ثقافة وفن

سلمى الحفار الكزبري.. والهوية الثقافية السورية … غسان كلاس: تفوقت عبر نتاجاتها المتعددة في الأدب حسن الأحمد: أرادت الوصول إلى امرأة عربية أصيلة

| سارة سلامة- ت: طارق السعدوني

مع الأديبة والروائية والشاعرة سلمى الحفار الكزبري تسدل ندوة «سوريات صنعن المجد» ستار شغلها على مدار عام كامل، قدمت خلاله أبرز النساء السوريات المبدعات اللواتي قدمن وعملن وحفرن اسماً سجله التاريخ، وتناول مدير الندوة التي نظمتها وزارة الثقافة بشكل شهري الدكتور إسماعيل مروة حياة الأديبة الراحلة وما حملته على كاهلها، متوقفاً عند نتاجات الأديبة والإرث الوطني الذي حملته على عاتقها، والمكانة المهمة التي شغلتها في الأدب السوري بالعصر الحديث، لافتاً إلى أن المكتبة الوطنية تفتقد إصداراتها التي تجاوزت 23 كتاباً طبعت في بيروت. راجياً من وزارة الثقافة إعادة طباعة كتبها نظراً لأهميتها وتخليداً لمسيرتها الأدبية المهمة. ‏

سفيرة للثقافة والأدب

وبين الباحث غسان كلاس في محوره بعنوان «ملامح من سيرة سلمى الحفار الكزبري» أن: «الحديث عن الكزبري بوصفها مثقفة وعاصرت أهم أحداث العرب في العصر الحديث، وتمثيلها للعلاقة الإشكالية القائمة على مر العصور بين الشرق والحرب، يأخذ منحى مختلفاً غير معهود، وقد لا تقدم الكزبري تصوراً معقداً للعلاقة بين الشرق والغرب، ذا أساس فكري عميق، لكنها كانت تصرّ دائماً على أن تقدم نموذجاً من خلالها هي نفسها يردم إثبات الذات أمام غرب ملتبس وواقع تحت سلطة الإعلام، مستنداً إلى حسّ المرأة العالي وذوقها الرفيع، ومتابعتها أدق التفاصيل، وإنسانيتها التي ندر مثيلها».
وبين كلاس أن «الأديبة أفادت من الجو المعرفي الذي نشأت وترعرت فيه، كما أفادت من أسفارها ومرافقة زوجها السفير إلى الأرجنتين وتشيلي وإسبانيا فتعرفت على الشعوب، وحضاراتها وعاداتها وتقاليدها، وأضافت إلى اللغات التي تعلمتها، إضافة إلى لغتها الأم، اللغة الإسبانية، ما انعكس على إبداعاتها وكتاباتها، كما أنها تتحدث عن حبها لوالدها الذي تعتبره مثلها الأعلى وتهاجم خصومه، كل ذلك إلى جانب الحديث عن وقائع من حياتها الخاصة، ومشاركتها في الحفلات والمناسبات الاجتماعية».
وأوضح كلاس أن «الكزبري عالجت في روايتها مشكلة هجرة الأدمغة، العلماء العرب الذين تخصصوا في الغرب وآثروا البقاء فيه لأن أوطانهم طغت عليها السياسة والجهالة، فحالت دون وصولهم إلى المراكز التي يجب أن يشغلوها بحكم تخصصهم وكفاءاتهم!».
وأضاف كلاس إن: «الكزبري تفوقت عبر نتاجاتها المتعددة في الرواية والقصة والشعر والسيرة الذاتية والبحث والتحقيق ورغم أنها كانت تحمل عصا الترحال لكنها وضعت دراسات لكثير من الإعلام بدءاً من والدها لطفي الحفار أحد المناضلين بوجه الاحتلال الفرنسي، كما أنها نظمت الشعر باللغتين الفرنسية والإسبانية ولديها 4 مجموعات حملت عشقها لدمشق».
وفي نبذة عن مسيرة حياتها يقول كلاس إنها: «تزوجت من محمد كرامي وبعد وفاته تزوجت من أستاذ الحقوق نادر الكزبري الذي أصبح سفيراً فيما بعد، لتكون عندها فرصة في الاطلاع على الآداب الغربية والتواصل مع الأدباء وإلقاء العديد من المحاضرات في إسبانيا وغيرها، ونالت العديد من الجوائز فكانت بحق سفيرة سورية للثقافة والأدب والإنسانية».

أعباء النهضة النسوية

وفي محور «أدب الأديبة الروائية سلمى الحفار الكزبري» توقفت الدكتورة في جامعة دمشق سحر شبيب قائلة إن: «الراحلة حملت أعباء النهضة النسوية متسلحة بوعي وطني يتميز بإدراك ما يحيطه من أخطار كما تميزت بتفاعلها مع مشاكل المرأة في مجتمعها ليبدأ مشوارها مع القلم الذي أخذ مداده من عشق الوطن ومن التزام فكري وحضاري، وخاصة أن أعمالها تعتبر نحتاً للواقعية في مضامينها وكانت تقرن قضاياها دائماً بالوطن».
وأفادت شبيب إن «أعمالها كانت تغرف من قضايا المجتمع والواقع راصدة الصور الإنسانية والاجتماعية والوطنية لإيمانها بأن الأدب رسالة، ما جعلها تكرس نتاجاتها لالتزامها الوطني وهذا اتضح بتأثير الثقافة العربية على الثقافات الأخرى، كما اهتمت الكزبري بحياة الأديبة مي زيادة ورسائلها وأصدرت كتاباً في رسائلها وقد نشأت بينهما صداقة حميمة كما صداقتها مع نزار قباني».

حس المرأة العالي

أما المحور الذي قدمه الدكتور حسن الأحمد فكان بعنوان «ارتباط الأديبة بالأندلس وحضارة العرب» مستعرضاً ما قدمته من كتب ومنها (يوميات هالة) الذي اعتمدت فيه على: «أسلوب المذكرات، فهو يوميات من حياة فتاة أرستقراطية مترفة، تتحدث عن وسطها الاجتماعي ونشأتها وتربيتها، وتصف مجريات الأحداث حولها، حيث تبدأ بالحديث عن طفولتها في السابعة من عمرها عام 1940، وتقدم مشاهد مختلفة عائلية واجتماعية عن مدرستها وتعلمها وإتقانها اللغة العربية والفرنسية، وتقدم مشاهد عن مجالس والدها ذي المرتبة الاجتماعية البارزة، إلى أن تتحدث عن زواجها، ولا تنسى أن تذكر لمحات عن احتفائها وأهلها بنباهتها وبمواهبها الثقافية والشعرية».

وبين الأحمد أن: «سلمى لم تكن مجرد وسيط بين الثقافتين العربية والغربية بل قدمت فيهما تصوراً بسيطاً يستند إلى حس المرأة العالي رغم أنها عاشت في الغرب خلال فترة عربية مأزومة من دون أن يؤثر ذلك في انتمائها متناولة حضور الإنسان العربي الثقافي في الحضارة الغربية والإسبانية وخصوصاً تأثر الشعراء الأوروبيين بنظرائهم من العرب الأندلسيين، لافتاً إلى أن نظرتها المشتركة لحضارة الأندلس مع الراحل نزار قباني هي أحد أسباب صداقتهما القوية التي استمرت سنوات، كما أنها جمعت بين حساسية المرأة المثقفة المسؤولة وسلامة الذوق ونضج الفكر وحسن التمييز ونشاط الحياة».
وأضاف الأحمد إن: «مما لا شك فيه أن الكزبري لم تكن في وارد الانبهار بوضع المرأة في الغرب، كما لم تكن مشغولة بنمط العلاقة التي تربط بين الرجل والمرأة في الغرب، لقد أرادت الوصول إلى امرأة عربية أصيلة ابنه ثقافتها وهويتها، في المجتمع، أو في علاقتها بالرجل، حيث قالت في محاضرة لها في مدريد (إذا كنت سأتحدث عن المرأة، عن دورها في تاريخنا وفي أدبنا، أرجو ألا تظنوا أنني سأهاجم الرجل.. فكيف وهو الذي صنع التاريخ وكتبه، وسن القوانين، ونشر الشرائع».

سيرة ذاتية

ولدت سلمى الحفار الكزبري في دمشق في الأول من أيار عام 1923 في بيت عُرف بالسياسة والوطنية.
تلقت الأديبة والباحثة الراحلة دراستها الابتدائية والإعدادية والثانوية في مدرسة راهبات الفرنسيسكان في دمشق، أتقنت خلالها اللغة الفرنسية وتعلمت الإنكليزية.. وكان لمكتبة والدها الغنية بكتب التراث العربي فضل كبير في إنماء وتوسيع معارفها وثقافتها. إضافة إلى الفرنسية والإنكليزية مكّنتها إقامتها في إسبانيا من تعلّم اللغة الإسبانية، وهذا ما مكّنها من إلقاء محاضرات في مدريد وبرشلونة عن المرأة العربية في التاريخ.
أسست الأديبة الراحلة عام 1945 جمعية «مبرّة التعليم والمواساة» التي أخذت على عاتقها تربية الأطفال اللقطاء منذ ولادتهم وحتى بلوغهم السابعة من العمر.. شاركت في عدة مؤتمرات اقتصادية اجتماعية عالمية، كما شغفت بالموسيقا العالمية وتعلمت العزف على البيانو على يدي الأستاذ بيلينغ الروسي وكانت قد عرفت أبجديته وهي طفلة على أيدي الراهبات.. كان لأسفارها الكثيرة في أوروبا والأمريكيتين والهند وإيران دور في تعرفها إلى مشاهير الأدباء والشعراء حيث تبادلت معهم الرسائل فيما بعد..
كانت في عمر السادسة عشرة حين نشرت أولى مقالاتها في مجلة «الأحد» في دمشق وجريدة «أصداء سورية» التي كانت تصدر بالفرنسية وكتبت «يوميات هالة»، وهي مذكرات أهدتها إلى روح الزعيم سعد الله الجابري.
تنوعت كتاباتها بين القصة القصيرة والرواية والسيرة والشعر والمقالة والدراسة الأدبية والتحقيق، فقد أصدرت ثلاثة دواوين باللغة الفرنسية هي: «الوردة الوحيدة» 1958، و«نفحات الأمس» 1966، وكذلك ديوان «بوح» إضافة إلى مجموعة شعرية كتبتها باللغة الإسبانية بعنوان «عشية الرحيل».
من قصصها القصيرة: «حرمان» 1952، «زوايا» 1955، «الغريبة» 1966، «حزن الأشجار»1986.. وفي الرواية كتبت: «عينان من إشبيلية» 1965، «البرتقال المر» 1975. أما في السيرة فلها: «نساء متفوقات» 1961 وكذلك «عنبر ورماد» 1970، «جورج صاند» 1979 و«مي زيادة أو مأساة النبوغ» سنة 1987.

مقالات ذات صلة

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock