ثقافة وفن

المكتبة الظاهرية في دمشق … ماضٍ حافل ومستقبلٌ مشرق

| نبيل تللو

تشكِّل المكتبات العامة مركزاً مهماً من مراكز الإشعاع الحضاري للأمم والشعوب، ففيها يُحفظ التراث الثقافي من مخطوطاتٍ وكتب، فيها تُصَنَّف وتُفهرس لتقديمها لطالبي العلم والمعرفة، ومن تلك المكتبات في وطننا الغالي سورية تتبوأ «المكتبة الظاهرية» مكاناً متميزاً بين المكتبات العامة، وكنت قد أمضيت في أيام الشباب داخل قاعاتها ساعاتٍ طويلة قارئاً لكتبها، وقد رأيت كتابة هذه المقالة عنها لتذكير كرام القارئات والقراء بما نسوه، وتعريفهم على ما لا يعرفونه.
تقع المكتبة الظاهرية، واسمها الرسمي: « دار الكتب الوطنية الظاهرية»، التي كانت تُعَدُّ المكتبة الوطنية للقطر العربي السوري، والتي تتبع مجمع اللغة العربية في دمشق القديمة قرب الجامع الأموي، قبالة المدرسة العادلية الكبرى، جانب حمَّام الملك الظاهر، منطقة باب البريد التابع لحي العمارة الدمشقي، وتتابع على ملكية الموقع الذي تشغله الدار عدة ملاك، فلقد بُنِيَ عليه أول الأمر دارٌ للشريف أحمد بن الحسين العقيقي المتوفى سنة 378 هـ، 988 م، ثم انتقلت ملكيتها إلى أبي أيوب والد القائد صلاح الدين الأيوبي لتكون قصراً لسكناه.
وعندما آلت السلطة إلى الملك السعيد «محمد بركة قان» المتوفى عام 678 هـ، 1280م، ابن الملك الظاهر بيبرس حاكم البلاد المصرية والشامية (625 – 676 هـ، 1228 – 1277 م)، عمل على استملاكها بغية تحويلها إلى مدرسة للأحناف والشوافعة ودار للحديث ومدفن لوالده، حيث بنى عليه قبة كبيرة لا تزال قائمة حتى اليوم، وقد لحق الملك السعيد بأبيه بعد سنتين ودُفِنَ إلى جانبه، وبقي البناء يُستعمل كما ورد آنفاً طوال ستة قرون، ثم عمدت الدولة العثمانية إلى إنشاء مدرسة ابتدائية فيه عُرفت باسم مدرسة الظاهر بيبرس.
وفي عام 1296 هـ، 1878 م عيَّن السلطان العثماني «مدحت باشا» المتوفى عام 1301 هـ، 1883 م والياً على سورية، وكان معروفاً بحبه للإصلاح وتقريبه للعلماء وتشجيعه للعلم، ما شجَّع بعض علماء الشام على الوقوف إلى جانبه ومؤازرته، وكان في مقدمهم الشيخ طاهر الجزائري مفتش معارف سورية المتوفى عام 1338 هـ، 1920 م، الذي كان له الفضل في دفع الحركة الثقافية والعمل على نشر العلم والتشجيع على بناء المدارس. وقد آلمه وصحبه ما آلت إليه كتب الوقف من إهمال، وهالهم أنه لم يبق من الثروة العلمية في دمشق إلا النزر اليسير، فشكوا أمرهم إلى رئيس الجمعية الخيرية الشيخ علاء الدين ابن العلامة محمد عابدين، الذي رفع شكواهم إلى الوالي مدحت باشا، فكتب كتاباً إلى السلطان العثماني جاء فيه: «لما كانت الكتب الموقوفة والمشروطة لاستفادة العموم قد حُصِرت بأيدي المتولين، وحرمت الناس من مطالعتها، كان من اللازم جمعها وجعلها في مكانٍ مخصوص ليكون الانتفاع بها عاماً».
وهكذا استطاع مدحت باشا الحصول على قرار يقضي بجمع الكتب وإيداعها في مكتبةٍ عامة يكون مقرها في تربة الملك الظاهر وابنه، وذلك بسبب اتساعها ومتانة عمارتها، وأمر بطبع فهرس يتضمن أسماء الكتب والمخطوطات التي ستُجمع، كما قرر تعيين محافظ لها ووضع نظامٍ خاصٍ بها، إلا أنه لم يستمر في جهوده بسبب عزله عن ولاية سورية وتعيين حمدي باشا بدلاً منه.
بدأ حمدي باشا عمله بتحويل الجمعية الخيرية إلى مجلسٍ للمعارف برئاسة مفتي دمشق محمود حمزة، الذي اشترك بالتعاون مع بعض أعيان دمشق في مطالبة الوالي الجديد بضرورة تنفيذ القرار السلطاني بجمع الكتب وإيداعها في تربة الملك الظاهر وولده، وأن تُفتح لكل من يريد المطالعة والاستفادة. فكان أن اتخذ الوالي الجديد قراراً بجعل دار الكتب هذه تحت إشراف لفيف من العلماء أطلق عليهم تسمية: « جمعية المكتبة العمومية».
وزيادةً في الحرص، فقد كُتِب ضبط استلام قدمته الجمعية الخيرية لجمعية المكتبة تم فيه تسجيل محتويات المكتبة، وأودعت نسخة منه في المحكمة الشرعية والأوقاف والجمعية الخيرية، وذلك عام 1298 هـ، 1881 م.
سارع الشيخ طاهر الجزائري وأعضاء جمعية المكتبة العمومية لجمع الكتب والمخطوطات من المكتبات الخاصة في بيوت دمشق، إلا أنهم لاقوا عنتاً من بعض أصحابها، وتعرضوا للتهديد بالقتل ولاسيما الشيخ طاهر الجزائري، إلا أن الإيمان بأهمية الهدف لم يثنه عن عمله، واستطاع مع زملائه جمع نحو 2500 مخطوطة تبحث في شتى العلوم والفنون، إضافة إلى الكثير من الكتب المطبوعة التي شكلت مع المخطوطات النواة الأولى للمكتبة الظاهرية، وساهم بعض مثقفي دمشق وبعض المؤسسات الرسمية كهيئة المعارف في تزويدها بالكتب، التي حُفِظت في خزائن حول ضريحي الملك الظاهر وابنه، وفتحت المكتبة أبوابها رسمياً أمام القراء عام 1298 هـ، 1881 م للمطالعة والبحث في ثلاث قاعاتٍ مطالعة كبرى إحداها في المدرسة العادلية الكبرى ومخصصة للباحثين، وأخذت محفوظاتها بالتزايد عاماً إثر عام.
غير أن عدم وجود الشروط الفيزيائية اللازمة لديمومة المخطوطات والكتب، قد أدى إلى تراجع مستواها الفني، وكان أن اتخذت السلطات الرسمية قراراً بنقل كلِّ المخطوطات والكتب النادرة من المكتبة الظاهرية إلى مكتبة الأسد الوطنية بعد افتتاحها عام 1984، حيث لقيت عناية فائقة ترميماً وتصنيفاً وفهرسةً وحفظاً وإعارةً، على حين بقيت الكتب الحديثة في المكتبة الظاهرية التي استمرت بأداء عملها حتى السنوات الأولى من القرن الحادي والعشرين.
ونظراً لانتماء الملك الظاهر بيبرس إلى أراضي كازاخستان اليوم، فقد اتفقت جمهوريتا سورية وكازاخستان عام 2007 على ترميم ضريحي الملك الظاهر وابنه والمكتبة المقامة جوارهما، بتبرعٍ سخي من كازاخستان، وبتاريخ 14/2/2010 صدر المرسوم التشريعي رقم 20 المتضمن التصديق على الاتفاقية، التي تضمُّ أيضاً ترميم ضريح الفيلسوف الفارابي وإقامة صرحٍ ثقافي جانبه في حي الشاغور في دمشق القديمة، وقد تمَّ الانتهاء من أعمال الترميم والتشييد كافة، ومن المتوقع افتتاح الموقعين قريباً، ما يبشِّر بمزيدٍ من الألق الثقافي في دمشق خصوصاً وسورية عموماً.

مقالات ذات صلة

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock