعة استعمار بلاد الغير، وأنهم اليوم أمسوا موضوعيين حضاريين، ولكن تبين أن هذا التصور لم يكن صحيحاً، فهاهم أحفاد «ريتشارد قلب الأسد»، وورثته فكراً وعنصرية، نراهم لم يخرجوا عن ذلك النهج الذي سار عليه أجدادهم أولئك، ومن منا لا يذكر قولة «الجنرال اللنبي» قائد الجيش البريطاني عند فتحه القدس عام 1917: «الآن انتهت الحروب الصليبية»! وقولة «الجنرال غورو» أمام قبر صلاح الدين الأيوبي: «قم يا صلاح الدين فقد عدنا»! وها هي ذي الأيام تثبت من جديد، أن تلك الحروب لم تنته من وجهة نظرهم وفي مكنوناتهم، بالأمس القريب جداً أعلنها جورج بوش الابن بالفم المليان بأن حربه على العراق عام 2003 غزو صليبي، وأن الإسلام «فاشستي».
يكفي أن نذكر من هؤلاء المستعمرين الحاقدين: بلفور وسايكس ومكماهون وبيكو وتشرشل وصموئيل وإيدن وتاتشر، وأخيراً لا آخراً توني بلير عراب الحرب على القطر العربي الشقيق العراق، ولكي تبلغ المهزلة ذروتها يكافأ بلير على جرائمه الموصوفة بتعيينه مندوباً عن الرباعية الأوروبية، وأين؟! في قدسنا ذاتها إمعاناً في الكيد الغربي والفجور.
لم يدر يومئذٍ في خلد أمي أو جاراتها وهن يبكين، حزناً ثم فرحاً، أن يوماً قريباً آتياً ستصبح فيه سورية وطننا إلى أن يعود إلينا الوطن وستبقى كذلك دائماً، سورية التي عاملت أشقاءها بل أبناء سورية الكبرى من الفلسطينيين مذ وطئت أرضها أقدامهم معاملة مواطنيها، متساوين معهم في سائر الحقوق والواجبات، حتى إن كلمة «لاجئ فلسطيني» المهينة التي عرفوا بها في أكثر من مكان من الوطن العربي، للأسف والأسى، لم تُسمع بحقهم ووصفهم في سورية العربية حقاً وصدقاً، حتى القوانين والمراسيم حين تصدر تؤكد المساواة بين المواطن السوري مردفة بعبارة مألوفة ومعروفة هي «ومن في حكمهم من الفلسطينيين المقيمين في القطر العربي السوري».
في مثل هذا اليوم من عامنا المقبل، عيد الجلاء القادم، ستكون الأجواء قد صفت والعواصف والأنواء قد هدأت، ومخططات الصهيونية العالمية اندحرت وعاد الشيء إلى أصله، وعم ربوع سورية العربية الحبيبة الأمن والسلام، والوفرة والنماء كسابق العهد بها.