من دفتر الوطن – انتخابات المستقبل البعيد

| زياد حيدر 

من مثال الانتخابات النيابية في كل من لبنان والعراق، والاهتمام الإعلامي الكبير بها، يجب أن نتذكر أن عدداً كبيراً من القوى الإقليمية والدولية، بينها الصديق وبينها العدو مقتنعة برؤية هذا النموذج في سورية مستقبلا، بما فيه من اختلال مذهبي وإثني وديني.
إحدى معارك سورية الحالية كانت وما زالت مستمرة هي ضد قيام هذا النموذج فيها، واعتماده كتوءم للبنان والعراق ومن ثم العمل على تكريسه خطوة وراء خطوة في شرقنا المتوسط ليرجع هذا الشرق لفوضى التفتت، تحت وطأة الافتراق في العقيدة تحت تأثير رجال الدين وأتباعهم، وتكاثر المشيخات والقبائل وفروعها.
ويخدم هذا النموذج طبعا فكرة قيام دولة يهودية محاطة بمجموعة من الدول المتمأسسة على تقاسم السلطة المذهبية والدينية، والتي يستند بنيانها واستقرارها النسبي على هذا التقاسم. كما يخدم بالطبع قدرات الاستحواذ والنفوذ لدى الدول الإقليمية الساعية دوما للتأثير في سياسة جيرانها، سواء كان ذلك عن بعد أو عبر أدوات داخلية مشاركة في اللعبة السياسية المحلية.
ومصلحة سورية، وأجزم أن مصلحة لبنان، ومصلحة العراق وكل الدول كانت وما زالت في نبذ النموذج الطائفي والتأسيس على أنقاضه أو منع نشوئه أصلا كما في حالتنا.
وفيما يخص سورية، في مخاضها العسكري حالياً والسياسي لاحقاً، فإن عدم تكريس هذه الرؤية وعدم نجاحها لا يكون فقط بقوة السلاح وتطهير المناطق من المتمردين والعملاء واستعادة سيطرة الدولة فقط، لأن هذا دون تجاهل أهميته ليس هو الطريق لهزيمة مشروع فكري ذي طابع إقليمي وتأييد دولي بشكل أساسي، بعد أن صار واقعا بدول الجوار، نتريث في مراقبته، وننتظر نتائجه وكنا فيما سبق أيضاً كما في لبنان نؤثر في سيره ونهاياته.
وبالطبع يمكن الملاحظة أيضاً أن الاهتمام الإعلامي يجعلنا نتعاطى مع الهويات الدينية والمذهبية باعتبارها قيادات مدنية وسياسية، ويدفعنا لتصنيفها بين خصوم سورية وحلفائها وأصدقائها وأعدائها، وهذا مرة أخرى يكرس هذه الهويات فوق الهويات الوطنية الإقليمية وبالطبع القومية الكبرى كما العربية.
كل هذا كيف نواجهه؟ شخصيا لا أعتقد أننا أعددنا شيئاً لمواجهة هذا التوجه المستقبلي لدى محيطنا، وإن كنا فعلنا فلم نر من ذلك شيئاً ملموساً بعد. وبالتأكيد ما جرت عليه أساليب المواجهة منذ أربعين عاماً وحتى الآن لا يجدي ونتائجه كانت واضحة ومخيبة حتى اللحظة.
علينا أن نسال هل تكريس الرأي الواحد والحزب الواحد والمبدأ الإيديولوجي الواحد هو الحل؟ هل هو حائط الصد السياسي والفكري والعقائدي؟
أم إن العكس هو الطريق عبر فتح المجال لتنويع أكبر قدر ممكن من الأفكار ضمن وعاء الوطنية الجامع وبعيداً عن أي هويات دينية أو مذهبية؟
هل ترك منبر واحد يتحدث باللغة ذاتها التي لم يسبق لها أن نجحت أو تطورت هو الحل؟ أم إكثار المنابر التي تواجه النموذج السابق عبر طرح نماذج وأفكار وابتكارات من زوايا مختلفة عديدة؟
ليس هناك دواء سريع لهذا الوباء الذي يتبدى بشكل حريات دينية وصناديق اقتراع مذهبية وليس هنالك طريق معالجة من دون ألم وتضحيات وإعداد متأن وعميق.
لكن البداية هي في أن ندرك أننا أمام هاوية أولاً.. وأن نتخلى عن الوهم بأننا محصنون فذلك يعني أننا لم نتعلم شيئاً من سنوات الألم السابقة.