القضية الفلسطينية بين التخطيط والارتجال

| د. يوسف جاد الحق

على مدى قرن من الزمن أو يزيد، خطط الصهاينة ورسموا، دبروا وتآمروا، ثم حددوا أهدافهم، ثم عملوا دائبين من غير كلل، مستخدمين سائر الوسائل، غير المشروعة، المفضية إلى تحقيق تلك الأهداف لكي تصبح أمراً واقعاً، ألا وهي سرقة وطننا، وإقامة كيان لهم فوق أرضه، وبحره وسمائه يحظى بالاعتراف، بل الحماية والرعاية أيضاً، من هيئات دولية وقوى استعمارية هي نفسها شريكة كاملة لهم في عدائها لأمتنا عبر التاريخ.
مقابل ذلك اختلف العرب، تخبطوا وتشرذموا، استهتروا وتهاونوا، تخاصموا وتنازعوا، ثم ارتجلوا المواقف وردود الأفعال الآنية السطحية العاطفية، دونما تخطيط إستراتيجي، أو حتى تكتيكي، بين قائل بوحدة الهدف وقائل بوحدة الصف، وقائل بالتصالح مع العدو ومسالمته، لو تكرم العدو وحظوا بقبوله ورضاه، وبين مقاوم ومتخاذل، بين حريص على العمالة وحريص على الشهادة، فكان من ثم، فشل ذريع مريع، ولم يحصدوا جراء ذلك كله غير النتائج المؤسية التي هم عليها الآن.
كانت تصرفاتنا، على الدوام، مجرد ردود أفعال متسرعة إزاء كل حدث على حدة، لا رابط بينها وبين جوهر الصراع وأس القضية، وحتى هذه الردود لم تكن لتجمع على أمر أو شيء، كانت مشتتة مختلفة ومتفرقة في الرؤية والفعل، وفق كل طرف أو بلد أو نظام في حساباته الداخلية التي كثيراً ما أعلن أن بلده «أولاً»! وكان جل ذلك يصب تلقائياً في مصلحة الكيان الصهيوني واليهودية العالمية، عن جهل حيناً، وعن عمد وضلوع فيما يجري حيناً آخر.
الغريب العجيب أن يجري هذا في القرن العشرين وأن يستمر في الحادي والعشرين، العصر الذي يدعي الغرب أنه، من جهة، عصر الحضارة والعلم والوعي، والشرعية الدولية وحريات الشعوب وتقرير مصائرها، ومن جهة أخرى، عصر انفتاح أصقاع العالم بعضها على بعض، بفضل وسائل التواصل الاجتماعي والسياسي والإعلامي، حتى بات العالم وكأنه بلد واحد أو «قرية واحدة» كما يقولون، بحيث لا تخفى على أحد فيه خافية.
ولكن هذا الغرب نفسه بدوله ومحافله ونواديه ولوبياته، هو نفسه العدو التقليدي لأمتنا، عربية وإسلامية، يعمل على إخفاء عدائيته، متظاهراً بالموضوعية والحياد إمعاناً في الخديعة والنفاق والتضليل، والمثير للدهشة أن حيله وألاعيبه المكشوفة تلك تنطلي على بعضهم، وتدخل في روعهم أنه حكم عادل، وأخلاقي مثالي، فيتقبلون من ثم يراؤون و«يبصمون» دونما تدقيق أو تمحيص على توجهاته وممارساته إزاءهم من جهة وحيال العدو من جهة ثانية.
بقليل من التفصيل وكثير من الإيجاز يمكننا القول إن الكيان الصهيوني قام على ركيزتين أساسيتين منذ قرر وضع مخططه قيد التنفيذ، في مؤتمر «بال» بزعامة ثيودور هرتسل عام 1897، واعتماد كتابه «الدولة اليهودية» الذي يتنبأ فيه بقيام دولة يهودية بعد خمسين سنة من تاريخه وهو ما تحقق فعلاً عام 1948، بفضل أميركا واستخدام نفوذها الضاغط المستبد على معظم أعضاء هيئة الأمم المتحدة الوليدة حديثاً، ولاسيما أن رئيس أميركا يومئذ كان هاري ترومان المنتمي للصهيونية أكثر من أهلها، وترومان هذا هو أول رجل في التاريخ يأمر بإبادة مئات ألوف من البشر، من دون أن يرف له جفن، بضربتي قنبلتين ذريتين في هيروشيما ونغازاكي اليابانيتين في التاسع من آب عام 1945.
هاتان الركيزتان هما:
1- التخطيط المحكم المدروس لكل خطوة يخطوها في سيره نحو هدفه بعيد المدى، وهذا ليس إطراء فاللص، حتى اللص العادي، لا يقدم على جريمة السرقة من دون إعداد محكم ومسبق كيما يتسنى له الوصول إلى مبتغاه دونما خطأ يوقعه في يد العدالة.
2- استغلال الظروف والأحداث والوقائع القائمة راهناً، والقادمة في المستقبل على مستوى المنطقة والعالم، والتدخل في الأوساط المؤثرة في مجريات الأحداث والقوى الفاعلة فيها، فأما عن التخطيط فقد أشرنا إليه بما قد يفي بالحاجة، وأما عن استغلال الوقائع والأحداث فنقول، بأكبر قدر ممكن من الإيجاز تسمح به هذه العجالة، إن اليهودية العالمية استغلت وقائع ثلاثاً مفصلية ومصيرية على قدر هائل من الخطورة هي:
استطاعت الإفادة من نتائج الحرب الكونية الأولى، فتمكنت من التأثير في إنكلترا والحصول على وعد من وزير خارجيتها آرثر بلفور بإقامة «وطن قومي يهودي» في فلسطين، وإثر وضعها تحت الانتداب البريطاني بضلوع من «عصبة الأمم» يومئذ، عملت على تنفيذ ذلك الوعد بحذافيره، ولكي تضمن ذلك نصَّبت «مندوباً سامياً» يهودياً هو هربرت صموئيل، لكي يطبق بنود ذلك الوعد، ومنها الهجرة اليهودية إلى فلسطين بأعداد هائلة، في وقت لم يزد عددهم فيها يومئذ على خمسين ألف يهودي، إضافة إلى إقامة مستعمرات لهم على أراض صادرتها الدولة المنتدبة مدعية أنها أملاك دولة!
استغل اليهود نتائج الحرب العالمية الثانية، وانتصار الحلفاء على دول المحور، فسخروا الغرب كله لخدمتهم في إقامة كيانهم على أرضنا سموه «إسرائيل»، مستفيدين من حكاية «الهولوكوست» نفسها، التي كان الغرب محورها بغض النظر عن صحتها من عدمها، ورغم ذلك عمل الغرب الظالم على تعويضهم عن جريمته على حساب شعبنا وأمتنا وأوطاننا.
إذا كانت عصبة الأمم، في حينه قامت بدورها في خدمتهم إثر الحرب العالمية الأولى، فقد جاءت هيئة الأمم المتحدة بعد ذلك لتقوم بأخطر دور تآمري على شعب من الشعوب في التاريخ كله، عندما اعتمدت تقسيم فلسطين وإنشاء دولة لليهود على أنقاض شعبها فشردته وقتلته واستولت على دياره وأملاكه عنوة واقتداراً واغتصاباً مع كل ما رافق ذلك من مآس وأحزان ومعاناة لذلك الشعب المنكوب، الدور الذي اضطلعت به أميركا يومئذ هو من أقام الكيان الإسرائيلي بفعل الضغوط التي مارسها بالتهديد والوعيد على أعضاء الهيئة نفسها.
غير أن المتغيرات الدولية الجارية راهناً ومستقبلاً كفيلة بوضع حدٍّ لما درجوا على فعله وتدبيره حتى الآن وذلك عبر:
بروز وعي جديد لدى الأجيال العربية القائمة والقادمة، وظهور الحقائق أمام أعينهم وفي عقولهم جلية واضحة، ومن ثم العمل، من جانبهم، على إفشال المخططات المعادية كائنة ما تكون، هذا إضافة إلى تعزيز جبهة مقاومة صامدة وقادرة على إلحاق الهزيمة النهائية بالعدو، وهي ممكنة تماماً، ولنا شواهد مما جرى عام 2006 من هزيمة له في جنوب لبنان و2009 و2012 و2014 في غزة بفلسطين.
قيام أقطاب عالمية جديدة أنهت حكاية القطب الأوحد المنهار اقتصادياً، والمنحسر النفوذ في الهيئات والأوساط والمحافل الدولية بحيث لن يمضي وقت طويل قبل أن يغدو قطباً من الدرجة الثانية.
أوضاع العدو في داخل كيانه وما هو عليه وفيه اليوم من اضطراب وارتباك وخوف على المصير، فهو يعرف تماماً أن وجوده أصبح «على كف عفريت»، وما كان له من قوة فيما مضى، وما كان يخطط له ليكون القوة المهيمنة الآمرة الناهية في المنطقة، ولاسيما عن طريق الدعم الذي يتلقاه من حلفائه الغربيين، وعلى رأسهم الولايات المتحدة، ذلك كله أمسى في خبر كان، ومن أحلام الماضي التي باتت مجرد أضغاث، لقد أفل نجم العدو بعد سطوع زائف امتدت حقبته أكثر من ستة عقود.
وبعد، فإن مصير الكيان الإسرائيلي كوجود بات اليوم رهن أول شرارة حرب تقوم على أي من جبهات المقاومة، وما نحسب ذلك بعيداً، فأترانا سوف نشهد يوم العودة، إلى ديارنا قريباً؟
أجل، فالسؤال الذي كان قائماً دونما إجابة شافية، يمكن الإجابة عنه الآن بالقول: الوضع اليوم بات معكوساً، فالعدو هو الذي دخل مرحلة التخبط والتصرف العشوائي، والاستجابة للأحداث بردة الفعل الآنية المتعجلة، على حين أصبح الجانب المقاوم العربي، وبعض الإسلامي، متسماً بالتدبير والتخطيط والإعداد والتنظيم ما يكفل انعكاس النتائج، بحيث تغدو المبادرة والقدرة على الانتصار في هذا الجانب.
الأمل والرؤية والحقيقة المؤكدة معاً في ارتقاب اليوم المشهود الآتي، و«إن غداً لناظره قريب».

 

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!