ثقافة وفن

جبابرة (آمال) أطفال يفتحون البوابة لمستقبل جديد … في اليوم العالمي للتوحد تسعة عشر طفلاً تألقوا في عرضهم المسرحي (وجهان)

| سوسن صيداوي- ت: طارق السعدوني

غص المسرح بجمهور يشدّه الحماس، حتى الأماكن لم تعد متوافرة، ومن بقي في الخارج مكتفيا بالصوت ومستعينا بخياله ليعرف ماذا هناك في الداخل، لا يقل مطلقاً عمن دخل وتحدى الازدحام مع ضيق النفس للوقوف والمشاهدة في عرض استمر خمسين دقيقة. محاسن المصادفات أدخلتني إلى غرفة الكونترول، لأكون شاهدة على هذه الولادة الجديدة لأطفال هم جبابرة الحياة، وأثبتوا بحق أنهم آمالها. بمناسبة اليوم العالمي للتوعية باضطراب التوحد الموافق للثاني من نيسان من كل عام، أقامت المنظمة السورية للأشخاص ذوي الإعاقة(آمال) تجربة إنسانية، في عرض مسرحي على خشبة مسرح الحمراء بدمشق لأطفال مركز التوحد بعنوان: «وجهان» من تقديم الفنان أيمن زيدان وإخراج نجيب حبال، بمشاركة 19 طفلا. تم عرض ثلاث من حكايات الأطفال العالمية هي: «سندريلا» و«بائعة الكبريت» و«ليلى والذئب» بأسلوب دال على عنوان العرض(وجهان) حيث لكل حكاية وجهان، الأول هو ما نعرفه، أما الوجه الثاني جاء جديداً ومختلفاً من خلال تقديم صور للشخصيات، فيها من الأمل الكبير مع تأكيد أن الاستسلام للقديم والماضي في الحياة هو أمر لا يمكن تعويضه، وأنّ الحياة تعلمنا عند الأخذ أن نبادر إلى العطاء، إضافة إلى الكثير من القيم الجميلة وهي حقا راسخة ويعيشها أطفال التوحد في عالم عزلتهم ووحدتهم الخاصتين. تتالت الصور وتغير معها الديكور والموسيقا مع الحكاية، في دقة وسرعة بمساعدة المشرفين، مع دخول وخروج للأطفال المشاركين بانسيابية ومرونة، متابعين للّون الأزرق المثير الحركي لهم، مؤكدين لنا رغم المشتتات-المقصودة وغير المقصودة من الجمهور-بأنهم معنيون ومسؤولون ولا يقلّون عنا أو يختلفون بشيء، وحضورهم كان جادا ويدل على تجاوبهم مع التدريبات التي استمرت بمنهاج المنظمة الدرامي أربعة أعوام، كلّ تلك الصور والعناصر مع الجهود، ختمت العرض بحالة من السعادة البادية على الجمهور والفرح بما أنجزه أطفال التوحد من«سميهم الجبابرة الخارقين».

كلمة (آمال)
بداية وحول العرض أوضح الدكتور علي تركماني رئيس مجلس أمناء منظمة (آمال) أنه بعد أربع سنوات من المضي في نهج النشاط المسرحي الهادف للتأهيل، تأتي التجربة المسرحية (وجهان) وتنطلق -في بطولة مطلقة- مع تسعة عشر طفلاً، بعد ثلاثة أشهر من العمل الجاد والدؤوب، وتطورت التجربة حتى أصبح الأطفال ممتلكين لقدرة الوقوف على خشبة المسرح وحدهم رغم كل المشتتات، أمام جمهور غفير وإضاءة ومؤثرات صوتية متنوعة، متابعاً سننتقل في هذا العرض المسرحي «وجهان» إلى محافظات سورية أخرى، في طرطوس/الثلاثاء 16 نيسان على المسرح القومي الساعة السادسة مساء، وفي اللاذقية/الخميس 18 نيسان على مسرح المركز الثقافي العربي الساعة السادسة مساء، وأحب أن أؤكد عبر هذه المبادرة أننا سنتوجه إلى الجمهور، على أمل أن يرى أكبر شريحة من المجتمع العرض، لتكون متأكدة مما يستطيع هؤلاء الأطفال القيام به من نشاطات هي حقا مبهرة». مضيفاً: إن هذه المبادرة انطلقت متزامنة مع اليوم العالمي للتوحد، بتسليط الضوء على اللون الأزرق، وهو اللون العالمي للتوحد، الذي يشير إلى أهمية التوعية بالتشخيص والتدخل المبكر مبيناً أن «المنظمة بدأت بدعم أطفال التوحد ورعايتهم من خلال صفوف تعليمية، منذ عام 2006، حيث يضم كل صف ستة أطفال دون سن السادسة من العمر، عبر توفير التأهيل والبيئة الداعمة، كي يتمكنوا من المشاركة بشكل فعال ومستقل في مختلف نواحي الحياة». لافتاً في ختام حديثه إلى أن (آمال) تعمل بالتعاون مع الأمانة السورية للتنمية، لافتتاح فرع لها في حلب، لتقديم خدمات لأكبر عدد من أطفال التوحد.
كلمة المخرج… نجيب الحبال

وفي تصريح لـ«الوطـن» بيّن نجيب الحبال مدرب الدراما في المنظمة ومخرج المسرحية أن العمل في النهج المسرحي بدأ منذ أربع سنوات ضمن الخطة التربوية للأطفال، شارحا مدى صعوبة العمل مع طفل التوحد: «طفل التوحد هو طفل حساس جدا، وعناصر المسرح من إضاءة وديكور وصوت هي أمور مزعجة بالنسبة له، فهو لا يلتزم بمكان، ولكننا استمررنا بالعمل معهم المدة الزمنية التي ذكرتها على منهاج الدراما، حتى بدأ الأطفال يعتادون هذه العناصر، وتمكنا من الوصول إلى عرض (وجهان) الذي استمرت تدريباته الخاصة مدة ثلاثة أشهر فقط، ويشارك به تسعة عشر طفلاً، أعمارهم تتفاوت بين أربع سنوات وإحدى عشرة سنة، مع مستويات مختلفة من اضطراب التوحد». وعن العرض يضيف «في المسرحية سيشاهد الجمهور حركات نمطية للأطفال وسيتحركون بصور تعبيرية ضمن عرض مدته خمسون دقيقة، والعرض (وجهان) يحكي عن قصص عالمية وهي: ساندريلا، ليلى والذئب، وبائعة الكبريت. وأتت التسمية (وجهان) لأننا سنرى وجها آخر للقصص، لقد قمنا بتغيير نهاياتها وقدمناها برؤية مختلفة».

مقدم (وجهان) أيمن زيدان
من جانبه أخبرنا الفنان أيمن زيدان بأنه قام بزيارة منظمة (آمال) وشاهد العملية التربوية والعلاجية للأطفال، لافتاً إلى إعجابه الكبير بمشروع المنظمة التربوي بالانطلاق من المسرح لتعزيز خيال طفل التوحد وإطلاقه وتدعيم ثقته بنفسه، متابعاً «في الحقيقة خلال زيارتي للمنظمة، شاهدت مدى خصوصية وضع أطفال ذوي الإعاقة بالعموم، وأطفال التوحد بالخصوص، والتجربة التي تقوم بها المنظمة من حيث العمل في النهج المسرحي ضمن الخطة التربوية للأطفال، هي خطوة مهمة جدا، ويبذل بها الجهود أشخاص مختصون وعلى قدر كبير من العطاء والخبرة والقدرة العالية على بذل النفس، وكل ما رأيته خلال زيارتي جعلني حقيقة أرغب بأن أقدم التجربة المسرحية (وجهان) لتأكيد أهمية الشروع الحقيقي في دمج ذوي الإعاقة في المجتمع، وفي هذه المشاركة أقول ليس لي منة في هذا العرض، بل هو واجب أخلاقي، والفنان الذي لا ينشغل بالشأن العام هو فنان مقصر، وأنا شخصيا مؤمن بهذه التجربة وأدعو كل زملائي الفنانين للترويج لهذه الأعمال الإنسانية وأن نلقي الضوء عليها، وعلى الجهود المبذولة في إعادة تكوين الأطفال الذين لديهم وضع خاص، وبالتالي أوجه كل التحية للعاملين في المنظمة على جهودهم المبذولة التي هي فوق التصور، وخاصة أنهم يملكون من الإمكانات المتاحة التي تسعى بكليّتها لتجعل الغد أجمل والغد أفضل». وعن جمالية العرض وقدرة الأطفال رغم وضعهم الخاص على النجاح في الأداء تابع الفنان زيدان «بالرغم من عناصر المسرح وطقسه الصعب، هؤلاء الأطفال أسروني رغم تحدياتهم الشديدة، كيف وصلوا إلى هذه اللحظة السحرية بالوقوف على الخشبة وتحدي كل المشتتات من ضوء وصوت وجمهور، لذلك أشيد بالجهود المبذولة ما قبل العرض، ولا شك بأنها جهود جبارة، لقد كان عرضا عظيما، وبرأيي كمخرج مسرحي- وأنا ضعيف ولا أجرؤ حقيقة على تنفيذ ما شاهدته- هذه العروض بالغة في التعقيد وبحاجة إلى مختصين ليتعاملوا مع الأطفال وتصلهم إلى اللحظة السحرية في اعتلاء المسرح، ولكن من واجبنا أن نلقي الضوء على هذا الجانب بأي فرصة ممكنة، لكونه مشروعاً كبيراً ويقدم حلولاً علاجية لدمج هؤلاء الأطفال في مجتمعنا، فعلينا ألا نخجل، بل واجبنا أن نأتي بهم إلى دائرة الضوء، من خلال تشجيع الأهل بالفحص المبكر للأطفال، وضمّهم للمنظمة التي تعمل على مساعدتهم للخروج من العتمة، لصناعة غد أفضل لهم».

حب كبير… من مظهر الحكيم
على حين أكد المخرج والمؤلف مظهر الحكيم ضرورة التمسك بذوي الإعاقة وبذل كل ما أمكن من جهود لتعليمهم حتى يستطيعوا أن يغنوا لنا بتميّزهم قائلاً «منذ وقت طويل وأنا أتابع هذه الحالات، فهؤلاء الأطفال نحن بحاجة لهم، لا العكس، لأن فيهم من الذكاء وفيهم من الفهم، وفيهم من العقليات، التي لا تختلف عنا على الإطلاق، ونحن عند رعايتهم، نكون قد قمنا بالاهتمام بوجودنا ورعاية أنفسنا، بل إننا نقوم بالاهتمام بالأمل الزكي الذي خلقه اللـه فينا، وبالتالي نحن مع هؤلاء الأطفال لتحقيق بناء سورية، لأنهم كأي جيل كان، هو جيل سوري، وهو في النتيجة ابن سورية سواء أكان لديهم وضع خاص أم لا، لذلك من واجبنا الاجتماعي والحضاري والفكري والفني، أن نرعى هذه الطفولة مهما بلغت الظروف، وأحب أن أشير إلى أنهم جزء لا يتجزأ منا، فحتى عندما اجتزنا سبع سنوات من الحرب على سورية، هؤلاء الأطفال اجتازوا المحنة معنا، وبرأيي هم أطفال حكماء، وهم أطفال أذكياء، صحيح أنهم يعيشون في عالمهم الخاص، لكنهم أفضل منا بكثير، لأنهم يعيشون وحدتهم وعزلتهم بكل براءة وفرح من دون أن يشوبها أو يعكر صفوها أي شرور أو خبث. وأحب هنا أن أشير إلى نقطة مهمة جدا، علينا أن نعتاد التعامل معم بأنهم لا يختلفون عنا في أي شيء. وفي النهاية العرض المسرحي(وجهان) هو بادرة جد مهمة، لتأكيد قدراتهم العالية وإمكانياتهم بأنهم مميزون وليسوا مختلفين، فهم قادرون على الدراسة والتعلّم ومواجهة كل التحديات».

كلام الموسيقي طاهر مامللي
على حين توجه المؤلف الموسيقي طاهر مامللي بالشكر لمن قام بهذه المبادرة ولكل الجهود التي بذلت من أجل الوصول بهؤلاء الأطفال على المسرح، قائلاً «أنا سعيد جداً بحضور العرض المسرحي(وجهان) وأتوجه بكل الشكر ومن قلبي لكل جهد بذل حتى وصلتنا الصورة كما شاهدناها على المسرح، وأقول بهذه المناسبة: للأسف كم نحن مقصرون في حقوق الآخر، وفي التفكير فيها، على حين في العرض، وقفنا مع ذاتنا وشعرنا بالخيبة من نفسنا وخجلنا من تقصيرنا، مع التفكير بواجباتنا وأولوياتنا مع عدم التقاعس عن بذل ما أمكن وكل بحسب موقعه. وأخيراً أتقدم بالشكر لمنظمة (آمال) بكل عامليها، وللفنان أيمن زيدان، وبالطبع الشكر الأول والأخير لأهالي هؤلاء الأطفال لأنهم يبذلون الجهود الحثيثة -بداية من المنزل- كي يطلقوا أطفالهم في المجتمع السوري، وأتمنى أن نكون قد وعينا لتقصيرنا كي نتداركه في المستقبل».

كلمة… من الكادر
على حين حدثنا حنا خوري وهو من العاملين في منهاج الدراما في المنظمة وكمشرف ضوء في عرض (وجهان)، عن الصعوبات التي واجهتم في تدريب الأطفال قائلاً «عناصر المسرح بحد ذاتها سواء أكانت من مساحة وإضاءة أم من صوت وديكور وحركة، جميعها تشكل عائقاً كبيراً لأطفال التوحد على المسرح. في البداية كنا ندرب الأطفال في صفوفهم الخاصة، ومن بعدها بمسرح المنظمة، حيث تأقلموا مع المكان، وطبعا تجدر الإشارة إلى أنهم بحاجة إلى وقت طويل كي يتأقلموا مع أي بيئة جديدة، من حيث حركتهم على خشبة المسرح، أو الإضاءة وحتى أحياناً من حيث الجمهور، فكلها تعتبر من العوامل التي تشتت تركيز طفل التوحد، وهي من الصعوبات التي تواجهنا، فهم محكومون بما يمكنني أن أسميه الروتين وأي شيء أو ظرف جديد يؤثر جداً فيهم».
وعن استخدامهم للضوء الأزرق والإضاءة بالعموم في إثارة حركة الأطفال خلال العرض أضاف «نحن استخدمنا الضوء الأزرق خلال العرض كمثير تمييزي، بمعنى عندما نسلطه على الطفل يقوم الأخير بالدور المطلوب منه، وعندما نطفئ الضوء يتوقف أو يخرج من المسرح».
بينما أضافت بشرى عويجان اختصاصية تربية خاصة بمركز التوحد في المنظمة، إن الأطفال قدموا تجربة سابقة في محافظة حمص، وبسبب التزامهم بالتدريبات كانوا ناجحين وموفقين بأداء العرض الحالي «العرض(وجهان) ليس بالعمل المسرحي الضخم ولكنه يتناسب مع حالة الأطفال، والتجربة المسرحية في المنظمة عمرها أربع سنوات، وخلال هذا الزمن، الأطفال قطعوا مراحل، ففي البداية لم يكونوا حتى قادرين على الحركة أو الصعود إلى الخشبة وحدهم إلا بمساعدة المشرفين، على حين خلال العرض، أصبحوا يتحركون ويدخلون المسرح ويخرجون، يقومون بأدوارهم من دون أي مساعدة، رغم صعوبة التعامل مع طفل التوحد لأن روتينه المحيط هو أمر مهم جداً ولا يمكن التواصل معهم في حال حدوث أي خلل فيه، والتدريبات التي استمرت أربعة أعوام، أهّلت الأطفال أن يلتزموا بالحركة والثبات والتعبير بما هو مطلوب منهم، ومن خلال عرض (وجهان) في دمشق، الهمة أصبحت عالية والمسؤولية أكبر لتقديم العرضين القادمين في اللاذقية وطرطوس».

تجدر الإشارة
تزامناً مع اليوم العالمي الذي أعلنته الجمعية العامة للأمم المتحدة، بتخصيص يوم لاضطراب التوحد، وللفت انتباه العالم بإصابة عشرات الملايين به، واعتباره أزمة صحية عالمية متنامية، تشارك المنظمة السورية للأشخاص ذوي الإعاقة (آمال) الاحتفال من خلال إطلاق مجموعة من الفعاليات التوعوية. وفي هذا السياق انضمت مدينة دمشق بمعالمها السياحية والثقافية إلى آلاف المعالم العالمية التي تضاء باللون الأزرق -اللون العالمي للتوحد- لنشر الأمل ونقل رسالة تضامن وتوعية بالاضطراب الذي يعانيه طفل من بين كل ٦٨ طفلا في العالم. ويضاء هذا العام نصب السيف الدمشقي وساحة يوسف العظمة ومحطة الحجاز ودار الأوبرا وفندق الفورسيزنز.

مقالات ذات صلة

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock