الغوطة.. واليوم التالي

| سيلفا رزوق

وفق ما كان متوقعاً لم يمر حدث إنجاز الجيش السوري لملف الغوطة الشرقية، وإسقاط الورقة الأخطر والتي شكلت لسنوات التهديد الأكثر إيلاماً للعاصمة من التداول، لم يمر هذا الإنجاز دون ارتدادات دولية كبرى، كادت تصل إلى تهديد «الأمن والسلم الدوليين» بحسب تصريح الأمين العام للأمم المتحدة نفسه.
إنجاز ملف الغوطة والحديث في تداعياته اتخذ في كثير من الأحيان بعداً عسكرياً في طريقة التعاطي معه، لجهة تمكن المجموعات المسلحة والتي سيطرت على تلك البقعة الجغرافية الهامة لسنوات، من تهديد أمن سكان العاصمة عبر مئات وربما آلاف الصواريخ خلال السنوات الماضية.
تأمين العاصمة السياسية للبلاد من خطر القذائف والإرهاب وربح معركة دامت أكثر من سبع سنوات، هو انجاز كبير لا يختلف عليه أحد، غير أن لهذا الانجاز تبعات على غاية من الحساسية والأهمية لا ينبغي إهمالها أو عدم الالتفات إليها، وإعطاؤها الأهمية التي تستحقها.
الغوطة الشرقية شكلت وعلى مر التاريخ خزان دمشق الغذائي، وهي كانت معقلاً اقتصادياً وصناعياً وحرفياً كبيراً، كذلك شكل موقعها لجهة ربط دمشق بباقي المحافظات شمالاً عنواناً جغرافياً مهماً، ولا ننسى العامل السكاني والتشابك الاجتماعي الكبير بين قرى وبلدات تلك المنطقة مع العاصمة وغيرها من المناطق المحيطة.
بالنظر إلى تلك المقومات والعوامل التي تتمتع بها الغوطة، يمكن فهم خطورة ما كان يخطط له، ومن خلال هذا الفهم يمكننا البحث في كيفية وأسباب الاختراق الذي مكن أصحاب المشاريع الخارجية من الوصول والتحكم بهذه المنطقة الإستراتيجية المهمة.
في البعد الاقتصادي سارعت الحكومة السورية إلى اتخاذ جملة من القرارات الاقتصادية المتسارعة لجهة تخصيص مبالغ مالية أو الحديث عن خطة شاملة للإعمار، دون الكشف حتى اللحظة عن الخطوات العملانية التي ستؤدي إلى البدء في تنفيذ ما جرى إقراره، أو الالتفات إلى أهمية الوقت وسرعة الإنجاز المفترضة، والتي ستعكس «إذا ما افترضنا تطبيق ما جرى الإعلان عنه»، آثاراً إيجابية فورية على الاقتصاد وعلى تخفيض أسعار السلع والمنتجات لاسيما إذا تزامن ذلك مع سياسة نقدية مستقرة تضمن استعادة الليرة السورية لبعض من قوتها.
في البعد الاقتصادي أيضاً تظهر مشكلة إعادة تشغيل المصانع، واستعادة الاستثمارات إلى موطنها الأصلي، ولا يخفى على أحد أعداد وحجم إنتاجية مصانع الغوطة الشرقية والتي شكلت أحد روافد الاقتصاد المهمة لسنوات.
استعادة الغوطة وتحريرها من الإرهاب وطرد الإرهابيين منها، لا يعني بأي شكل من الأشكال أننا بتنا أمام بيئة اجتماعية وسكانية سليمة ومعافاة، والحديث عن الاختراق الذي مكن أعداء البلاد من تنفيذ بعض من مخططاتهم، شكل بعده الاجتماعي عنوانه الأوحد، ما دفع بمقولة «البيئة الحاضنة» إلى أن تكون أحد أبرز العناوين التي تداولها السوريون لفترة ليست بقصيرة.
البعد الاجتماعي إذاً يبقى العامل الأهم على الإطلاق، ولعل التصدي لمشكلة إعادة النازحين لبيوتهم وعلى ضرورتها، تبقى التحدي الأقل أهمية أمام معالجة المشكلات والتداعيات الاجتماعية الخطيرة التي خلفتها سنوات من الحصار الفكري و«الإيديولوجي» الذي مورس على سكان وأبناء هذه المناطق قهرياً.
البدء بالتصدي لهذه المهمة التي تبدو حتى اللحظة في آخر أولويات المعنيين، هو الأهم بالنسبة لجميع السوريين، وهو اليوم الشغل الشاغل في النقاشات السرية والعلنية بالنسبة لهم، وهذا الشرخ والانقسام الفكري الكبير الذي انعكس في بعض جوانبه شرخاً اجتماعياً كبيراً، لابد من البدء بالتعامل معه وعلى جميع المستويات، وصولاً لإعادة بناء جسور الثقة والتواصل الاجتماعي المبنية على أسس حقيقية شفافة غير خداعة.
المنعطف الميداني الكبير الذي حققه الجيش العربي السوري، بحاجة إلى استكماله بمنعطف اجتماعي وثقافي وتربوي وفكري واقتصادي كبير أيضاً، والارتقاء لحجم التضحيات التي قدمها رجال الجيش، يحتاج إلى جهود استثنائية ومستمرة وحقيقية، بعيدة عن المزاودات والقرارات التي لا تزال تتخذ جوانب إعلامية حتى هذه اللحظة.