من دفتر الوطن

سكان حي الأبراج العاجية!

| عبد الفتاح العوض

لا أدري لأي سبب تم استخدام تعبير «البرج العاجي» في وصف أولئك الذين يعيشون بعيدين عن الواقع، أولئك الذين يتحدثون كما لو كانوا في كواكب أخرى كل ما فيها مختلف عما نعايشه. البرج العاجي مصطلح أطلقه الشاعر الفرنسي سانت بيف في قصيدة «أفكار أغسطس». وقد استخدم هذه العبارة لكي يبين انعزال ووحدة الفنان أو الفيلسوف عمّا يحدث من مشاغل ومشكلات على الأرض، كما في قصيدة «البرج» للشاعر ييتس تعني التأمل، لكن البرج العاجي بشكل عام يعني العزلة عن الحياة.
لكن أياً كان السبب في استخدام تعبير «البرج العاجي» فهو تعبير جميل على الأقل يوصف به حالة بتنا نلاحظها بكثرة في حياتنا اليومية. عادة ما يوصف به أولئك الرومانسيون والمثاليون والشعراء والأدباء… لكن هذا الزمن ولى، فهؤلاء طردوا من حي الأبراج العاجية وجاء سكان آخرون، أكثر سكان الأبراج العاجية في هذه الأيام هم من الأثرياء الذين يتحدثون عن حياة الناس بطريقة مختلفة تماماً، وهذه الطبقة الصغيرة عدداً الكبيرة تأثيراً ترسم صورة ما يجري بطريقتها بحيث تبدو الأمور من خلال وصفها مثل رسم كاريكاتيري يضخم بعض الأجزاء ويقزّم أجزاء أخرى.
هؤلاء حيث تكلفة تربية «كلبهم» تساوي رواتب عدة موظفين…. أو مكافأة استرجاع كلب ضائع تساوي رواتب موظف درجة أولى لعامين. هؤلاء الذين ما زالت بالنسبة لهم إجازات خارج البلد مثل سهرة في الربوة.
أيضاً ثمة أبراج «بشعة» تلك التي يسكنها حديثاً أثرياء الأزمة، فهؤلاء لم يمر وقت طويل عليهم لخروجهم من «أحيائنا» لكنهم ما إن وطئت جيوبهم حي الأبراج العاجية حتى تحولت لهجتهم ونبرتهم وكلماتهم إلى أحجيات من الغرور والغطرسة والكثير مما يثير الضحك والشفقة معاً.
ثمة أيضاً أنماط مزعجة من سكان الأبراج العاجية، وهم أولئك المسؤولون الذين لا يعرفون الواقع تماماً، ويتحدثون عن حياة الناس مما تنقله لهم «زوجاتهم» نقلاً عن الجيران!
يمكنك أن تلمس ذلك من خلال عدم قدرتهم على اتخاذ قرارات قريبة من حاجات الناس، فهناك مسافة بين «إبداعاتهم» وما يحتاجه الناس.
من الواضح أن عدم الدراية بالواقع أو عدم القدرة على التعامل معه يجعل بعض المسؤولين في «حيّ» والناس في حيّ آخر!
لا أستطيع أن أفسّر مثلاً رقم المكتب المركزي للإحصاء بأن متوسط إنفاق الأسرة السورية 116 ألف ليرة سورية! فلو كان المسؤول يعرف الواقع لكان لديه ألف سبب للتدقيق في الرقم وفي العينة، وأقول ذلك على سبيل المثال فقط.
كذلك لدينا نمط آخر من سكان الأبراج العاجية، لكن هؤلاء يملكون ما يفسر لهم ذلك ولا يبرره.. فالبعض الذي هاجر أو سافر إلى بلدان أخرى أصبح يتحدث عن سورية بلهجة من لا يعرفها ولا يعرف ما فيها.. أشخاص «انفصلوا» عن ماضيهم وأعلنوا الطلاق بالمليون مع ما كان عليه واقعهم، إن تعبير انسلاخ عن الماضي سيكون تعبيراً موفقاً.
نموذج من سكان الأبراج العاجية هم الذين لا يملكون مؤهلات لكنهم يدّعونها .. ولعل كثيراً منا صادف من هذا النموذج في حياته، يتحدثون كثيراً وربما ببلاغة أيضاً، لكنهم لا يتقنون الأفعال وإن كانوا يجيدون الأقوال.
على كل حال… سكان حي الأبراج العاجية جيران مزعجون!

أقوال:
المجتمع المريض لا يتسامح مع الأصحاء.
ولو أني حبيت الخلد فرداً.. لما أحببت في الخلد انفرادا.
زرعت أوجاعي في حقل من الصبر فأزهرت أفراحاً.

مقالات ذات صلة

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock