دوستويفسكي: «الأبله» مئة وخمسون عاماً على صدورها … الروائي الذي استطاع أن يدخل إلى تفاصيل الحياة النفسية والإنسانية في أبطاله ومجتمعه

| مها محفوض محمد

يسجل العام 2018 مرور قرن ونصف القرن على نشر رواية «الأبله» التي جسدت قدرة فيدور دوستويفسكي على الغور في مكنونات النفس البشرية وفهمها بشكل عميق ورغبته الملحة في معالجة قضايا كبرى حيث قدم تحليلات مهمة للحالة الاجتماعية والسياسية.
يمكن لكثير من الأشخاص أن يسألوا أنفسهم ما إذا كانوا أناساً طيبين أم سيئين؟
لماذا لا أكون إنساناً مكتملاً كائناً محباً طيباً يساعد الناس جميعاً لغاية نزيهة؟ هل يمكن أن نسأل أنفسنا عن ذلك في زمن الشبهات هذا؟ لكن لا عليكم فكما يبين دوستويفسكي في «الأبله» ليس من الجيد دائماً أن تكون شخصاً مثالياً.

لتحقيق السعادة
بطل الرواية الأمير «ليف ميشكين» هو رجل مثالي حيث أراد دوستويفسكي أن يقدم رجلاً مكتمل الصفات يتعاطف مع جميع الناس قادراً على فهم كل شخص وسط أجواء الشر والعالم المليء بالقذارة، مشيراً إلى مشكين بـ«الأمير المسيح» حيث يراه مفعماً بالحب والغفران على حين أن جميع الناس من حوله يرون في ميشكين بأنه شخص أحمق «أبله» (قضى عدة سنوات في مشفى الأمراض العقلية) وإرادته الطيبة نادراً ما تثمر فهو يحاول تحقيق السعادة لأصدقائه وأعدائه وسط شرور المجتمع، جميع الشخصيات في الرواية باستثناء ميشكين يلازمهم الهوس إلى حد ما مثل أناستازيا فيليبوفنا المرأة التي عانت في طفولتها وينظر إليها كخسيسة من دون قيم، أو هيبوليت ذي الثمانية عشر عاماً الذي يموت بالسل ويحاول الانتحار كي يبقى سيد مصيره، وكعادته يبرز الكاتب الجانب العميق والباطني لشخصياته «كل الوجوه لامعة مضاءة جعلها تبرز بطريقة غير عادية تحث القارئ على رؤيتها بصورة أعمق»، هذا ما قاله الكاتب الروسي أبولون مايكوف عن الرواية وأنها تجربة نادرة وأن دوستويفسكي غيّر حبكة الرواية بعد أن كان مشروعه يدور حول صبي مشرد ينتهي به المطاف أن يهتدي إلى اللـه لكن وخلال العمل غيّر الكاتب رأيه وخصص الرواية عن التساؤل ما إذا كانت المثالية المسيحية المتجسدة في ميشكين هي ذاتها يريدها أن تتجسد في العالم المعاصر.
الحقيقة وضدها

لقد أراد الكاتب أن يقارب الحقيقة قدر المستطاع وهكذا كتب من دون نهاية محددة وعرض حالات يوصّف فيها استجابة أبطال الرواية كل بحسب طبيعته في مشروع أدبي طموح جداً وفيه الكثير من المخاطر، ففي رسالة وجهها دوستويفسكي إلى أحد أصدقائه يقول: « كان رأسي يجيش غلياناً أثناء كتابتها لكن روعة العمل جعلت من الصعب علي التخلص منه».
لقد كانت الحياة تملي على الكاتب مايجب أن يكتبه وإذا أراد القارىء أن يتعرف إلى روسيا في القرن التاسع عشر فإن رواية «الأبله» هي مرجع مهم شخصياته كانت تقرأ المقالات ذاتها التي يقرؤها معاصروه، وحيث كتبها خارج البلاد أراد دوستويفسكي أن يكون للرواية علاقة مع الأحداث الجارية لتؤدي غرضها ووصفه في أحد فصولها اللحظات الأخيرة لشخص حكم عليه بالإعدام تعد من أهم الوصوف المثيرة للاهتمام في الأدب ذلك لأنها لم تكن مبتكرة إذ إن دوستويفسكي ذاته من حكم عليه بالإعدام عام 1849 لانتمائه إلى حلقة ثورية وقبل دقائق من تنفيذ الحكم قيل له بأن القيصر استبدل حكم الإعدام بالأشغال الشاقة إلا أن التجربة الرهيبة التي انتظر فيها الكاتب موته خلال أيام هزته إلى الأبد.

تصوير الحياة وجريمتها
الرواية الأخرى التي كان لها أيضاً أثر هائل على الأدب والثقافة العالمية روايته «الجريمة والعقاب» والتي سجل العام 2016 مرور مئة وخمسين عاماً على صدورها ولا تزال اليوم تشكل حالة بحث فلسفي وإبداع.
الروائي والشاعر الألماني هيرمان هسه اعتبر أن الكاتب الروسي الكبير نجح وبأمانة في «الجريمة والعقاب» في وصف حقبة كاملة من التاريخ العالمي، أما الفيلسوف الفرنسي البير كامو فقد أقر بأن روايات دوستويفسكي هزته من الأعماق ووجهت إبداعه الأدبي إلى حد بعيد وقد كان لهذه الرواية تأثيرها على عالم المسارح الأوروبية كما نقلت إلى الشاشة عشرات المرات وفي العام 2016 تم إخراج مسرحية موسيقية لها في موسكو في حين تم أداؤها في لندن من خلال موسيقا الروك.

ذكرى الأبله
وبمناسبة مرور قرن ونصف على صدور رواية «الأبله» كتب في الصحافة الفرنسية مقالاً بعنوان: «من نيتشه إلى هيمنغواي دوستويفسكي مصدر إلهام لهم» جاء فيه: هذا الكاتب الكبير من القرن التاسع عشر أثر في عدد من الكتاب الكبار وفي أجناس أدبية كما في تيارات فلسفية، هلا تصورتم أن سيغموند فرويد رائد التحليل النفسي أقر بأن طريقته غير قابلة للتطبيق على شخصيات مؤلفات دوستويفسكي، من جانبه عبر كافكا عن شعوره بالتواصل العميق مع الكاتب الروسي حين كان يقرأ وبمتعة مقاطع من رواية «المراهق» لصديقه ماكس برود الذي كتب لاحقاً أن أسلوب كافكا تأثر كثيراً بهذه الرواية.
فيرجينا وولف قالت عن أعماله: «إنها إعصار يغلي عواصف رملية دائرة مطر مدرار، أعماله مركبة من مادة الروح ومن دون إرادتنا ترانا نغوص بداخلها تبهرنا بطريقة مذهلة».
الكاتب والشاعر الايرلندي جيمس جويس قال: «دوستويفسكي هو الذي ابتكر النثر المعاصر ونقله إلى قوته الحالية».

لولا وجود الله
ذات يوم كتب دوستويفسكي: لولا وجود اللـه لكان كل شيء مباحا وتلك كانت نقطة الانطلاق بالنسبة للوجودية بحسب ما يشير إليه العمل الفلسفي لسارتر «الوجودية نزعة إنسانية» فالأدب الروسي بحث في أساس الإدراك وقدرة الناس على الفهم قبل ظهور الوجودية وكان دوستويفسكي قد جعل من البحث عن المعنى هدفه الأساسي وحاول حل لغز المسؤولية للذات وللإله عند شخصياته مثل راسكولنيكوف في «الجريمة والعقاب» وستافرونفين في «الشياطين» وإيفان كارامازوف في «الإخوة كارامازوف» وللتبسيط يمكن القول إن الاعتقاد كان الجواب الأساسي على جميع الأسئلة وهذا مايتناقض مع الوجودية الغربية.

همنغواي ودوستويفسكي
أما موقف آرنست همنغواي حيال دوستويفسكي فينعكس في سيرته الذاتية «باريس عيد» يقول فيها: عند دوستويفسكي هناك أشياء قابلة للتصديق ولا يمكن أن تصدقها وأخرى حقيقية بحيث تأخذك شيئاً فشيئا أثناء قراءتها فتعلمك الوهن والجنون والخبث والطهارة وأهوال اللعبة كما يفعل تورغونييف في أخذك إلى المشاهد الطبيعية والطرقات وتولستوي إلى الميدان وقوات المواجهة من ضباط وجنود المعركة، لقد فكرت كيف يمكن لهذا الكاتب أن يجعلك تشعر بأمور عميقة كهذه».
وكتب عديدة تحدثت عن إعجاب وليم فولكنر بالكاتب الكبير وتأثره به حيث ذكر الروائي الأميركي أن دوستويفسكي هو أحد العناصر الرئيسية لإلهامه الأدبي إلى جانب الإنجيل وشكسبير وأن «الإخوة كارامازوف» كان العمل الأكثر تأثيراً فيه وقد كتب إلى الشاعر هارن كران أنه ليس لدى الأدب الأميركي ما يشبه هذه الرواية وفولكنر كما دوستويفسكي اهتم بدراسة أزمة الشخصية الموجودة في قلب أزمات المجتمع والتي تظهر على مفترق طرق الأخلاق والاعتقاد والانفعال.
أما روايته «مذكرات قبو» فقد اعتبرها الخبراء من ألمع أفكاره وينضم إلى هذا الرأي فريدريك نيشته وجان بول سارتر اللذان صنفا هذه المذكرات بـ«تحفة عمل بسيكولوجي».
نيتشه الذي أولى أهمية كبرى للأدب الروسي وكان قد قرأ بوشكين وليرمونتوف وغوغول صرح بأن دوستويفسكي كان الاكتشاف الذي أسعده أكثر في حياته، يقول: «باستثناء ستاندال مامن أحد شكل لي مفاجأة جميلة ولا أمدني بسعادة كتلك التي منحني إياها دوستويفسكي، إنه عالم نفس التقيت معه في نقاط مشتركة».
وهناك حكاية تقول إنه عندما قرأ نيتشه رواية «مهانون مذلون» دمعت عيناه ومن المؤكد أن الفيلسوف الألماني عبر عن بالغ احترامه للكاتب الروسي بعد قراءة هذه الرواية.
وأخيراً الكاتب التركي اورهان باموك الذي يسلم بأن تولستوي هو سيد الرواية لكنه شخصياً تأثر أكثر بأعمال دوستويفسكي وخلال عقده لمؤتمر في سانت بطرسبورغ أباح باموك أنه بعد قراءته «الإخوة كارامازوف» أدرك أن حياته تغيرت بشكل كامل وتشكل لديه انطباع بأن الكاتب الروسي قد توجه إليه ليكشف له أشياء كثيرة عن الناس وعن الحياة لا يعرفها أحد غيره.