انتخابات الإدارة المحلية في سورية: لن يُصلِحَ الصندوق ما أفسد العطارون

| فرنسا- فراس عزيز ديب

يتوجه السوريون صباحَ اليوم للإدلاءِ بأصواتِهم في انتخاباتِ الإدارة المحلية التي ستجري في جميع المحافظات السورية، يُستثنى منها في هذه الانتخابات كل من إدلب والرقة.
تركت التحضيرات لهذه الانتخابات كما العادة وتحديداً بعد العام 2011 وانطلاق الحرب على سورية العديد من السجالات والنقاشات، هذا السجال نراهُ في كلِّ مرة يكونُ فيها استحقاقٌ انتخابي متعلق بمجلسِ الشعب أو حتى المجالس المحلية، بحيث يعود الحديث من جديدٍ عن الآليةِ التي يتم فيها اختيارَ المرشحين على القوائم التي يكون بعضها مغلقاً، أي إن احتماليةَ كسر هذه اللوائح والمجيء كما يقول المواطن السوري «بغير المرضي عنهم» شبه مستحيل.
في الواقع يبدو هذا السجال مفيداً حتى ولو كنا لا نزال نحبو في مجالِ تطوير الحياة السياسية واللعبة الديمقراطية، لكن المشكلة تكمن عندما يرى البعض سجالاتٍ كهذه ومن يقودها كسببٍ لإصابةِ الأمةِ بالوهن، أو ضربٍ للروح الوطنية، أو تصويبٍ على ما يسمونها «رؤية القيادة»، إلى ما هنالك من اتهاماتٍ اعتدنا عليها من أصحاب الفكر الخشبي والمتمترسين خلفَ شعار «لا صوتَ يعلو فوقَ صوتِ المعركة»، قد تصل بالنهاية إلى حد اتهام حاملي لواء تساؤلاتٍ كهذه بالعمالة!
إن المتابعَ لمسارِ الاستحقاقات التشريعية في سورية منذ بدء الحرب حتى يومنا هذا، لن يجهدَ كثيراً ليعرفَ أن اللغط الذي قد يصل إلى حد الاستياء الشعبي من طريقةِ إعداد المرشحين واختيارهم يزداد كلما تدرجنا من الأعلى إلى الأدنى، وبمعنى آخر فإن الاستفتاء الذي تم على دستور 2012 شكل رأس الهرم في الرضى الشعبي الذي جعلَ المواطن وللمرةِ الأولى مثلاً يشعر وكأنهُ يحدِّد مستقبل وطنهِ بصوته، ثم تلا ذلك الانتخابات الرئاسية التي جرت في العام 2014، أذكر أني علقت يومها على صورةٍ لأحد المرشحين خلال الترويجِ لحملتهِ الانتخابية «المرشح حسان النوري»، وهو يزور سوقاً دمشقية ويصافحُ بائعَ فلافل بأن هذه الصورة يجب ألا تكون مثار سخرية أحد، هي تؤسس لحياة ديمقراطية وسياسية ستعيش لأجيال، بل قلت يومها إني أحترم بائع الفلافل هذا أكثر من مئات المثقفين وصناع الرأي الفيسبوكيين الذين سخروا من جولةِ المرشح، لأنه ببساطة وإن كان يضع في مطعمهِ صورةَ مرشحٍ آخر «المرشح بشار الأسد»، إلا أنه لم يستسلم لخيارهِ وصافح المرشح المنافس بابتسامةٍ وطنيةٍ بريئة.
فعلياً كانت تلك الانتخابات أنموذجاً صدمَ العدو قبل الصديق، انتخابات جعلتنا نتفاءل يومَها بأن العقلية الخشبية التي لا تريد أن تميِّز بين خيارات الشعب وإرادته، بين انتماء الشعب لنهجٍ لا يريد أن يحيد عنه وسخطهِ على الكثير من الذين يدعون الانتماء إلى هذا النهج هي عقلية في طريقِها للزوال حُكماً، لكنّ هذا التفاؤل تراجعَ يومها عندما حصلت انتخابات مجلس الشعب الذي تحول بنسبةٍ كبيرةٍ منه إما لجائزةِ ترضيةٍ، وإما لمناصب إضافية لقياداتٍ نقابية وغير نقابية هي أساساً فشلت بمهامها الموكلة إليها دون أن ننسى أن بعض هؤلاء يجمع على الأقل بين مهمتين تشريعية وتنفيذية، أو نقابية وتشريعية، وكأن سورية بدَت عاقراً لا تنجب، والنتيجة ببساطة ماثلة أمامنا:
ماهي إنجازات السلطة التشريعية بما يتعلق بالمواطن وهموم المواطن؟
من يصدق أننا في دولةٍ مثلاً رئيسَ وزرائِها وبعض وزرائِها بابهم مفتوح ويحتكون بالمواطنِ وهمومهِ أكثر من غالبيةِ أولئك الذين يمثلون السلطة التشريعية ويضعون أنفسهم في بروجٍ عاجية، علماً أن المنطق يقول العكس، فماذا عن انتخابات مجالس الإدارة المحلية؟
في الدول التي تحتكم فعلياً لصناديق الاقتراع بمعزلٍ عن شعبية الحزب أو الائتلاف الذي يحكم، فإن انتخابات كهذه تبدو عملياً هي الأساس الذي تحدِّد فيه الأحزاب مقاييسَ نجاحها من عدمهِ، لأنها على المستوى الشعبي أهم من انتخابات البرلمان، فممثلو الأحزاب الذين يمارسون مهامَهم بعد انتخابهم يُعتبَرون المحطة الأولى للاتصال بين السلطة الحاكمة واحتياجات الناخب، لكونهم ببساطة على احتكاكٍ وتماسٍ يومي معه.
في سورية يبدو الأمر مختلفاً نوعاً ما، فهذه الانتخابات لا تحظى بهذهِ الأهمية لا من الناخب الذي يبدو سئِم التكرار الممل، ولا من المكلفين إعدادِ لوائحَ المرشحين التي يغلب عليها طابع ما هو أسوأ من جوائز الترضية في مجلس الشعب، ليبقى المواطن أسيرَ عباراتٍ مملة أهمهما:
أولاً: «مبارك ثقة القيادة»، في هذه العبارةِ لا يزال المواطن ببساطةٍ يسأل نفسه عن ثقةِ أي قيادةٍ نتحدث؟ فنحن هنا أمام تعبيرٍ باتَ أشبهَ بمادةٍ دسمة خاضعة للتجارة، أي إن هناك من بات باسم «ثقة القيادة» يُتاجر حتى بفشلهِ، منطقياً لا يمكن أن يكون القصد تلك القيادةِ السورية التي أذلَّت دولاً وإمبراطوريات، والمتمثلة بالقيادة التي تفاوِض بيد وتحارب بيد، وإذا كان المقصود تلك القيادات الحزبية في جميع الأحزاب التي تشكل الجبهة الوطنية التقدمية والمسؤولة عملياً عن ترشيحات كهذه، عندها يكون السؤال المنطقي:
ما علاقتي أنا كمواطنٍ سوريٍّ بسيط لا ينتمي لأي إيديولوجية حزبية بثقةِ القيادات الحزبية بمرشحيها أو محازبيها؟ فهل من لم يتم اختيارهم لم يحوزوا هذهِ الثقة المبجلة؟ أما السؤال الأعمق:
فماذا عن الذين ينالون منذ 18 عاماً ثقةَ القيادة التي تقصدونها وفشلوا بمعظم مهامهم؟ ألم يكن هؤلاء أيضاً يحوزون تلك الثقة؟ فهل المشكلة إذاً بتعبير الثقة ذات نفسهِ، أم المشكلة بمن يأخذ الثقة، أم بآليةِ منحها؟
العبارة الثانية فهي اختيار جيد لشخص محترم: هذه العبارة ناتجة عن بديهية بسيطة أننا في سورية غالباً لا نستطيع أن نميز بين نقد الأداء والشخصنة، فتقييمنا لأي مسؤولٍ إن كان رئيس بلدية أو وزيراً مرتبطٌاً بأدائه. هذه العبارة تبدو انتقائية وبمعنى آخر:
إن أيَّ لائحةٍ كانت ستُصبح أشبهَ بطوقِ النجاة عندما تضم أشخاصاً تربطنا بهم صلة ما، لكننا قد لا نتوانى عن توجيهِ سهامنا لباقي اللوائح وربما للانتخابات ذاتَ نفسها عندما يتم استبعاد قريبٍ أو صديق، القضية هنا مرتبطة بسيطرة العاطفة لا المبدأ، وإلا لو تحدَّثنا بعاطفة فهل نستطيع القول إن جميع اللوائح تخلو من الشخصيات المحترمة، هل يمكننا القول إن كل من كانوا سابقاً أو حتى في انتخابات مجلس الشعب ليسوا جيدين، القضية ليست بهذه البساطة لكن أياً كانت نظرتنا للشخص هو عملياً وصل بالطريقة ذاتها التي وصل بها من فشل قبلهُ، وهو بالنهاية ملزَم بالعمل بسياقٍ تحكمهُ الأنظمة والقوانين، لكن الأسوأ في سورية أن هناك طريقة عمل يحكمها العُرف، العُرف حوّل الجبهة الوطنية التقدمية من فكرةٍ هي الأذكى بتاريخ سورية الحديث التي تضمن وجود تكتلٍ انتخابي وازن، أسسها ورعاها بذكاء الرعيل الأول لقادةِ الأحزاب الأساسية، لتصل اليوم إلى مقتل أصاب الحياة السياسية وأدخلها في جمودِ الإيديولوجيات، إما القومية بمختلف بمشاربها أو اليسارية التي قد لا تعرف من اليسار إلا اسمه.
العُرف كذلك الأمر كان مخدِّراً للأنظمة والقوانين وسيحوِّل لاحقاً من رفعوا شعاراتٍ منها ما هو منطقي ومنها ما هو للتجارة كأسطوانةِ الاهتمام بأسر الشهداء والجرحى «كأنه يريد أن يوحي لنا بأن هؤلاء لا يوجد من يكترث لهم» إلى مجردِ مكملين للروتين السابق الذي نسير عليه، أي إن التغيير الذي نطمح إليه يجب أن يكون فيه تغيير العقلية والعرف سابقاً لتغيير الأشخاص، وإلا فإننا نبدو كمن يغير قنوات التلفزيون بالريموت كونترول دون وجودِ إرسال، عملياً الأرقام تتغير لكن الصورة تبقى على حالها.
أما العبارة الثالثة فهي أسطوانة قاطعوا الانتخابات: هي كذلك الأمر عبارةٌ مرتبطةٌ بعدمِ التمييز بين الاستحقاق الدستوري، والأشخاص الذين يمثلون هذا الاستحقاق، بين المؤسسات الدستورية أو الحكومية التي نجلّ ونحترم وندافع عنها حتى آخر نقطةِ حبرٍ ودم والقائمين والممثلين لتلك المؤسسات الذين قد لا يعنون لنا إلا كما تعنينا نتائج الدوري المحلي في «جزر القُمر». يجب علينا عدم الخلط بين القيمة العليا لهذه المؤسسات في تكوين الدولة والقائمين عليها، نحن هنا ننسحب ببساطة من المعركة، أي إن المشاركة في أي استحقاق انتخابي كان هي واجب، تماماً كما أن قرارك في الاختيار حق، حتى لو كان قرارك شطب جميع اللوائح، لذلك لا بد من المشاركة، ولنتذكر دائماً أن بين الحق والواجب مساحة واسعة من الأمل الذي نتنفسه، وبمعنى آخر: الزمن كان ولا يزال هو الثابت، المشكلة ليست فيهِ لكن بمن يصر أن يعيشَ خارجهُ، الزمن لا يُفسد حتى نبحث عن عطارٍ يُصلح، بل الأدق أن عطارينا كثر، فهل سيُصلِحَ الصندوق ما أفسد العطارون! باختصار نحن الفاسدون بداخلنا، علينا أن نصلح أنفسنا ونصلح السياق العام الذي يحكمنا، عندها فقط يكون الأشخاص القائمون على هذا السياق مجرد تفاصيل، نأمل ذلك، فمنذ ما يقرب من 18 عاماً أساساً ونحن نعيش على الأمل، فمن قال إن الأمل يموت! الأمل أشبهَ بسورية الوطن تشيب نواصيَ الدهر على عتباتِهما.. ويبقيان في ريعان الشباب.

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!