قضايا وآراء

الحصار «المرقّط»

| رفعت إبراهيم البدوي

لم تكن زحمة زيارات المسؤولين الروس والإيرانيين المتتالية إلى دمشق من قبيل المصادفة، بيد أن تلك الزيارات شكلت ما يشبه السباق المحموم لتسليم القيادة السورية رسائل حملت في طياتها مقترحات وعروضاً مقدمة سعياً للفوز بتسوية مع سورية.
إذاً، الحليفان الروسي والإيراني توليا نقل وتسليم المقترحات والعروض إلى القيادة السورية، وبترجمة خاصة حسب لغة ورؤية الناقل، إضافة للمصلحة التي تربط بين الحليف والجهة الساعية للتسوية.
الواضح أن سورية لا تستعجل فضّ مظاريف المناقصات السياسية حتى الآن، وهي تستعرض كل ما استجد من عروض بتأنٍّ شديد، وبما يتلاءم والمصلحة السورية، خوفاً من الدخول في منعطف التجاذبات وتضارب المصالح، وتجنباً لمزيد من الضغوط، خصوصاً في ظل أزمة المحروقات الخانقة التي تشهدها البلاد جراء الحصار عليها.
الواضح أن رسائل حلفاء سورية هذه المرة جاءت باتجاهات متعاكسة، وحسب الرؤية الخاصة والمنفصلة لكل حليف. لكن المؤكد هو أن عروضاً سخيّة من الخصوم، تركيا والسعودية، بدأت تنهال على دمشق لتسلك طريق التعاون السياسي والأمني ووصفت بالإيجابية.
دمشق، من جهتها، تعكف على دراسة كل الاحتمالات والمبادرات. طهران تدفع باتجاه تبني دمشق لمبادرة وصفتها إيران بأنها نوعية وتهدف إلى إعادة ترتيب أوراق الصراع السوري مع دول الجوار، وأبرزها الجارة «العثمانية». وما زيارة وزير الخارجية الإيرانية محمد جواد ظريف إلى سورية إلا لنقل رسائل بين أنقرة ودمشق، في مسعى إيراني لترتيب تسويات سياسية وأمنية، وصولاً إلى إعادة فتح باب العلاقات بين البلدين، ولو أنه يقتصر في البداية على التعاون الاستخباراتي، خصوصاً بعد إطلاق جرس إنذار نتائج الانتخابات البلدية التي أصابت أردوغان بصفعة غير متوقعة، إضافة إلى تردي العلاقات التركية مع كل من مصر والسعودية والإمارات العربية، وسقوط الحليف الأخير الرئيس السوداني المعتقل عمر البشير وتغيير الحكم في الخرطوم.
ومن سعي طهران العمل على تقريب وجهات النظر بين دمشق وأنقرة، إلى سعي موسكو إلى المقلب الآخر، العاصمة الروسية تريد تقريب وجهات النظر بين دمشق والرياض عبر دفع دمشق إلى تنفيذ القرار الأممي رقم 2254، والإسراع في تشكيل اللجنة الدستورية، وذلك قبل انعقاد مؤتمر سوتشي المرتقب أواخر هذا الشهر.
روسيا تصف سعيها هذا بأنه يصب في مصلحة التقارب مع البلدان العربية، ويمهّد الطريق أمام عودة سورية إلى الجامعة العربية، ويسهم في كسر الحصار السياسي وفك الاشتباك الحاصل، تمهيداً للتسوية المقبلة.
بيد أن تسارع الأحداث والمبادرات والرسائل التي تحط في دمشق، لا يمكن فصلها عن ممارسة لعبة الضغط الإقليمي لتعزيز أدوار الدول وتحالفاتها وتأمين مصالحها الاستراتيجية، ولو كانت على حساب معاناة الشعب السوري.
عن السعي الإيراني مع الجار العثماني، يتبين أن سياسة إيران التي كانت قائمة على حبك السجاد العجمي بصبر طويل قد ولّت اليوم، وأن إيران تسعى وبكل ما أوتيت من عزم إلى تشبيك مصالح الدول المترابطة حدودياً، وذلك بهدف تأمين أوسع مروحة متناغمة ومصالح الشعوب، خصوصاً تلك الشعوب التي تجمعها بإيران الإسلام والإيدولوجيا، الأمر الذي يضمن لإيران دوراً أكبر، ويمنحها نفوذاً سياسياً مؤثراً في رسم معالم المنطقة، خصوصاً لجهة الصراع مع العدو الإسرائيلي.
إذاً التباين الخفي بين القوى الحليفة لسورية بات اليوم معلناً. لم يعد خافياً سعي موسكو إلى تقويض النفوذ الإيراني المتمدد والآخذ بالتوسع على حساب نفوذ دول الخليج العربي في المنطقة، تحقيقاً لمطلب خليجي بامتياز وهذا الأمر الذي يفسر التقارب الروسي – السعودي، مقابل التقارب الإيراني ـ التركي. وصار واضحاً أن زحمة المبادرات ليست أهدافها سياسية فحسب، فالانعكاسات ستُترجم فوائد اقتصادية لا بد من صرفها في المرحلة المقبلة، وإن كانت بوادرها ظهرت من خلال اجتماع رؤساء المجالس النيابية لدول جوار العراق: الأردن وسورية وتركيا وإيران.
اشتباك القوى والمصالح
في ظل هذا الاشتباك، تشهد سورية أزمة حقيقية وحصاراً خانقاً جراء شحّ في توريد مادة المحروقات التي تعتبر مادة مؤثرة، الأمر الذي لا يمكن فصله عن تشابك القوى والمصالح وممارسة الضغط على سورية لبلوغ أهداف المبادرات والعروض المقترحة عليها. فأزمة المحروقات التي تشهدها سورية اليوم، لم تكن موجودة حتى في عز الحرب السورية، ويبقى السؤال حول توقيت الأزمة.
إن أصوات نشازٍ تؤذي السمع، كانت قد ارتفعت من الحليف الروسي بررت تقاعس الحليف عن مدّ يد العون في توريد المحروقات إلى سورية، مدعياً أن تكلفة النقل ستكون عالية، مع العلم أن المسافة بين الموانئ الروسية والموانئ السورية هي نصف المسافة بين الموانئ الإيرانية والسورية، وأن كلفة نقل المحروقات من إيران إلى سورية أكثر بكثير من كلفة نقلها من روسيا إلى سورية، ومع ذلك فإن سورية تسدد ما عليها من فواتير نقل وبانتظام.
أما السؤال عن الدور العراقي المتقاعس في مد يد العون إلى سورية في أزمتها، على الرغم من قرب المسافة البرية بين البلدين، فالجواب من الإخوة في العراق هو الالتزام بقرار المنع الأميركي السعودي بهدف زيادة الضغط على سورية.
إن ما تشهده الساحة السورية جراء الأزمة الخانقة، هو أمر مخطط بالتكافل والتضامن بين الحلفاء والخصوم، الهدف منه جعل سورية تحت الضغط، وفي محاولة لجعلها تنحو للقبول بالعرض الروسي أو بالعرض الإيراني. بمعنى آخر، فإن الحصار المفروض على سورية هو حصار مرقّط ومموه، هدفه الولوج إلى تحقيق أهداف معينة قد تؤمن مصلحة هذا الحليف أو ذاك، بعد التوافق مع الأخصام.
بانتظار فض مظاريف العروض والتسويات، نقول للذين امتهنوا الاصطياد في الماء العكر، وانتهاز الفرص للتلاعب على وتر وجع الناس، أولئك أصحاب الأصوات الناشزة من خلال وسائل التواصل الاجتماعي وغيرها: لا تكونوا شركاء في الضغط على سورية، وكونوا عوناً لها، فالذي لم يحصل عليه الخصم والحليف بالدماء، لن يتم الحصول عليه اليوم من خلال حصار مرقّط وأهدافه باتت واضحة.
إننا، وانطلاقاً من ثقتنا المتينة نقول: إن القيادة السورية لن تختار أياً من العروض، إلا تلك التي تضمن الحفاظ على بقاء قلب الجمهورية العربية السورية نابضاً بالعروبة.

مقالات ذات صلة

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock