قضايا وآراء

إخفاقات أردوغان

| تحسين الحلبي

يتساءل معظم المحللين في أوروبا وسورية ماذا بقي للرئيس التركي رجب أردوغان من أوراق يلعب بها بعد تراكم الهزائم النسبية الخارجية والداخلية التي لحقت بإستراتيجيته لدعم الإسلاميين أينما كانوا في العالم العربي من أجل تحقيق أهدافه الطوباوية بإعادة «الدولة العثمانية» على قاعدة حزب العدالة والتنمية وتتويجه سلطاناً عصرياً جديداً!
يبدو أن نذير الشؤم الذي ظهر له هذه المرة كان من المكان نفسه الذي بدأ منه في بناء أحلامه وهو اسطنبول حين انتخب عام 1994 رئيس بلدية لها وأخذ يشق طريقه منها حتى وصل بعد ثمانية أعوام إلى رئاسة الحكومة التركية.
في اسطنبول عام 2019 هزم مرتين أمام جميع الأتراك وشعوب العالم وحين استخدم كل صلاحياته لتغيير هزيمة مرشحه في انتخاباتها الأولى وفرض تكرار الانتخابات ظهرت هزيمته أضعاف ما كانت عليه في الانتخابات الأولى، ويتفق الجميع على أن ساحة تركيا السياسية بدأت تشق طريقها نحو تحولات لا تسر أردوغان ولا حزبه ولا سياسته وأحلامه، ومن المؤكد أن حزبه آخذ في التراجع على مستوى شعبيته ودوره بغض النظر عمن يمكن أن يملأ الفراغ الذي يمكن أن يتشكل في أعقاب هذا التراجع. فالانتخابات الأخيرة في اسطنبول ازدادت فيها المضامين السياسية أكثر من المضامين البلدية ومعاييرها.
رئيس البلدية المنتخب مرتين أكرم إمام أوغلو أصبح له رصيد مضاعف بعد دورتي انتخابات فاز فيهما خلال أسابيع وتحول إلى كابوس في أحلام أردوغان وحزبه وخصوصاً بعد أن قام بتقليد بعض التصرفات التي انتهجها أردوغان لزيادة شعبيته، فقد ذكرت مجلة «دير شبيغيل» الألمانية أن إمام أوغلو عمل على تعديل صورته أمام الجمهور وبدأ يظهر مع والدته التي تضع الحجاب واهتم بالظهور أمام عدسات التصوير وهو يدخل مسجداً.
وتعتقد مصادر «دير شبيغيل» الألمانية أن بعض قادة ورموز في حزب أردوغان بدأت تتململ ويزداد تذمرها من خسارات أردوغان في الداخل والخارج وقد يدفعها ذلك في مرحلة مقبلة إلى شق طريق آخر للمحافظة على مصالحها.
لكن صلاحية أردوغان في الرئاسة التي لن تنتهي إلا في عام 2023، وستدفع الأحزاب في هذه الساحة إلى تحمل كل ما يمكن أن يقوم به من ردود فعلٍ لأن صلاحياته في الدستور تظل موجودة ولو قررت أغلبية برلمانية رفض ما يتخذه من سياسات لا تتفق معها.
ولذلك ريما سيتجنب رئيس بلدية اسطنبول الجديد وحزبه وبقية حلفاء هذا الحزب أي صدام مع أردوغان طوال هذه السنوات الأربع المقبلة التي لا يمكن خلالها إسقاطه ولا الحد من عنف وأخطار سياساته، وهذا ما جعله في هذا الموقع يشبه الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي يتخذ سياسة الهجوم على الجميع ومعاقبة الأعداء والأصدقاء بل أيضاً الحلفاء من دون أن يكون في مقدور مجلسي الكونغرس النواب والشيوخ الحد من تطرفه السياسي، لكن أردوغان ليس لديه قوة يستطيع من خلالها امتصاص هزائمه أو تعديل نتائجها بين فترة وأخرى، بل إنها تتراكم وتتفاقم منذ سنوات كثيرة فهو يواجه أزمة متفاقمة مع حليفه الأساسي الولايات المتحدة ومع الاتحاد الأوروبي وحلف الأطلسي المشلول ومع جواره السوري والعراقي والإيراني والروسي من دون أن تتضح سياسة ثابتة منسجمة تركية مع كل هذه الدول والأطراف باستثناء عدائه لسورية واحتلاله لأراضٍ داخلها.
فهو يحاول اللعب بجميع الأوراق حتى المتناقضة فيما بينها من جهة وفيما بينه من الجهة الأخرى ولذلك يتوقع المختصون بالشؤون التركية أن يتوجه أردوغان خلال هذه السنة نحو أحد خيارين:
إما اللعب على المكشوف مع روسيا والانسجام مع مستلزماتها وإما العودة للعب على المكشوف مع واشنطن وتل أبيب وفتح حرب باردة مع روسيا بدعم أميركي بشكل خاص، فقد سدت أمامه كل طرق الألاعيب القديمة بين كل هذه المتناقضات.

مقالات ذات صلة

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock