ثقافة وفن

غنوم والخط حبّ

| إسماعيل مروة

أول مرة سمعت اسمه ورأيته حين قصدت معهداً تقنياً فنياً لاتباع دورة في الخط العربي مع أحد أصدقائي، فأنا مغرم بالخطوط واللوحات والإعلانات، وأكثر ما كنت أبحث عنه توقيع كاتب الخط، فتارة بدوي الديراني، وأخرى حلمي حباب، ومرة قنوع وأخرى وأخرى، حتى تمكنت مني ملكة التذوق والحكم على الخطوط، وحين قصدت ذلك المعهد التقيت الأستاذ ولم أكن قد قرأت اسمه على أي لوحة، والقدر والتوقيت لم يسعفاني في اتباع الدورة التي تابعها صديقي خير الله حتى أتقن خط الرقعة بشكل كبير، وكثيراً ما حدثني عن أستاذه البارع غنوم، وأخبرني أن الأستاذ له لوحات فنية في الخط وهي لوحات ملونة وكبيرة، ومن ثم حدثني الأستاذ الأديب البارع أحمد المفتي، وهو أحد سادة الإبداع في الخط عن تجربة محمد غنوم، وهذه أول مرة أرى لوحاته، وأسمع نقداً فنياً عن تجربة غنوم، ولم يعد ذلك الأستاذ الذي يعلم الخط في دورات، وكان لقائي الأول بالفنان عام 1994 مع أستاذي الراحل ياسر عبد ربه، في ذلك اليوم أقبل غنوم بابتسامته وضحكته وودّه، وكانت الفرصة الأولى لمعرفة غنوم وصور لوحاته، فهو أكاديمي خريج كلية الفنون الجميلة وأستاذ في الكلية ذاتها لمواد عديدة، وأقام معارض كثيرة في مختلف بلدان العالم ولوحاته موزعة في أهم الصالات والبلدان، وحين حاورته عرفت قيمة تجربته وغناها بالحرف واللون والفكرة، ولم أكن أتوقع أن تستمر العلاقة الطيبة والفنية معه، فهو فنان كبير تجاوز الحدود، وحظي باحترام الكثيرين، ومنهم أستاذي الذي أجلّ رأيه وأحترمه.
نشر الحديث في «الشهر» يومها، وليس لي إلا الحوار والصياغة، وما فعلته كان بتكليف من رئيس التحرير وصاحب المجلة، لكن ما يحمله محمد غنوم من حب وتواضع في غنى تجربته الإبداعية كان مفاجئاً للغاية، وخاصة أنني لا أنتمي إلى الوسط التشكيلي إلا بالصداقات، وفي كل محاضرة أو معرض كنت ألتقي الدكتور غنوم وأجد منه وداً قلّ نظيره، ما شجعني على التواصل معه بشكل مستمر هاتفياً أو شخصياً، وفي هذه الأثناء كنت أستمع إلى فنانين يتحدثون عن تجربته بتقدير واحترام، وعن آخرين يتحدثون بنقد فني متوازن، وقلة من الذين يحاولون النيل من تجربته، ومن أنها تقليدية حروفية مقعدة ليس فيها الآفاق الإبداعية، وحين كان يسمع هذا الكلام يبتسم ويقول: هذا رأيهم وكنت ألتقيه في معارض فنية متواضعة لفنانين دونه مكانة وعمراً وتجربة، فيشارك ويتحدث عنهم، ويجاملهم مع أنهم لا يستحقون، وبعد مغادرته أسمع منهم كلاماً مغايراً وأغلب كلامهم شهوده راحلون، فأدرك أهمية الحب والإنسان عند غنوم.
وحين أخبرته مرات بكتب أنجزها نزل عند رغبتي بتصميم لوحات خاصة أغلفة لها، ومرات أعطاني لوحات «جاهزة أغلفة»، والمفاجئ أن جميع هذه اللوحات الخاصة وغير الخاصة قام الصديق الدكتور بإهدائها لي، وعدّها ملكية خاصة للكتاب وصاحبه.
وتأكدت من حبه ونبله أنه عندما بدأت صحيفة «الوطن» بالصدور قام برسم لوحة متفوقة تحمل اسم «الوطن» وهي تزين مدخل الصحيفة، وزاد من مكانته ذلك الود الذي بقي مستمراً مع الأستاذ وضاح عبدربه رئيس التحرير، هذا الاحترام والود الذي قلّ نظيره مع الفنانين، لكن الحب عند غنوم جعله مختلفاً عند عارفيه وأصدقائه.. وحين أقبلت الحرب على سورية دفع غنوم الثمن غالياً في لوحاته الخاصة وفي اللوحات التي يقتنيها، ولم يغير ذلك في روحه وانتمائه، وبقي يرسم دمشق وحلب ومعلولا والشام، والوطن بألوانه وحروفه وروحه، وحين أنهك الوجع على الوطن أوصاله خضع لعلاج طويل ولكنه عاد أحدّ بصراً، وأكثر إبداعاً لسورية ومعارضها وفعالياتها ولم يتحقق قول كثيرين من أنه غادر بلاده، بل إنه كان أكثر تمسكاً وتشبثاً بطلابه وكليته وأصدقائه وفنه، وجماليات حرفه الذي يقطر حباً ونبضاً ودماً وفياً.
غنوم أيها المحب الجميل، وأيها المنتمي إلى العشق في كل تفاصيل روحك وحياتك، أنت في مكانتك تسمو مع الحرف الذي جعلته سفيراً من دون أن تشوهه ووزعته في أصقاع العالم، يحمل روحك وروح اللوحة، وجمالية الحرف العربي، والتكوينات المبدعة شكلاً ولوناً ولوحة.
بالأمس كنت عند أحد الأصدقاء، فذكر محمد غنوم وتجربته، وحين شعرت أنه يتحدث بشيء من النقد غير العلمي لتجربته، فاجأته بالقول: لكنني أحبه وأحب تجربته خاصة في الوطن ودمشق والشام والحب ومعلولا، هو الذي حول الدمار إلى لون قد يعيد للنفس تفاؤلها، وهو الذي أخرج معلولا من الخراب لوحة مشرقة تجوب العالم، وهو الذي لم يتسرب إلى لونه شك في انتصار الوطن وإشراقه، وهو الذي بقي اللون الذهبي يزيّن هامة الوطن، ومدائنه عنده، فاستدرك: لكنه تقليدي، وأنا أحبه!.
إن كان الوضوح تقليدياً فليكن
ولكن الأكثر أهمية عند محمد غنوم هو الحب، وربما كان هذا هو التقليد الوحيد الذي لا يجيده الكثيرون، فما من أحد حتى وإن كانت معرفته به بسيطة يطلب أمراً إلا وقدمه له هدية من دون مقابل- فهل هذا تقليد غير إبداعي؟
إن غنوماً تقليدي حقاً في حبه وفي التعبير عنه، حتى تحول الحب عنده إلى تعشيق باللون والحرب، حتى لتكاد لا تميز بين المحب والحب.
بنى محمد غنوم عالماً من الفن الخاص به، طوّره بطريقته وخلق مدرسة خاصة به، إن وافقه الآخرون أو خالفوه ستحمل اسمه الخاص، ونكهته وألوانه، وقمة ألوانه الحب الذي يعرّش نقطة ثلاثية فوق الشام أو دمشق.
فليهنأ الحب عندك الذي كان طبعاً عندك.. وعند الآخرين تطبعاً.

مقالات ذات صلة

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock