الطلاب بحاجة إلى التواصل المباشر مع الجمهور … د. غزوان الزركلي لـ«الوطن»: العلاقة بين الأستاذ وتلميذه علاقة قوية ولكن يجب ألا تكون تبعيّة

| سوسن صيداوي

التجربة والعيش في غمرة الأمور وملامستها للحقيقة هي من العناصر التي تُطلق الأشخاص في طريق الاحتراف الواقعي، بعيدا عن الملزمات والدروس والكثير من الأمور التنظيرية، ولأنّ غاية المربي نبيلة ويسعى بها لدفع من يتلقى التعلّم تحت كنفه من طلاب، إلى الاعتراك الحقيقي وصقل ما توّفر لديهم من مخزون فكري ومعرفي، أقام المركز الوطني للفنون البصرية بالتعاون مع المعهد العالي للموسيقى وبإشراف الدكتور غزوان الزركلي، حفلة (بيانو)عزفت فيها الطالبة تالار كعكه جيان عزفا منفردا (صولو) لمدة ساعة كاملة، إضافة إلى ربع ساعة أخير من الحفلة عزفته بمشاركة أستاذها الدكتور غزوان، الأخير الذي يعتبرها طالبة جادة وملتزمة، وإذا تابعت بإصرارها فستحافظ على موهبتها متقدة، بحسب جدول الحفل قدّمت تالار مجموعة من المقطوعات المتنوعة وهي (سكريابين، شومان «الفراشات، بيتهوفن» سوناتا ضوء القمر، باخ، شوبا، بولانك). عزفتها ضمن مقامات متفاوتة ووفق حركات سريعة ومعتدلة ومضطربة. وبحسب المختصين والمتلقين، أجادت العازفة على الرغم من أنّ الحفل هو أول لقاء لها مع الجمهور، وهو أول خطوة في معترك الاحترافية إن صح التعبير. وحول الحفل هناك الكثير من الملاحظات والمشاعر التي أدلى بها كل من المربي وطالبته وإليكم بها.
الغاية استقطاب الجمهور
أشار الموسيقي وعازف البيانو العالمي د. غزوان الزركلي إلى الهدف الأساس من الحفل وضرورته بخلق فرص للطلاب حتى يلتقوا الجمهور، وهو الأمر الأصعب الذي يحتاج إلى الكثير من الشجاعة والجرأة مع المتابعة في التصميم، لأن اللقاء يمثل العتبة التي ينطلق منها المرء نحو طريق طويل، قائلا: «في الحقيقة الطلاب بحاجة إلى التواصل المباشر مع الجمهور، ولأنّ إمكانية هذا الأمر محدودة، لذلك من واجبنا وواجب الأستاذ المربي بأن يخلق فرصا للشباب كي يلتقوا الجمهور من خلال تقديم عروض على خشبة المسرح، وهذا هو الهدف الأساس من الحفلة، فالطالبة تالار كعكه جيان على الرغم من أنها طالبة مجدّة وملتزمة بشكل كبير، فهي طموحة أيضا، هذا إضافة إلى أنها استطاعت أن تطور نفسها خلال مدة زمنية قصيرة، إلا أنّ خبرتها مع الخشبة قليلة، لذلك فإننا من خلال هذا الحفل نعالج هذا الموضوع بالذات».
وعن قدرة العازفة على إيصال إحساسها للجمهور أجاب د. غزوان «مازالت تالار تعمل على هذا الموضوع، لكونها طالبة في السنة الرابعة ولم تتخرج بعد- وستتمكن من إيصال وسائل التعبير بما تشعر أو تحس به خلال العزف، وسيكون هذا بمتابعتها في تمكين مهاراتها لأنه أمر تراكمي وستكتسبه باستمرار العمل على نفسها وعلى عزفها».
هذا وتابع الأستاذ الدكتور من خلال تجاربه مع الطلاب، حديثه حول العلاقة التي تربط الأستاذ بطلبته، مشددا على ضرورة أن تكون العلاقة مبنية على المحبة والعطاء متابعاً «هذا الموضوع مشابه للتربية التي تهدف بالنهاية إلى استقلال من نقوم بتربيته، كي يستقل الشبان أو الشابات في حياتهم المستقبلية، والأمر ذاته ينطبق هنا فيما يتعلق بالموسيقى، فأستاذ البيانو قريب جدا من طالبه، لأن الدرس يكون دائما فردياً، ومن الطبيعي أن تزيد الألفة بينهما حتى تنتقل إلى العائلة. إذا هناك رابط عاطفي بينهم، من المفروض أن يحب المربي طلابه، لأنه إن لم يحبهم فمن الصعب أن ينهض بهم، لأن الموضوع لا يقتصر على معلومات أو دروس أو مَلزمة يقرؤها الطالب في المنزل أو فحص أو امتحانات، بل الموضوع تجربة حياتية وإنسانية وإن اعتبرناها افتراضية، وفي النهاية تكون العلاقة بين الأستاذ وتلميذه علاقة قوية، ولكن هنا يجب أن ينتبه الأستاذ إلى ألا تكون العلاقة بينهما علاقة تبعيّة، لأن التبعيّة ستقل رويداً رويداً، وسيستقل الطالب وخاصا عندما يكون المنهج التدريسي لا يعتمد على التقليد، بل لنقل إن التبعية في العلاقة بين الأستاذ وطلبته هي بغرض التعلّم واكتساب المهارات وأن يكون دائما أمامهما هدف يريدان تحقيقه وهو بتقديم أمر للجمهور، وخاصة أنّ الاثنين بحاجة للجمهور وهو الأخير الذي يكون همنا وغايتنا في النهاية استقطابه».
وفي ختام حديثه عدّد دكتور غزوان بعضا من صفات طالبته العازفة تالار قائلا: «في الوقت الحالي يصعب التنبؤ بمستقبل تالار، ولكن ما أركز عليه أنها طالبة تمتلك الأمور الأساسية، فهي مجدّة وملتزمة ومثابرة، وهذه صفات أساسية وضرورية لصقل الموهبة التي حتى لو كانت موهبة خارقة فلا يمكن أن يعوّل المرء عليها دائما، لأنها يمكن أن تخبو، إذا لم تتوافر العناصر التي ذكرتها، بالعموم أتمنى للطالبة تالار كل التوفيق في مشوارها الذي بدأ وهي تستحق الأفضل ما دامت تسعى إليه».
البيانو منذ الصغر

من جانبها عرّفت العازفة تالار كعكه جيان عن نفسها قائلة: «منذ كنت طفلة بعمر ست سنوات وأنا أعزف البيانو، والمشجع الأول لي هم أهلي وخاصة والدي الذي يعشق البيانو وكان يجلسني على الآلة بقربه وأنا بعمر شهور، انطلاقا من شغفه الكبير بها، ورغم أنه لم يعزف عليها إلا أنه أصر على أن أكون أنا العازفة وأن أحقق حلمه، لهذا تابعت دروسي في العزف في معهد صلحي الوادي وتخرّجت فيه، وأنا في الوقت الحالي على وشك التخرّج في المعهد العالي للموسيقى، وعلى وشك التخرج في كلية الاقتصاد والتجارة».
وحول الحفل وطبيعة آلة البيانو تقول العازفة: «أنا لا أجد أن آلة البيانو آلة نخبوية أو تخص الصالونات، بل أرى أنه عندما يتمكن العازف من تقديم مقطوعات كلاسيكية مسموعة ومتابعة من الجمهور، ستكون بالنهاية الآلة قريبة منهم، بل ستتوسع الشريحة ولن تقتصر على فئة معينة. وبالنسبة للحفل، إنه أول حفل عزف منفرد أقدمه، والشعور الذي أعيشه كان جدّ جميل، كما أتمنى أن أكون قد وفقت ونلت إعجاب الجمهور». وعن تعاملها مع أستاذها دكتور غزوان وانصياعها لملاحظاته تتابع: «بصراحة أن أكون طالبة يدّرسها د. غزوان هو حلم، والذي حصل أن أستاذتي التي تتابع تدريسي منذ الصغر اضُطرت للسفر، وبالمصادفة عاد الأستاذ غزوان وأخذني إلى صفه، بالطبع أستاذ غزوان قدوتي وهو قدوة للكثيرين، وهو قادر على أن يجعلنا نفهم الموسيقى بطريقة مختلفة وأن نحفظها بطريقة مختلفة، والمقطوعات المختارة كانت كلّها صعبة ولكنها مرّت بسلاسة بفضل متابعة الدكتور غزوان لي وفي النهاية الصعب يهون بالتدريبات التي قمنا بها».