ثقافة وفن

في «أفكار وتأملات» نعيش أكثر من حياة وندخل إلى عالم غوته … عالم متفرد أدباً وشعراً وتأملاً.. ترك أفكاره وتأملاته كما ترك كتبه ونقده إرثاً وثقافة

| سارة سلامة

يوهان فولفغانغ فون غوته (1749 -1832) هو أحد أشهر أدباء ألمانيا المتميزين، ترك إرثاً أدبياً وثقافياً ضخماً للمكتبة الألمانية والعالمية، وبصمة دامغة في الحياة الشعرية والأدبية والفلسفية، متنقلاً في أدبه بين الرواية والكتابة المسرحية والشعر والأدب الشرقي. ما زالنا إلى اليوم نتذكر أعماله الخالدة وأقواله المأثورة.

حيث تم إطلاق اسمه على أشهر معهد لنشر الثقافة الألمانية في شتى أنحاء العالم «معهد غوته» والذي يعد المركز الثقافي الوحيد لألمانيا الذي يمتد نشاطه على مستوى العالم، كما نُحت له عدد من التماثيل حول العالم. وضمن «المشروع الوطني للترجمة» صدر حديثاً عن الهيئة العامة السورية للكتاب كتاب «أفكار وتأملات»، (تأليف يوهان فولفغانغ فون غوته) ترجمة الدكتور هاني صالح صالح الأستاذ في قسم اللغة الألمانية بجامعة (ديدوش) في الجزائر ومترجم معتمد في معهد غوته بدمشق والقاهرة. ويقع الكتاب في 120 صفحة من القطع الكبير. وصمم الغلاف عبد العزيز محمد. هذا الكتاب، الصغير حجماً، المكثف عبارة وتجربة ومعرفة، يجمع كتباً عديدة ويجعلنا نعيش أكثر من حياة، ويدخلنا عالم غوته، صاحب الديوان الشرقي، وملك العفاريت، وصبي الساحر، وفاوست وإجمونت، المتفرد أدباً وفكراً وتأملاً. ما أحوجنا، إنسانياً، إلى قراءة تأملات غوته وأفكاره: من تأملاته نعرف أهمية الاعتراف بالآخر، ومن أفكاره نقف عند مفهوم نقد الذات حباً وحرصاً.. ومن أفكاره، أيضاً، نقف على منابع المعرفة التي وصلت إليه، ثم تابعت إلينا.

غوته الغرب والشرق
ويقول الدكتور صالح في مقدمته: «غوته الشاعر و(الديوان الشرقي)، اسم يتردد على ألسنتنا ومسامعنا، غوته الغرب والشرق، غوته الأدب الألماني العريق، غوته الرؤية الإنسانية العالية. إن ما نحتاجه من غوته ليس الشرقي وحده. أن ما يلزمنا منه ليس تعاطفه مع الشرق فحسب. ماذا عن غوته المفكر والأديب والحكيم والسياسي؟ ماذا عن غوته القارئ والمتابع والقادر على الحكم؟ إن غوته عالم متفرد أدباً وشعراً وتأملاً، ترك أفكاره وتأملاته كما ترك كتبه ونقده، فكان التأمل جزءاً من كتاب، وكان حيناً للتفكر وحده».

في الفلسفة
قد نلاحظ في معترك الحياة فجأة أننا وقعنا أسرى خطأ لم يكن في الحسبان تجاه أشخاص أو أشياء، كأن نحلم بعلاقة معهم سرعان ما تجافي الواقع عندما نستيقظ من هذا الحلم، ومع ذلك لا نستطيع التخلص من هذا التفكير، كأن هناك قوة لا ندركها تلزمنا بذلك، ولكننا قد نعي أحياناً بوضوح، وندرك أن الخطأ يمكن أن يدفعنا ويحفزنا، كما الواقع، إلى العمل والتصرف. وكما أن للعمل تبعاته في كل مجال، كذلك يمكن للخطأ- إذا دخل قيد الإنجاز- أن يصبح ذا تأثير بيّن، لأن تأثير كل عمل يؤدى يستمر إلى ما لا نهاية. وهكذا فمن الطبيعي أن يكون التنفيذ هو الأفضل، إلا أن للعدول عن هذا الحلم وعن تنفيذه حسناته أيضاً.
لكن الخطأ الأجمل والأروع هو ذاك الذي يتعلق بأنفسنا وبقوانا الذاتية، كأن نندفع إلى عمل جدير أو صفقة شريفة لسنا قادرين على أدائها، أي أن نسعى إلى هدف لسنا بقادرين على تحقيقه مطلقاً. أما العذاب الأليم الناتج عن الشعور بعدم القدرة على التحقيق- مهما كانت الظروف- فإنه أشد إيلاماً للشخص كلما كان سعيه إلى هذا الهدف الحلم أكثر جدية وصدقاً. ولكن غالباً ما يحدث أن نرغب فيه ونأمل تحقيقه، ونجده مناسباً لقدراتنا وقد خلقنا لنكتفي به، في أثناء سيرنا على درب تحقيق ما هو ليس ممكناً بل مستحيلاً.

في الأدب
يخضع الخاص دوماً للعام، وعلى العام أن يرتضي دوماً بالخاص. لا أحد سيداً للمنتج الخلاق، وعلى الجميع الرضوخ لذلك. الإدراك الذهني أساس كل عمل فني، صغيراً كان أم كبيراً، حتى في أدق تفاصيله.
كم هو قليل ما كتب عما حصل، وكم هو قليل ما وصلنا مما كتب! الأدب بطبيعة الحال مجزأ مقطع، ويضم نصباً تذكارية للعقل الإنساني طالما سجلت وحفظتها الأيام لنا. بنيت علاقتي مع شيلر على اتجاهنا الحاسم كلينا نحو هدف واحد، وبوسائل مختلفة، محاولين جهدنا لبلوغه. وقد كانت لي الملاحظة التالية حول اختلاف دقيق جداً بين وجهتي نظرينا، تحدثنا عنه ثم عاد ليذكرني به في موضع من إحدى رسائله لي: هناك فرق كبير بين أن يبحث الشاعر عن الخاص ليصل إلى العام أو أن يرى العام في الخاص، هنا تظهر استعارة مجازية، ففي الحالة الأولى لا يكون الخاص إلا مثالاً أو أنموذجاً للعام، أما الحالة الثانية فتمثل في الحقيقة طبيعة الشعر، تتمثل وتتحدث عن الخاص من دون أن تفكر أو حتى أن تشير إلى العام، ومن يتناول هذا الخاص ويمنحه الحيوية يحصل على العام أيضاً، وربما من دون أن ينتبه إلى ذلك أو على الأقل ينتبه بعد حين.
الناس كلهم يرون الموضوع، أما المضمون فلا يجده إلا من أراد أن يضيف شيئاً إليه، ثم إن الشكل مختبئ عن الأغلبية، ويبقى عنهم سراً مستوراً.
«يوجد فنانون لاحقون: أدعياء غير متخصصين، وانتهازيون، فالأدعياء يمارسون الفن للتسلية والآخرون للاستفادة».
ويذكر أن العنوان «أفكار وتأملات» استخدم أول مرة سنة 1833 كتسمية لمجموعة صغيرة من أقوال غوته النثرية وحكمه، جمعها الناشر الذي تولى تصنيف أعماله.

مقالات ذات صلة

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock