ثقافة وفن

الفهم والمعايير المجتمعية لصناعة الأخبار … صراع الوجود بين التلفاز ووسائل التواصل الاجتماعي

| أحمد محمد السحّ

نُشر الكثير من الكتب والدراسات التي تتعلق بصناعة الخبر في الإذاعة والتلفزيون في الغرب؛ وترجمها واستلهمها العرب وغيرهم من الشعوب التي لم تصنع هذا الجهاز، ولم تطوّر في علومه التكنولوجية والتنظيرية، ومنذ عقود والسعي دؤوب لتنظيم وصنع القواعد والأسس النظرية لدراسة المصنع الاجتماعي للأخبار. فالناس يستقبلون الأخبار بتنوعاتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية باهتمامٍ أكبر كلما كانت العبارات التي تصيغ هذه الأخبار أكثر قوةً وتحفيزاً، وأكثر التصاقاً بالناس قبل كل شيء، حيث توصل إليهم ما يهمّهم بلغةٍ تتناسب مع مستواهم التعليمي مهما انخفض أو ارتفع هذا المستوى.

يفرض تنوع مصادر الأخبار اليوم ضرورة البحث عن محررين ووكالات أنباء قادرة على جمع الأخبار وإجراء التقاطعات والاختبارات لإعادة صياغتها وإنتاجها بالسرعة القصوى، فالخبر الذي يسبقك إليه الآخرون، صار ملكهم وملك الناس للتناقل، والأفضل ألا يعاد نشره، رغم أن وكالات الأنباء شأنها شأن أي مؤسسة مؤثرة في العالم لديها مرونتها وبيروقراطيتها، كما أن عليها الكثير من الضغوط بالمال والتوجيه أو ما يسمى أكاديمياً بالسياسة التحريرية للأخبار، ما يفرض عليها – أي وكالاتُ الأنباء – إنتاج الخبر بما يخدم توجيهات رأس المال المندمج حكماً بالاقتصادي والاستخباراتي وهذا بات واضحاً في السنوات الأخيرة.
بقي التلفزيون حتى الأمس هو الجهاز الأقوى الذي طغى على حياة الناس واستحوذ اهتمامهم، وأحدث تغييراتٍ جذريةً فيها، وعمل كمصدرٍ للثقافة والتربية والعلم والفن والسياسة والاقتصاد، وقبل كل ذلك الترفيه، لكن التلفزيون اليوم يبدو في مرحلة المرض السريري، التي قد تتحول إلى غيبوبة قريباً، بانتظار الموت الرحيم، فالمشتغلون اليوم بالتلفاز أنفسهم يتابعون منتجهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي، والصحفيون والكتاب والإذاعيون يسعون إلى الخوض في ركب السوشيال ميديا قبل أن يظلوا على هامش العالم الجديد ومقتضيات إعلامه. حتى إن تطويع اللغة بما يتناسب مع التقنيات والاقتضابات التي فرضتها وسائل التواصل الاجتماعي بات ضرورياً، وينعكس وسينعكس حدّ التكريس بفرض التكثيف على اللغة، فتويتر مثلاً في التغريدة الواحدة يتيح لك ثلاثمئة حرفٍ فحسب، وعليك أن تقول خبرك /تغريدتك، بما لا يتجاوز هذا، ومثله، البوست عبر الفيسبوك، فرغم أنه يسمح لك بحجمٍ أكبر بكثير من الحروف إلا أنه كلما قصر المنشور/ البوست كلما انتشر بين المتابعين أكثر، إذاً، نحن أمام عملية فرضٍ تقني تخوض غمار اللغة الإعلامية التي كثيراً ما تعرضت للدراسات والأبحاث التي تناولت اللغة بالمعنى المعجمي، واقتصر فهم اللغةِ معجمياً على معنى التكّلم من دون التوسع بالمعنى التفصيلي للّغة بأبعاد أخرى تأخذها بمعنى الوظيفة التواصلية التي تقدّم المعرفة وتستثمرها، وتحقق احتياجات الفرد المجتمعية من خلال التواصل مع من هم حوله، ويتطور الأمر اليوم ليوسع مفهوم اللغة رابطاً إياها بعصر انفجار المعلومات، أو انفجار البيانات كما يرِدُ في أدبيات مهندسي المعلوماتية، لتجد أن اللغة متواترة ومنتشرة مع كل مصطلح معرفي يشير إلى وصول أي معلومة إلى الدماغ – مركز المعالجة- لينتج عنها معرفة يتم تبادلها بشكل آخر من اللغة وهكذا دواليك إذاً، فقد تشظت اللغة إلى لغات (لغة العيون، لغة الإشارة، لغة البرمجة، لغة التكلم، لغة الروح، لغة الجسد.. وغيرها الكثير).
وعلى الرغم من ارتباط لغة الأخبار بعلم الاجتماع، فإن اللغة التي يتكلمها الصحفيون لا يفهمها علماء الاجتماع ولا يثقون بها، فعلماء الاجتماع يجدون أن اللغة التي تثار بها الأخبار مصنوعة أو مفبركة أو منقوصة أو متلاعبٌ بها، ومن جانبهم يجد الصحفيون أن هذه الإشارات الاتهامية تشكّل هجوماً مباشراً عليهم وعلى مؤسساتهم الإعلامية التي يعملون بها، مما يحذوهم إلى دفاعٍ عنيف عن أنفسهم وعن عملهم، فهم يعتبرون أنفسهم غير مصلوبين تحت قوس المحكمة ليقولوا «الحق ولا شيء غير الحق»، وهم يعترفون بالضغوط والانحرافات عن نقل الخبر بدقته العالية، ولكنهم يؤكدون أن الصحفي الملتزم بمهنته لا يمكن أن يقوم بتزوير الأخبار أو فبركتها، إنما ينظّمها ويهذّبها ما يجعلها قريبةً للجمهور وجاذبةً له.
تتعرض هذه المهنة اليوم لانعراجات حادة، فيتم خرق كلّ قواعدها وأسسها الأكاديمية، في زمن صار فيه العبث بالعمل الإعلامي مهنةً بحدّ ذاتها، فتجد جحافل من الطامحات والطامحين، لا يهمهم سوى الشهرة لكونهم ولدوا في زمن الحروب الإعلامية وخطورتها، ولو أنهم ولدوا في زمن الزيتون لكان طموحهم أن يصيروا قاطفي زيتون – ولكان ذلك أنفع للبشر والأرض – والغريب أن الجهات الإعلامية المختصة تسعى إلى استقطاب هؤلاء الشباب لتؤمن نجاحاً لها عبر السوشيال ميديا بوجوههم وصورهم التي تستخدم للجذب والتسويق الترويجي لا الفكري على الإطلاق، والغريب أن هؤلاء أنفسهم باتوا يطلقون نظرياتهم «الإعلامية» وينتقدون هذه المهنة في أنها صارت منتهكة، مع أنهم كانوا من أوائل المنتهكين لها، والمراقبُ الجيّدُ يعرف أن الوسيلة الإعلامية التي يقودها عقلٌ أكاديمي منفتح تصدر بصيغة مختلفة عن التي يقودها أناس هوسهم الشهرة والصدامات المفتعلة، رغم أنها بكل أسف تفعل فعلها بين الناس والأجيال القادمة، ولربما تؤسس لجيلٍ سينتج مراكزه الإعلامية التي تشبه هذه الفوضى لتخلق لنا توارثاتٍ من الأمراض والاستعداداتِ لأمراضَ جديدة.

مقالات ذات صلة

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock