من دفتر الوطن

الأصيل

| زياد حيدر

كان صديق للعائلة يكرر أن «الأصيل يُخضِعُ نفسه لامتحان الزمن حتى مماته».
الأصالة أشكال، فهي خصال في البشر، وهي صفات لعاداتهم، وهي ربما تصلح لوصف تداعيات الأيام والسنوات على الأشياء أيضاً.
ومن بين الصفات الكثيرة التي يمكن أن يوصف بها المرء، لطالما وجدت هذه الصفة الأجمل والأعمق.
فلا يجب أن تقال عن عبث، وهي لا تصيب صغار السن ممن لم تختبرهم السنون، فهي لم تتثبت عليهم بعد.
والأصالة بالنسبة لي، هي تراكم من الصفات النبيلة، كالصدق مع الآخرين، وقبله الصدق مع الذات، وأيضاً اللهفة للمظلوم، وإكرام الضيف ولاسيما الفقير، والإيمان بجوهر الناس الطيب، والثقة الكبيرة بالنفس دون غرور، الثقة التي تبنى على أساس من الأخلاق والتجارب، سواء كانت تلك التي تراكمت شخصيا، أم تلك التي جمعتها ذاكرة الأسرة.
والأسرة بدورها هي عامل من عوامل تكوين الأصالة، فهي ترسخها كمبدأ عيش، ينسجم مع بيئته المحيطة، دون أن يتنازل في الوقت ذاته عن قناعاته التي تشكلت عبر تعاقب الأجيال، والناحية الأخيرة مهمة، لأن الأصيل يتطور مع الزمن، فالأصالة المقرونة بالنبل لا تأتي دون انفتاح ومرونة، لأنها حينها تتحول لأحكام جامدة وأسلوب حياة محافظ يميل للتشبه بالسلف لا تطوير قيمه، لهذا لا بد للأصيل إن استحق هذه الصفة أن يتطور، ولكن دون أن يصبح اقتياده سهلاً، وليس دون محاكمة للواقع، ومقارنة للحجج، وحتماً ليس دون أرضية القيم المترسخة، والتيمن بين قوائمها القناعة بالعدل، والعدل هنا ليس عدل الكتب السماوية، المتروك للقيامة، وإنما العدل الإنساني الذي يبنى على التجارب الحياتية، والخبرات البشرية عبر التاريخ البشري.
هذا بين البشر، أما بين الأشياء فالأصيل، هو الذي يبقى لأنه مجبول بما ذكر سابقا من صفات البشر.
إنه باق يدافع عن نفسه، دون ذراعين، ويجادل بفم صامت، ولا يتطفل على حياتك ولا يلوي يديك، بل ينتظر أن تبحث عنه، لتحتكم إليه، أن تجده كي تملأ به عقلك، أن تختبره مرة تلو المرة، في بحثك الدائم عن أجوبة، وأحياناً في سعيك الدائم لبلورة أسئلة أيضاً.
هذا يتجسد واقعياً في الكتاب.
أي كتاب.
الكتاب الذي أعلن عن احتضاره مرات عديدة، عبر السنوات الماضية.
الكتاب الذي تنبأ عديدون بإعلان نبأ وفاته، بعد المنافسة الحادة التي فرضتها وسائل الإعلام، أولاً بدءاً بالتلفزيون، مروراً باختراع الهواتف النقالة، وصولاً لثورة الإعلام الاجتماعي، بإشعاراته التي تلاحقك إلى كل مكان.
لكن الأصيل يبقى.
يبقى لأن هذا التراكم الذي سبق وذكرنا، فالتراكم لا يمكن حذفه ولا تدميره، وهو ليس ذاكرة شخص واحد بالمليارات.
في رحلتي اليومية للعمل، في إحدى المدن الأوروبية، وبتقييمي لملاحظات شخصية، يبدو واضحاً أن الكتاب لازال منتصرا في هذه المعركة غير المتكافئة.
يزيد عدد الذين يقرؤون وقوفا عن عدد الذين يقرؤون جلوسا. كتب سميكة في أيديهم، إلى جانب الكتب الالكترونية.
يزداد الاعتماد على النصوص الأدبية، في السينما، ولاسيما لدى متطلبي الجودة والعمق، بعكس ما تقدمه منصات التواصل.
قد تقول الأرقام غير ذلك، لكن ولادة دار نشر كل حين في هذا العالم، وخصوصاً في الجزء العربي منه لا يمكن أن يكون سوى خبر جيد.. يحسب للأصالة والأصيلين.

مقالات ذات صلة

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock