ماذا ينتظر واشنطن في المنطقة؟

| بيروت – محمد عبيد

هل من المعقول أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب وإدارته لم يجريا حسابات دقيقة لتداعيات الانسحاب الأحادي من الاتفاق النووي الإيراني؟ وهل الذهاب إلى قطيعة سياسية مباشرة وغير مباشرة مع الحكومة والنظام في إيران يمكن أن يحقق الأهداف التي أرادتها واشنطن من خلال خطوة الانسحاب، وخصوصاً منها ما يتعلق بحلحلة الملفات الإقليمية المتفجرة والعالقة بينهما أو على الأقل تبريدها أو تجميدها بانتظار إنضاج الظروف المؤاتية لإعادة صياغة توازنات جديدة في الإقليم؟
تساؤلات كثيرة فرضها قرار ترامب غير المفاجىء بالخروج منفرداً من اتفاق كان من المفترض أن يوفر للولايات المتحدة الأميركية قنوات تواصل مباشر، وفي الوقت ذاته آليات احتواء لسياسات طهران كما كانت تأمل إدارة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما التي لم يسعفها الزمن الذي كان متبقياً من ولايتها كي تستثمر في الاتفاق المذكور الذي اعتبرته آنذاك إنجازاً تاريخياً يُجَنب المنطقة والعالم حروباً وصراعات، كذلك يساهم في توسيع مساحة الحضور الأميركي بحيث يشمل إيران وحلفاءها، كما أنه يؤدي إلى ترسيخ اعتماد سياسة «القوة الناعمة» في علاقات واشنطن الخارجية كافة.
كل احتمالات الاستثمار هذه بددتها إدارة ترامب بتوقيعه قرار الانسحاب، إضافة إلى تحرير الجانب الإيراني من الأخذ بالحسبان أي اعتبارات في ما يتعلق بالمصالح والتحركات الأميركية والحليفة والتابعة لها في المنطقة وبالأخص في مناطق التوتر الحاد في سورية واليمن وفلسطين والعراق.
على الصعيد السوري تحديداً، تقف واشنطن وحلفاؤها وأتباعها اليوم أمام مأزقين: الأول يتعلق بتنفيذ توجه الرئيس الأميركي النهائي المعلن حول سحب قوات بلاده من المناطق التي تحتلها في منطقة شرق الفرات بأسرع ما يمكن، هذا التوجه الذي مازال يصطدم بمعضلة تأمين البديل القادر على الحفاظ على المساحة الجغرافية التي انتشرت عليها هذا القوات، كذلك رعاية وحماية القوى الكردية التي راهنت على الوعود الأميركية بالبقاء هناك إلى حين تحقيق مشروع «الكانتون الانفصالي».
وعلى الرغم من المساعي الأميركية الضاغطة على العديد من الحلفاء والأصدقاء وفي مقدمهم القيادة المصرية، لإرسال قوات مقاتلة لتعبئة فراغ الانسحاب الأميركي، إلا أنها لم توفق في استدراجها إلى هذا الفخ، فأخذت تبحث في بدائل أقرب ما تكون إلى المستحيل ومنها مثلاً الاستعانة بقوات عراقية أو حتى تركية!
في الحالات كافة، تقف إيران ومعها حلفاؤها في محور المقاومة، موقف المترقب للحظة الانسحاب تلك، والمتحين لفرصة الانقضاض على هذه المنطقة لاستكمال تحريرها من القوى الإرهابية والانفصالية التي كانت ومازالت تتحرك في كنف الحماية الأميركية.
أما المأزق الثاني فيتمثل في المعادلة الجديدة التي أرستها «ليلة الصواريخ» على حدود الجولان المحتل، وهي المعادلة التي وضعت الكيان الإسرائيلي أمام الخيار الصعب نفسه الذي رسخته «معادلة الردع» إثر عدوان تموز عام 2006 على لبنان، وبالتالي إسقاط ورقة إستراتيجية كانت تعول عليها الولايات المتحدة الأميركية في لعبة التجاذب ضد أضلع محور المقاومة الثلاثة: سورية وإيران وحزب اللـه.
كانت تظن واشنطن أن تغطيتها السياسية للاعتداءات الإسرائيلية ضد ما تعتبره قواعد إيرانية أو أخرى تابعة لحزب اللـه في الشريط القريب أو البعيد المحاذي للأراضي السورية المحتلة، أن هذه التغطية ستُمكِنُها من رسم خطوط حمراء تُجبِر من خلالها الجانب الإيراني على الانكفاء عسكرياً وسياسياً إلى خلف هذه الخطوط، وبالتالي ضمان أمن الحليف الإستراتيجي الإسرائيلي وإبقاء يده طليقة في الداخل السوري بما يوفر للأميركي حرية المناورة عندما يحين موعد البحث عن حل سياسي فعلي.
وبعيداً عن البحث في هوية الجهة، إيرانية كانت أم سورية، التي أمطرت المقرات العسكرية واللوجستية في الجولان المحتل بالصواريخ النوعية، فإن الرسالة الأهم التي حملتها تلك الصواريخ هي أن قدرة واشنطن على تأمين الحماية لحلفائها وأتباعها في المنطقة صار أمراً مستحيلاً حتى في ظل وجودها العسكري المباشر في الكثير من مساحة جغرافيا هذه المنطقة، ومن ثم صارت عاصمة كيان العدو في ما يسمى «تل أبيب» مساوية من حيث الاستهداف للرياض، عاصمة العدوان السعودي ضد الشعب اليمني المظلوم.
إن تصادم الأطراف المتقابلة في العالم وفي المنطقة خصوصاً كنتيجة تلقائية لنكث بعضها بالوعود أو خروجها من التفاهمات والاتفاقات الموثقة أممياً، سيؤدي حكماً إلى تداعيات ميدانية في حال عدم احتوائها، كذلك في حال عدم السعي إلى استباق حدوثها، وهو اختبار تخضع له الآن دول الاتحاد الأوروبي بما يتجاوز التمسك بالاتفاق النووي الإيراني ليؤسس لدور أوسع لهذه الدول متحرر من الهيمنة الأميركية عليها.