سهرات النسوان تظهر براعتهن في اختراع الجديد من الأكلات

| منير كيال

يحفل المطبخ الدمشقي بالعديد من المآكل التي تعدها سيدة البيت الشامي، وذلك مما قل وجوده بالعديد من المطابخ بسورية.
وقد تميزت هذه المآكل بما هي عليه، من لذة الطعم ونكهة الرائحة، لدرجة أن الجارة تكاد تعرف ما تطبخ جارتها من طعام بوصول رائحة ذلك الطعام إلى الجيران.
ولعل ذلك من دواعي تساكب الجيران مما يطهى من طعام، لدرجة أن ذلك التساكب مما يطهى أصبح تقليداً متوارثاً، ذلك أنه إذا كانت بين الجارات امرأة حبلى وشمّت رائحة طعام جيرانها أو جاراتها، وقامت بحك مكان من وجهها أو جسمها، فإن شكل ذلك الطعام سيظهر مكان الحكّ بما يعرف باسم وحمة «من الوحام» لا تزول مهما طال الزمن.

حكاية السكبة
وأذكر على سبيل ذلك، ما كانت تقوله النسوة، من أن امرأة حبلى، كانت سائرة بسوق باب البريد وصدف أن خرج من ذلك الفرن رجل يحمل صينية بها ما يعرف بالكباب الهندي، وهذا الكباب الهندي كما هو معروف يتكون من البندورة والبصل المفروم ويغطى ذلك بقطع من اللحم المفروم بطول يقارب طول القطعة من ذلك اللحم طول الإصبع، وما لبث أن سارع ذلك الرجل الذي يحمل صينية الكباب إلى إطعام تلك المرأة الحبلى من ذلك الكباب الهندي خوفاً عليها من أن تشم رائحة ذلك الكباب، وتحك مكاناً من وجهها، أو جسمها، فيظهر مكان ما حكته علامة أو وحمة لا تزول فكان ذلك من دواعي تساكب الجيران.
وأصبح ذلك التساكب تقليداً لا يزال إلى يومنا بين الجوار بالأسرة التقليدية، بل أغلب حديث الواحدة من الجارات على الهاتف أو وراء باب الزقاق بينهن يشغل جانباً من الوقت حول إعداد كل منهن طعام ذلك اليوم وأسلوب طهي أو إعداد ذلك الطعام.
وقد تميزت سهرات النسوات بليالي شهر رمضان بالحديث مطولاً عن إعداد الطعام، فكانت كل واحدة تدلي دلوها بذلك متفاخرة حتى لكأنها اخترعت اختراعاً.

طعام لا يتشابه
ومن جهة أخرى فإن من الممكن القول إنه ليس جميع النسوة على نوع جيد بإعداد هذه الطبخة أو تلك، وكان من أسباب ذلك تفرغ المرأة لما تعد من طعام، وإعطاء ذلك الطعام الوقت الكافي والمتابعة الدائمة، أكان ذلك لمكونات ماتطبخ سيدة البيت من نظافة وتقطيع أم تخريط ومن ثم رفع ذلك على النار «وضعها» وملاحظة حال تلك النار من شدة أو لين بالوقت المناسب مع ملاحظة ما يلزم ذلك من الماء من دون زيادة أو نقصان، حتى تكون الطبخة جاهزة للتقديم، ويتناقل الناس أن سيدتين عمدت كل منها إلى طهي طبخة مماثلة لما تطبخ الأخرى، فكانت طبخة واحدة منهما تشهي النفس وتفتح القابلية، على حين كانت طبخة السيدة الثانية ممجوجة تعافها النفس، والفرق أن طبخة السيدة الأولى نالت العناية والمتابعة اللازمة بينما طبخة السيدة الأخرى طهيها كان من دون عناية، ذلك أن هذه السيدة ما صدقت أن تركت ما تطبخ على النار حتى انصرفت لزيارة جارة لها أو نزلت إلى السوق تستعرض معروضات المحال «الدكاكين» اما الطبخة فقد تركتها على النار حتى تنضج، لأن النار بخلد هذه السيدة تنضج الحجارة، وقد نجد من السيدات من يكون ما تطبخه لا علاقة له بما نطلق عليه من تسمية، ونذكر على سبيل المثال أن ما يعرف بطبخة المقلوبة لها اسلوب خاص بالإعداد أما أن يطبخ الرز ثم يؤتى بقطع الباذنجان المقلية وتوضع فوق الرز، ومن البهارات والمكسرات فهذا لا يشكل المقلوبة الأساسية التي يعرفها الجميع.

الاختراعات والتقارب
ولابد من الإشارة إلى التخبيصات التي تقع بها سيدة البيت مما يمكن أن نشاهده من طبخ بعض ما يعرف الواحد منهم باسم الشيف من تخبيص أو جلعصة، ثم يطلق الواحد منهم اسم طبخة متوارثة منذ القدم، وأذكر أن شيفاً من هؤلاء قدم على شاش التلفزيون طبخة المنزلة بأسود «الباذنجان» فكان أن ترك انزوعة ثمرة الباذنجان كما هي لإمساك حبة الباذنجان عند السكب بها وجعل الباذنجان على شكل دروب «تقليم» بحيث ترك قسماً من حبة الباذنجان مقشراً وقسماً آخر بلا تقشير، لأن ذلك أكثر جمالاً.. فكانت هذه المنزّلة بلا نكهة ولا طعمة وبعيدة كل البعد عما تطبخه سيدة البيت من المنزّلة التي نعرفها ونستسيغ طعمها ونكهتها، مما يفتح الشهية ويسيل اللعاب، زد على ذلك فإن المرء قد يتذوق صنفين مختلفين من الطعام، لهما مذاق أو طعم متماثل، هو طعم المنكهات، وليس طعم أي من الطعامين المذكورين.
اذاً وعلى هذا الأمر، فليس من المستغرب حنين الجيل الذي امتد به العمر، بل الأجيال التي سبقته إلى الطعام الذي كانت تعده سيدات بيوت تلك الأيام.
أيام زمان، لها طعم ورائحة ونكهة، حتى لكأن المرء لا يشبع من وجبة تناولها، إلا وبنفسه أن يعاود طعامه منها.