ثقافة وفن

فيلم «أمينة» يحقق واقعية فنية باقية … أيمن زيدان في أنضج مراحل عطائه.. المرأة السورية تزرع زهرة الأمل

| نهلة كامل

تتتالى العروض السينمائية لتشكل تياراً يشق مجراه في أرض الحرب السورية، ظاهرة إيجابية في ظروف سلبية أحدثها الفيلم الأول لفناننا الكبير أيمن زيدان «أمينة» من إنتاج المؤسسة العامة للسينما الذي استطاع أن يدخل بثبات وتميز إلى عمق الاتجاه نحو واقعية سينمائية جديدة طموحها البقاء كما الإبداع.

زيدان يبدأ من الآخر
يبدأ أيمن زيدان في الإخراج السينمائي من آخر تجربته الإبداعية الطويلة، حيث كانت مسيرته الفنية السابقة خلفية واعية معمقة في فن الدراما، ليأتي فيلم «أمينة» تتويجاً لعمله الفني الذي أدهشنا دائماً في كل مجال، والذي يضعه الآن في خدمة الثقافة الوطنية وهي تمر بمرحلة إعادة تأسيس وتأكيد على مفاهيم بارزة في الهوية الفنية والسينمائية خصوصاً.
ويعكس «أمينة» أن أيمن زيدان، في مرحلة الحرب، واضح الفكر، جريء الطرح شجاع الموقف، وذلك بعد أن حسم أموراً فكرية وفنية مهمة جعلت السينما، لديه، تسلك أبعادها إلى النهاية، من دون مساومة على قضايا الشعب المكافح، ولا تجميل في منتصف الطريق لأسباب ونتائج المعاناة السورية،، ولا حرف لاتجاه إلقاء المسؤولية على أصحابها.
ويبدو أيمن زيدان الذي يبدأ تجربته السينمائية الأولى منسجماً مع نفسه كواحد من كبار الفنانين في أهم مراحل نضجهم وخبرتهم وجرأتهم، ليعبر «أمينة» عن عشق زيدان للحرية الفنية كما الحرية الإنسانية والوطنية.
وتظهر نزعة أيمن زيدان الآن إلى الحرية واضحة في الفيلم، بعد أن أصبح مسيطراً على كامل التجربة الإبداعية كمخرج ومؤلف، تلك التي عبر عنها في آخر مسرحياته «فايريكا»، كما عبر عنها في أدائه كبطل لفيلم «الأب» للمبدع باسل الخطيب، حيث أعطى الشخصية كامل صفاتها الداخلية والخارجية الإنسانية والوطنية.
وتتوازى النزعة الكامنة إلى الحرية لدى أيمن زيدان، بالتأكيد مع الظروف الوطنية القاهرة المتطلعة إلى التحرر بكل معانيه، ويجسد فيلم «أمينة» هدية للسينما وإن كنت لا أستخدم كلمة حرية كثيراً، كي لا أسيء استخدام لا نهائيتها وتنوعها وندرتها، لكنني استخدمها في مجال الأمل الذي تطمح إليه واقعية «أمينة».
إن الحرية في الفيلم هي الأمل، أو العكس، والكلمتان بحزنهما وفرحمهما، بفشلهما ونجاحهما، هما ركائز الواقع التي يقوم عليها مجتمع سورية في الحرب وما قبلها وبعدها.

واقعية على محك الإبداع
يمثل فيلم «أمينة» بجدارة، اتجاه الأفلام السورية الآن، إلى واقعية نشأت في ظل ظروف الحرب القاسية، لكن اختيار قضية واقعية لا يكفي لتحقيق واقعية فنية، بل يجعلها على محك الإبداع والمقارنة، ولعل أهمية الفيلم أنه يتصدى لتحقيق واقعية فنية عالية.
ولا يميز الفيلم فقط اتجاهه الجريء، بل للأسباب السابقة، كانت خصوصية في أسلوب معالجته السينمائية لأهم قضايا المجتمع السوري الراهن، والتي تمتد جذورها في عمق الحياة الشعبية بكل تكويناتها وأفكارها، وأنه يتحرك بجرأة وعفوية على أرض الحرب الشائكة والمتعثرة.
ويبدو فيلم أمينة للوهلة الأولى وكأنه ينسخ صورة الواقع الموجود، فهو يتقصد ألا يقحم إضافات درامية،، ولا أحداثاً تجميلية مشوقة، بل يجد هدفه في التفاصيل المحتملة الحقيقية، والجوانب الخافية، ويعيش داخل البيئة مجسداً نوازع شخصياتها المنطقية، والضرورة وراء تعلقها وتصميمها على زرع زهرة الأمل كما تقول أمينة في الفيلم. ويقدم «أمينة» حياة عائلة سورية تجسد أبرز قضايا المجتمع السوري وهي معاناة الأسر الفقيرة التي تضحي بأبنائها الأبطال من أجل الوطن، ما يجعل المرأة تضطلع بإعالة الأسرة، رغم كل العقبات الإنسانية والاقتصادية التي تواجهها.
ويختار الفيلم حالات إنسانية مهمة طالما أحب زيدان الدفاع عنها، الأولى هي:
واقع جيل الشباب، والثانية قضية المرأة التي شكلت دائماً ركناً بارزاً في مجمل أعمال أيمن زيدان كان آخرها مسلسل «أيام لا تنسى».
وهكذا يحمل فيلم زيدان الأول اسم أمينة الأم التي جسدت المعاناة الواقعية والفنية لأسرة سورية في بيئة متعبة، لتبرز هنا الفنانة الكبيرة نادين في أجمل وأغنى أدوارها السينمائية والإنسانية.
أمينة الأم شديدة البأس، قوية الإرادة، واضحة المواقف، شفافة الحنان، المتشبثة بالأمل هي الأم السورية التي يقدمها الفيلم، والزوجة المترملة، وربة عائلة تتكون من ابن بطل مقعد فقد كل قدراته بعد إصابته في الحرب، ما عدا تحريك عينيه، ومن شابة تمثل جيلاً تحيط به إحباطات الحرب وتضعه في بؤرة صراع من أجل الحياة.
ويضع الفيلم معاناة الأم السورية في موازاة القتال في ميدان الحرب، هي مركز ودينامو هذا المحيط الأسري والوطني.
إن شخصية أمينة الفنية التي تنوعت بين القوة والحنان، الصلابة والشفافية الهزيمة والنجاح، والتي أبدعت الفنانة نادين في تصوير سلوكها الخارجي المتسم بالكبرياء، وبالعمل كخادمة، كقدر لا يأخذ من وهجها وهيبتها الإنسانية كانت لا تعكس ذاتها فقط بل حركة مجتمع يناضل من أجل البقاء من منظور الأمل الداخلي وهي رسالة فيلم أمينة..
ويتابع الفيلم في إعطاء المرأة مكانتها الاجتماعية المهمة مقدماً شخصيتين متميزتين إلى جانب أمينة، الأولى هي سهيلة الابنة التي قامت بدورها الفنانة الجميلة الموهوبة لمى بدور، والتي تألقت بأدائها وهي تمثل تلك القوة والانطلاقة التي لا تتوقف عند حدود المعيش بل تذهب إلى ابتكار الحلول، وها هي تجد أسلوباً للتفاهم مع أخيها المقعد عبر تحريك عينيه فقط بعد استلهام أسلوب فيلم سينمائي، وهي التي لا تخضع لابتزاز ثري قذر يهدد العائلة بسندات مالية للحصول على سهيلة بالقوة.
ويقدم زيدان الممثلة القديرة لينة حوارنة في دور مهم رغم قصره، وهي امرأة ثرية، تعمل أمينة لديها، وتزرع في قلبها أملاً بأنها ستمشي، وتمشي لأنها حصلت على العلاج الفيزيائي والنفسي، هذا الدور الصغير الذي استطاع توسيع دائرة الحقيقة الاجتماعية التي توفر للأغنياء ما لا يتوافر للفقراء الذين يتمسكون بأمل يضيء وجه أمينة وهي تكذب حالمة بأن ابنها سهيل سيمشي فعلاً، فتزرع الأمل في نفس المقعدة الثرية التي تستمع إليها.
وأضيف إلى عائلة الفيلم النسائية اسم السيناريست سماح القتال التي شاركت الفنان أيمن زيدان في كتابه السيناريو، وأضافت تفاصيل بيئية ونسائية وأبعاداً بصرية في أكثر من عمل سابق.

شهيد الفساد!
يتجاوز الوضوح الفكري، والموقف الأخلاقي، والحلم الوطني موقعه كركيزة وجدانية لفيلم أمينة إلى كونه منطلق التجربة الإبداعية لأسلوب أيمن زيدان، ذلك أن الحرية الداخلية التي يريدها تعطي مشاهده السينمائية انطلاقة تمضي بتصميم لرسم تفاصيل غنية تحرر شخصياته من قيودها، وتجعلهم يتماهون في بيئتهم مع نداء أملهم الداخلي، راسماً على وجوههم وفي عيونهم وحركتهم سلوكاً لا تراه سوى العين السينمائية التي ترصد العلاقة بين المصير الإنساني الفردي والوطني العام.
وتأخذ قضية البطل المقعد سهيل مكانها المحوري في الواقع الفني لفيلم أمينة لتكون الأزمة التي تدور حولها الأحداث متصاعدة حتى الذروة، ومتمثلة بسلسلة تضحيات العائلة والإصرار على مواصلة الحياة بمعنى شقاء سهيل من عجزه راسمة سلوك الأم والأخت بين الواقع والأمل.
وتمثل حقيقة استشهاد سهيل في بيته بعد إصابته في ساحة الحرب، البعد الأكثر جرأة، حيث تكشف واقعيته الفنية أن «سهيل» يستشهد مرتين، الأولى على أرض المعركة، والتي لم تصبه بمقتل، والثانية على يد الفساد والابتزاز المحيط بالعائلة، الذي يكون العقبة الرئيسية أمام تعافي سهيل ونجاح العائلة.
حيث ينفتح البعد الفني على آفاق وطنية أبعد وأقسى من ساحة القتال.. ويقدم أيمن زيدان المخرج المبدع جود سعيد كممثل قدير استطاع بتحريك عينيه فقط تقمص شخصيته البطل سهيل، المسجى على فراش التضحية وكشهيد راض ومتصالح وفخور بتضحيته، ليكون مركز سعي العائلة لتخطي الأزمة والإصرار على الشفاء بالأمل، لنشاهد أجمل التفاصيل السينمائية والمشاهد المبتكرة التي يؤديها جود سعيد ونادين ولمى بدور وهم يمارسون واقعهم وتحديهم وحلمهم في بيت قروي قديم وإمكانيات مادية فقيرة.
حيث تسير أحداث الفيلم في طريق الحلم والأمل وربما التعافي بعد تضحيات العائلة وشجاعتها تظهر تلك البقعة السوداء داخل البيئة المكافحة ليكون وجه الفساد ممثلاً بثري يبتز العائلة ويهددها للحصول على الابنية سهيلة السبب الرئيسي لاستشهاد سهيل على فراشه.
ويجسد المثمل القدير قاسم ملحو ببراعة دور هذا الفاسد الذي يحاول أيضاً اغتصاب سهيلة أمام مرأى عيني أخيها المقعد، ويرسم الخاتمة الفاجعة عندما يأتي للمرة الثانية مهدداً سهيلة بالفضيحة بعد خطبتها لمن اختارت ما يجعل «سهيل» يتعرض لصدمة نفسية وصحية أخيرة تسبب له الموت، ليكون الفساد عدواً داخلياً يتوازى مع العدو الخارجي الذي تصدى له سهيل في الميدان.

ابتكار المستقبل
يذكرني فيلم أمينة بقصيدة للشاعر الكبير أدونيس كتبها في الخمسينيات من القرن الماضي وهي تقول: «من هنا من موطني ابتكر المستقبلا» وذلك عند بدايات تأسيس الدولة السورية، فيلم أمينة ينظر إلى تأسيس جديد بعد التضحية والانتصار إن المشاهد البصرية البانورامية التي تنتقل بين الجبال والسهول البكر والغابات تضع بيت أمينة القديم في حضن الوطن، وتجعله يختار مواصلة الحياة باكتشاف سبل جديدة للعمل ليكون مكان انبثاق أمل جديد.
ويراهن الفيلم على إصرار الجيل الشاب متمثلاً بسهيلة وخطيبها الشاب الواعد، الذي يؤدي دوره الفنان الموهوب حازم زيدان، ليكون استمراراً للشهيد سهيل، ويكون هذا الثنائي ما تبقى للعائلة من أمل، وظهيراً لأمينة وخلفية تمسكها بالأرض حيث ينتهي الفيلم بذهابها لحراثة البيدر، المشهد الذي لا يخلو من اتهام ويأس وإحباط، لولا أنه فعل مصر على الحياة والعمل فوق سنابل محروقة.
وتشكل نهاية الفيلم حيث تصبح أمينة الحصان الذي يحرث بقعة البيدر السوداء ذلك التماهي بين الواقعية السردية والواقعية الفنية حيث تمضي كاميرا الفيلم لتوثق تلاحم الإنسان والبيئة التي تتحول من صامتة إلى ناطقة، وها هو البيدر بحالاته المتعددة منذ بداية الفيلم: بسنابله الذهبية، وبكونه إرثاً تحب أمينة الحفاظ عليه، ثم بقعة سوداء محروقة، يكاد يكون شخصية ترصد حركة واسعة الدلالات تكافح للخروج من معاناة الفساد كما الحرب.
إن فيلم أمينة الذي يبدأ من آخر تطورات الموجة السينمائية الجديدة، ليكون أحد أبرز وأنضج الأعمال السينمائية في واقعيته الفنية، يشير أيضاً إلى أن تيار السينما السورية الآن يأخذ مجراه العميق، ويكتب مع أمثاله من الأعمال السينمائية المتميزة مواصفات هوية وطنية تجعل أفلامها باقية، لا عابرة مع شروط آنية، ووصف البقاء هنا للسينمائي ووزير الثقافة محمد الأحمد الذي شغله هذا الهدف لأكثر من ربع قرن مضى.

مقالات ذات صلة

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock