دي ميستورا يعود… هل يوقف الحرب بالإرهاب؟

عبد السلام حجاب

يبدو واضحاً، أن دي ميستورا، المبعوث الدولي المكلف إيجاد حل سياسي للأزمة في سورية، لن تكون الطريق أمامه معبدة في الحوارات التي سيجريها في جنيف بدءاً من الرابع من أيار القادم مع مختلف الأطراف ولاسيما تلك التي تحمل في حقائبها أجندات سياسية وعسكرية خاصة، لا تعكس حسن نوايا بقدر ما تشكله من ألغام جاهزة للتفجير مباشرة أو عن بعد بقصد تحقيق أهدافها في سورية. ويتضح ذلك من خلال مؤشرين لا يحتاجان من دي ميستورا مزيداً من البحث والتكهنات وهما:
1- تعطيل متعمد تفرضه واشنطن على قرارات مجلس الأمن التي وقعت عليها، فيما يتعلق بمكافحة الإرهاب ولاسيما القرارات 2170و2178 و2199 ومندرجاتها الملزمة بوقف الدعم والتسليح وتمرير الإرهابيين عبر الحدود، أو إقامة معسكرات لتدريب المرتزقة والمجرمين والدفع بهم إلى داخل الجغرافيا السورية، ليصبح هؤلاء الإرهابيون مهما تبدلت أسماؤهم أوراقاً سياسية على طاولة دي ميستورا بصورة مباشرة أو بالوكالة!؟
2- إن من يقرع طبول الحرب على سورية من أطراف حلف واشنطن فلن يسعى إلى إيقافها: بل إن ما يقدمه هؤلاء حسبما يترتب عليه من دور ووظيفة لدعم وتصعيد جرائم الإرهاب بمسمياته القديمة والمستحدثة ضد سورية وشعبها ولجعل هذا الإرهاب فصيلاً في عدوان تقوم به دول تحت الطلب لاحقاً ضد سورية ومحورها المقاوم، لن يكون وفقاً لطبيعة الأحداث وتطوراتها، أوراقاً سياسية بل كتل من دخان ونار لن تمنح دي ميستورا فرصة أن يسأل من يقرع طبول الحرب بالإرهاب ولا أن يعرف كيف عليه إيقاف نيرانها ولاسيما أن القانون الدولي يعاني عطالة مزمنة بفعل الهيمنة الأميركية والدول الغربية الأخرى النافذة في مجلس الأمن: ولا نضيف جديداً بالقول إن هذه الأطراف لن تتحقق مصالحها حين يسود القانون والعدالة وإعلاء سلطة المبادئ والمواثيق الدولية.
ما من شك في أن عودة دي ميستورا باعتماده منهج الحوارات المنفصلة في جنيف مع مختلف الأطراف عدا تنظيمي «داعش والنصرة» الإرهابيين مع احتمالية وجود من يمثلهما من المعارضات التي تتلطى خلف واجهات سياسية، هو منهج ليس عبثياً من حيث المبدأ، وإن كانت تحيط به ألغام سياسة الكيل بمكيالين الأميركية.
بل جاء محمولاً على وقائع اللقاءات التشاورية في موسكو (1) وما شكلته نتائج موسكو (2)، من اختراق لجهة الحل السياسي، عندما يتحاور السوريون مع بعضهم دون أي تدخل خارجي أو أجندات سياسية مخفية. مايشير إلى أن دي ميستورا، أخذ ربما بحكمة «أن الأعمى لا يضع قدمه على الأرض إلا بعد أن يختبر الطريق بعصاه» وهو ما نبهت إليه الخارجية السورية في بيان «أن الأزمة في سورية ما كانت لتستمر لولا دعم وتمويل وتدريب ورعاية بعض الدول للتنظيمات الإرهابية»، كما شدد الوزير لافروف على «أنه يجب مكافحة الإرهاب دون اللجوء إلى الكيل بمكيالين».
رغم ذلك، فإن السؤال المطروح، ألا يعتقد دي ميستورا ومن خلفه، المنظمة الدولية وأمينها العام بأن سياسة الكيل بمكيالين تقف وراء حروب باردة على ضفاف الخاصرة الروسية في أوكرانيا. لشرعنة النازية الجديدة، وأخرى ساخنة ضد سورية والمنطقة بهدف شرعنة الإرهاب وتدجين القضية الفلسطينية بإسقاط حق العودة للشعب الفلسطيني، ومن يراقب مسارات التصعيد الإرهابي في الشمال والجنوب السوري حالياً، وفي المخيمات الفلسطينية وأنواع الدعم العسكري واللوجستي المباشر عبر الحدود السورية مع نظامي أردوغان العثماني والحاكم الأردني وما يسانده من تدفق للبترودولار والسلاح من نظامي السعودية وقطر يصب في خانة المصالح الصهونية المباشرة وغير المباشرة. إنما يتجلى له بوضوح أن الرئيس أوباما يقود هجوماً معاكساً، في سياقين، عسكري لفرض شروط عبر التصعيد بالإرهاب المبرمج وسياسي يضمن تعطيل قدرة إيران السياسية وإيقاف الخلل الذي أصاب المخططات الصهيوأميركية في سورية والعراق والمنطقة: جراء مفاعيل الاتفاق الإطاري بانتظار الثلاثين من حزيران القادم موعد التوقيع النهائي وما يمكن أن تسفر عنه تطورات الأحداث من وقائع جديدة لن يكون العدوان السعودي على اليمن بمشاركة أميركا والكيان الصهيوني بعيداً عنها، إن لم يكن مقدمة لحسابات تجهد لتحويل إيران إلى عدو وجعل الكيان الصهيوني «الصديق» المعول عليه في الخريطة المفترضة للشرق الأوسط الجديد!؟
لا جدال أنه في مثل هذا الخضم السياسي المفتوح على احتمالات شتى حيث يطغى صوت الحروب فوق أصوات يحكمها العدل والسلام الدوليان. فإن المخارج التي يبحث عنها دي ميستورا ستكون في مواجهة عقبات يسعى من ورائها أوباما إلى كسب مزيد من الوقت إذا لم يكن تحقيق شروط سياسية كفيلة بتزوير حقائق التاريخ والجغرافيا، وهو ما سيقود إلى الكارثة حيث تسقط القفازات الناعمة وسياساتها الترقيعية، ويدفع الجميع في المنطقة تكاليف حرب غير محدودة ودامية!؟
لا شك بأن سورية بقيادة الرئيس بشار الأسد، وهي تتابع جهود دي ميستورا بعد الاختراق الذي حدث في منتدى موسكو (2) بين وفد الحكومة والمعارضات السورية لن تألو جهداً لبلوغ الحل السياسي الذي يصنعه السوريون أنفسهم من دون أي تدخل خارجي، كما ستمارس حقها في مواجهة الإرهاب والتصدي لمخططات داعميه حتى دحره عن كل ذرة تراب سورية، وإسقاط تلك المخططات مهما طال أمدها وبلغت التضحيات في مواجهتها، واثقة بأن النصر النهائي يصنعه صمود الشعب السوري وتضحيات رجال الحق في الميدان، وأما الزبد فهو حصاد حلف المؤامرة واللاهثين وراء الأحلام والرهانات التي ستسقط لا محال.